تفسیر ابن عربی سوره الإسراء

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الإسراء

(17) سورة الإسراء مكيّة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[سورة الإسراء (17): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)

[اعلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لو لا بعثه اللّه تعالى رسولا ما ظهرت عليه آية ظاهرة في العموم‏]

اعلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لو لا بعثه اللّه تعالى رسولا ما ظهرت عليه آية ظاهرة في العموم كما ظهرت على من تقدم، فما ظهر عنه صلّى اللّه عليه و سلم من الآيات المنقولة في العموم إنما كان ذلك من كونه رسولا، رفقا من اللّه تعالى بهذه الأمة و إقامة حجة على من كذبه و كذب ما جاء به، أ لا ترى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم كيف أسري به إلى المقام الذي قد عرف و جاء به القرآن و الخبر الصحيح، فلما خرج إلى الناس بكرة تلك الليلة و ذكر للأصحاب ما ذكر مما جرى له في إسرائه بينه و بين ربه تعالى، أنكر عليه بعض أصحابه، لكونهم ما رأوا لذلك أثرا في الظاهر، بل زادهم حكما في التكليف، و موسى عليه السلام لما جاء من عند ربه كساه اللّه نورا على وجهه يعرف به صدق ما ادعاه، فما رآه أحد إلا عمي من شدة نوره، فكان يتبرقع حتى لا يتأذى الناظر إلى وجهه عند رؤيته، من ذلك نعلم الفرق بين الورثة المحمديين و ورثة سائر الأنبياء، فورثة الأنبياء يعرفون في العموم بما يظهر عليهم من خرق العوائد، و وارث محمد صلّى اللّه عليه و سلم مجهول في العموم معلوم في الخصوص، لأن خرق عادته إنما هو حال و علم في قلبه، فهو في كل نفس يزداد علما بربه، علم حال و ذوق، لا يزال كذلك، و لو لا ما طلب الرسول صلّى اللّه عليه و سلم بالمعراج ما رحل، و لا صعد إلى السماء و لا نزل، و كان يأتيه شأن الملأ الأعلى و آيات ربه في موضعه، كما زويت له الأرض و هو في مضجعه، و لكنه سر إلهي لينكره من شاء- لأنه لا يعطيه الإنشاء- و يؤمن به من شاء، فقال تعالى‏ «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ»

[العبودية المحضة أشرف الحالات‏]

فسبّح الحق نفسه، و قرن سبحانه التسبيح بهذا السفر الذي هو الإسراء فقال‏ «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ» و هو خبر، ينفي بذلك عن قلب صاحب الوهم و من تحكم عليه خياله من أهل الشبه و التجسيم، ما يتخيله في حق الحق من الجهة و الحد و المكان، فلهذا قال‏ «لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا» فجعله مسافرا به صلّى اللّه عليه و سلم، يعلم أن الأمر من عنده عزّ و جل هبة إلهية و عناية سبقت له مما لم يخطر بسره و لا اختلج في ضميره، و قوله‏ «بِعَبْدِهِ» يعني عبدا لم يكن فيه شي‏ء من الربوبية التي يدعيها الخلق، فوصفه بأشرف الحالات و هي العبودية المحضة، فجعله عبدا محضا، و جرده عن كل شي‏ء حتى عن الإسراء، فجعله يسرى به و ما أضاف السرى إليه، فإنه لو قال: سبحان الذي دعا عبده لأن يسري إليه أو إلى رؤية آياته فسرى؛ لكان له أن يقول، و لكن المقام منع من ذلك، فجعله مجبورا لا حظ له من الربوبية في فعل من الأفعال، فإن العبودية في غاية البعد من صفات الربوبية، فاختار سبحانه لنبيه الشرف الكامل بأعلى ما يكون من صفات الخلق، و ليس إلا العبودية، فإن اللّه إذا أكرم عبدا سافر به في عبوديته، فما سماه إلا بأشرف أسمائه عنده، لأنه ما تحسّن عبد بحسن أحسن و لا زينة أزين من حسن عبوديته، و لأن الربوبية لا تخلع زينتها إلا على المتحققين بمقام العبودية «لَيْلًا» و جعل الإسراء ليلا، تمكينا لاختصاصه بمقام المحبة، لأنه اتخذه خليلا حبيبا، و أكده بقوله‏ «لَيْلًا» مع أن الإسراء لا يكون في اللسان إلا ليلا لا نهارا، لرفع الإشكال حتى لا يتخيّل أنه أسرى بروحه، و يزيل بذلك من خاطر من يعتقد من الناس أن الإسراء ربما يكون نهارا، فإن القرآن و إن كان نزل بلسان العرب، فإنه خاطب به الناس أجمعين، أصحاب اللسان و غيرهم، و الليل أحب زمان المحبين لجمعهما فيه، و الخلوة بالحبيب متحققة بالليل، و لتكون رؤية الآيات بالأنوار الإلهية خارجة عن العادة عند العرب بما لم تكن تعرفها، فإن البصر لا يدرك شيئا من المرئيات بنوره خاصة إلا الظلمة، و النور الذي به يكشف الأشياء إذا كان حيث لا تغلب قوة نور البصر، فإذا غلب حكمه مع نور البصر حكم الظلمة لا يراه سواه، إذ كان البصر لا يدرك في الظلمة الشديدة سوى الظلمة، فالبصر يرى بالنور المعتدل النور و ما يظهر له النور من الأشياء المدركة، و لا فائدة عند السامع لو كان العروج به نهارا من رؤية الآيات فإنه معلوم له، فلهذا كان ليلا، و أتى أيضا بقوله‏ «لَيْلًا» ليحقق أن الإسراء كان بجسده الشريف صلّى اللّه عليه و سلم فإن قوله‏ «أَسْرى‏»

[سر الإسراء ليلا]

يغني عن ذكر الليل، قليلا في موضع الحال من عبده، فالإسراء لا يكون إلا بالليل، و كذا معارج الأنبياء لم تكن قط إلا بالليل، لأنه محل الأسرار و الكتم و عدم الكشف‏ «مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ» سمي المسجد الأقصى لأنه أقصي من الأولية، لأن البيت الذي هو الكعبة قد حاز الأولية، و بين الأقصى و بينه أربعون سنة، و لم يكن ظهوره للعبادة بعد المسجد الحرام، إلا بعد أربعين سنة «لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا» اعلم أنه ما نقل اللّه عبدا من مكان إلى مكان ليراه، بل ليريه من آياته التي غابت عنه، فإن اللّه تعالى قال: (وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ) فهو تعالى معنا أينما كنا، في حال نزوله إلى السماء الدنيا في الثلث الباقي من الليل في حال كونه استوى على العرش، في حال كونه في العماء، في حال كونه في الأرض و في السماء، و في حال كونه أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد منه، و هذه نعوت لا يمكن أن يوصف بها إلا هو، فنقله عبده من مكان إلى مكان ليريه ما خص اللّه به ذلك المكان من الآيات الدالة عليه تعالى، من حيث وصف خاص لا يعلم من اللّه تعالى إلا بتلك الآية، فكأنما سبحانه و تعالى يقول ما أسريت به إلا لرؤية الآيات لا إليّ، فإنه لا يحويني مكان، و نسبة الأمكنة إليّ نسبة واحدة، فأنا الذي وسعني قلب عبدي المؤمن، فكيف أسري به إليّ و أنا عنده و معه أينما كان؟ «إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» يقول له صلّى اللّه عليه و سلم: أخبر العباد بما رأيته، تشوقهم إليّ و ترغبهم فيّ، و تكون رحمة لهم.

فلما أراد اللّه تعالى أن يري النبي محمدا صلّى اللّه عليه و سلم من آياته ما شاء، أنزل إليه جبريل عليه السلام و هو الروح الأمين بدابة يقال لها البراق، إثباتا للأسباب و تقوية له، ليريه العلم بالأسباب ذوقا، ليعلمنا بثبوت الأسباب التي وضعها في العالم، و البراق دابة برزخية فإنه دون البغل الذي تولد من جنسين مختلفين و فوق الحمار الذي تولد من جنس واحد، و هو مركب المعارج فإنه يجمع بين ذوات الأربع و ذوات الجناح فهو علوي سفلي، فركبه صلّى اللّه عليه و سلم و أخذه جبريل عليه السلام، و البراق للرسل مثل فرس النوبة الذي يخرجه المرسل‏ إلى المرسل إليه بالرسول ليركبه تهمما به في الظاهر، و في الباطن أن لا يصل إليه إلا على ما يكون منه‏ لا على ما يكون من غيره ليتنبه بذلك، فهو تشريف و تنبيه لمن لا يدري مواقع الأمور، فهو تعريف في نفس الأمر، فجاء صلّى اللّه عليه و سلم إلى البيت المقدس و نزل عن البراق و ربطه بالحلقة التي تربطه بها الأنبياء، كل ذلك إثبات للأسباب، فإنه ما من رسول إلا و قد أسري به راكبا على ذلك البراق، و إنما ربطه مع علمه بأنه مأمور و لو أوقفه دون ربط بحلقة لوقف، و لكن حكم العادة منعه من ذلك إبقاء لحكم العادة التي أجراها اللّه في مسمى الدابة، و قد قلب البراق في الطريق بحافره القدح الذي كان يتوضأ به صاحبه في القافلة الآتية إلى مكة، فلما صلى جاءه جبريل عليه السلام بالبراق فركب عليه و معه جبريل، فطار البراق به في الهواء فاخترق به الجو، فعطش و احتاج إلى الشرب، فأتاه جبريل عليه السلام بإناءين:

إناء لبن و إناء خمر- و ذلك قبل تحريم الخمر- فعرضهما عليه، فتناول اللبن، فقال جبريل عليه السلام: أصبت الفطرة أصاب اللّه بك أمتك، فلما وصل إلى السماء الدنيا استفتح جبريل فقال له الحاجب: من هذا؟ فقال: جبريل، قال: و من معك؟ قال: محمد صلّى اللّه عليه و سلم، قال و قد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [فدخلنا فإذا بآدم صلّى اللّه عليه و سلم و عن يمينه أشخاص بنيه السعداء أهل الجنة، و عن يساره نسم بنيه الأشقياء عمرة النار] و رأى صلّى اللّه عليه و سلم نفسه في أشخاص السعداء الذين عن يمين آدم فشكر اللّه تعالى، و علم عند ذلك كيف يكون الإنسان في مكانين و هو عينه لا غيره، فقال: مرحبا بالابن الصالح و النبي الصالح، ثم عرج به البراق و هو محمول عليه في الفضاء الذي بين السماء الأولى و السماء الثانية أو سمك السموات، فاستفتح جبريل السماء الثانية كما فعل في الأولى، و قال و قيل له، فلما دخل إذا بعيسى عليه السلام بجسده عينه، فإنه لم يمت إلى الآن بل رفعه اللّه إلى هذه السماء و أسكنه بها، فرحب به و سهل، ثم جاء السماء الثالثة فاستفتح و قال و قيل له ففتحت، و إذا بيوسف عليه السلام فسلم عليه و رحب و سهل، و جبريل في هذا كله يسمي له من يراه من هؤلاء الأشخاص، ثم عرج به إلى السماء الرابعة، فاستفتح و قال و قيل له ففتحت، فإذا بإدريس عليه السلام بجسمه فإنه ما مات إلى الآن بل رفعه اللّه مكانا عليا، و هو هذه السماء قلب السموات و قطبها، فسلم عليه و رحب و سهل، ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فاستفتح و قال و قيل له، فإذا بهارون و يحيى عليهما السلام، فسلما عليه و رحبا به و سهلا، ثم عرج به إلى السماء السادسة، فاستفتح و قال و قيل له ففتحت، و إذا بموسى عليه السلام فسلم عليه و رحب و سهل، ثم عرج به إلى السماء السابعة، فاستفتح و قال و قيل له ففتحت، فإذا بإبراهيم الخليل عليه السلام مسندا ظهره إلى البيت المعمور، فسلم عليه و رحب و سهل و سمى له البيت المعمور الضراح، فنظر إليه و ركع فيه ركعتين،

و أعلمنا أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك من الباب الواحد و يخرجون من الباب الآخر، و أخبره أن أولئك الملائكة يخلقهم اللّه كل يوم من قطرات ماء الحياة التي تسقط من جبريل حين ينتفض كما ينتفض الطائر عند ما يخرج من انغماسه في نهر الحياة، فإن له كل يوم غمسة فيه، ثم عرج به إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها كالقلال و ورقها كآذان الفيلة، فرآها و قد غشاها اللّه من النور ما غشى، فلا يستطيع أحد أن ينعتها لأن البصر لا يدركها لنورها، و رأى يخرج من أصلها أربعة أنهار: نهران ظاهران و نهران باطنان، فأخبره جبريل أن النهرين الظاهرين النيل و الفرات، و النهرين الباطنين نهران يمشيان إلى الجنة، و أن هذين النهرين النيل و الفرات يرجعان يوم القيامة إلى الجنة، و هما نهرا العسل و اللبن،- و في الجنة أربعة أنهار نهر من ماء غير آسن، و نهر من لبن لم يتغير طعمه، و نهر من خمر لذة للشاربين، و نهر من عسل مصفى- و أخبره أن أعمال بني آدم تنتهي إلى تلك السدرة، و أنها مقر الأرواح، فهي نهاية لما ينزل مما هو فوقها و نهاية لما يعرج إليها مما هو دونها، و بها مقام جبريل عليه السلام و هناك منصته، فنزل صلّى اللّه عليه و سلم عن البراق بها و جي‏ء إليه بالرفرف- و هو نظير المحفة عندنا- فقعد عليه و سلمه جبريل إلى الملك النازل بالرفرف، فسأله الصحبة ليأنس به، فقال: لا أقدر لو خطوت خطوة احترقت، فما منا إلا له مقام معلوم، و ما أسرى اللّه بك يا محمد إلا ليريك من آياته، فلا تغفل.

فودعه و انصرف على الرفرف مع ذلك الملك يمشي به، إلى أن ظهر لمستوى سمع منه صريف القلم، و الأقلام في الألواح بما يكتب اللّه بها مما يجريه في خلقه و ما تنسخه الملائكة من أعمال عباده، و كل قلم ملك، قال تعالى: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ثم زج في النور زجة فأفرده الملك الذي كان معه و تأخر عنه، فاستوحش لما لم يره، و بقي لا يدري ما يصنع، و أخذه هيمان في ذلك النور، و أصابه الوجد فأخذ يميل ذات اليمين و ذات الشمال، و استفزعه الحال و كان سببه سماع إيقاع تلك‏ الأقلام و صريفها في الألواح، فأعطت من النغمات المستلذة ما أداه إلى ما ذكرناه من سريان الحال فيه و حكمه عليه، فتقوى بذلك الحال، و أعطاه اللّه في نفسه علما علم به ما لم يكن يعلمه قبل ذلك، عن وحي من حيث لا يدري وجهته، فطلب الإذن في الرؤية بالدخول على الحق، فسمع صوتا يشبه صوت علی ابن ابی طالب و هو يقول له: «يا محمد قف إن ربك يصلي» فراعه ذلك الخطاب و قال في نفسه: أربي يصلي؟!!

فلما وقع في نفسه هذا التعجب من هذا الخطاب، و أنس بصوت علی ابن ابی طالب، تلي عليه‏ (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ) فعلم عند ذلك ما هو المراد بصلاة الحق، فلما فرغ من الصلاة و أوحى اللّه إليه في تلك الوقفة ما أوحى، أمره بالدخول فدخل، فرأى عين ما علم لا غير و ما تغيرت عليه صورة اعتقاده، ثم فرض عليه في جملة ما أوحى به إليه خمسين صلاة في كل يوم و ليلة، فنزل حتى وصل إلى موسى عليه السلام، فسأله موسى عما قيل له و ما فرض عليه، فأجابه و قال إن اللّه فرض على أمتي خمسين صلاة في كل يوم و ليلة، فقال له: يا محمد قد تقدمت إلى هذا الأمر قبلك و عرفته ذوقا و تعبت مع أمتي فيه، و إني أنصحك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجع ربك و سله التخفيف، فراجع ربه فترك له عشرا، فأخبر موسى بما ترك له ربه، فقال له موسى: راجع ربك، فراجعه فترك له عشرا، فأخبر موسى، فقال له: راجع ربك، فراجعه فترك له عشرا، فأخبر موسى، فقال له: راجع ربك، فراجعه فترك له عشرا، فأخبر موسى، فقال له: راجع ربك، فراجعه، فقال له ربه: هي خمس و هي خمسون، ما يبدل القول لدي.

فأخبر موسى، فقال: راجع ربك. فقال: إني أستحي من ربي و قد قال لي كذا و كذا، ثم ودعه و انصرف و نزل إلى الأرض قبل طلوع الفجر، فنزل بالحجر فطاف و مشى إلى بيته، فلما أصبح ذكر ذلك للناس، فالمؤمن به صدقه و غير المؤمن به كذبه و الشاكّ ارتاب فيه، ثم أخبرهم بحديث القافلة و بالشخص الذي كان يتوضأ، و إذا بالقافلة قد وصلت كما قال، فسألوا الشخص فأخبرهم بقلب القدح كما أخبرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و سأله من حضره من المكذبين ممن رأى بيت المقدس أن يصفه لهم- و لم يكن رأى منه صلّى اللّه عليه و سلم، إلا قدر ما مشى فيه و حيث صلى- فرفعه اللّه له حتى نظر إليه، فأخذ ينعته الحاضرين، فما أنكروا من نعته شيئا، فكان قوله تعالى‏ «لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا» أي ليريه ما أودع من الآيات و الحقائق فيما أبدع من الخلائق، فأراه اللّه من الآيات ما زاده علما باللّه‏

[إسراء الرسول صلّى اللّه عليه و سلم كان بجسمه‏]

إلى علمه، لذا قرن به‏ «إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ» لما خوطب به و لما يخبر به الحق من التعريفات‏ «الْبَصِيرُ» لما شاهده من الآيات و تقلبات الأحوال في العالم كله آيات من أحكام الأسماء الإلهية، فلو كان الإسراء بروحه و تكون رؤيا رآها كما يراه النائم في نومه ما أنكره أحد و لا نازعه، و إنما أنكروا عليه كونه أعلمهم أن الإسراء كان بجسمه في هذه المواطن كلها، و له صلّى اللّه عليه و سلم أربعة و ثلاثون مرة، الذي أسري به منها الإسراء واحد بجسمه، و الباقي بروحه رؤيا رآها، و بهذا زاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم على الجماعة بإسراء الجسم و اختراق السموات و الأفلاك حسا، و قطع مسافات حقيقية محسوسة.

و اعلم أنه لما ذكر اللّه سبحانه في كتابه العزيز أنه تعالى استوى على العرش، على طريق التمدح و الثناء على نفسه، إذ كان العرش أعظم الأجسام، فجعل لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم من هذا الاستواء نسبة على طريق التمدح و الثناء عليه به، حيث كان أعلى مقام ينتهي إليه من أسري به من الرسل، و ذلك يدل أنه أسري به صلّى اللّه عليه و سلم بجسمه، و لو كان الإسراء به رؤيا لما كان الإسراء و لا الوصول إلى هذا المقام تمدحا، و لا وقع من الأعراب في حقه إنكار على ذلك، لأن الرؤيا يصل الإنسان فيها إلى مرتبة رؤية اللّه تعالى، و هي أشرف الحالات، و في الرؤيا ما لها ذلك الموقع من النفوس، إذ كل إنسان بل الحيوان له قوة الرؤيا، فقال صلّى اللّه عليه و سلم عن نفسه على طريق التمدح لكونه جاء بحرف الغاية و هو (حتى) فذكر أنه أسري به حتى ظهر لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام، و هو قوله تعالى: «لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» فالضمير في‏ «إِنَّهُ هُوَ» يعود على محمد صلّى اللّه عليه و سلم، فإنه أسري به فرأى الآيات و سمع صريف الأقلام، فكان يرى الآيات و يسمع منها ما حظّه السماع و هو الصوت، فإنه عبّر عنه بالصريف، و الصريف الصوت، فدل أنه بقي له من الملكوت قوة ما لم يصل إليه بجسمه من حيث هو راء و لكن من حيث هو سميع، فوصل إلى سماع أصوات الأقلام و هي تجري بما يحدث اللّه في العالم من الأحكام.

و اعلم أن قصة الإسراء و إن كانت مشتملة على الترقي بالنبي صلّى اللّه عليه و سلم، فليست منافية إلى عموم إحاطة ربنا سبحانه بجميع الجهات و عدم اختصاصه، و لا مستلزمة لإثبات الجهة، و يدل عليه أمور: منها افتتاح السورة «بسبحان الذي» المقتضي للتنزيه تنبيها على تعاليه عن التحيز بالجهات و على عدم اختصاصه بجهة. الثاني: قوله‏ «أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ» فأتى بهاء الإضافة المفيدة للمصاحبة في تعدية الفعل، تنبيها على مصاحبته له في حالة إسرائه، و أنه ليس نائيا و لا بعيدا عنه، فيحتاج في‏ قربه إلى قطع مسافة مكانية، و تحقيقا لقوله صلّى اللّه عليه و سلم (اللهم أنت الصاحب في السفر).

الثالث: قوله‏ «بِعَبْدِهِ» تنبيها على أنه على حسب التحقق لخضوع العبودية يكون الترقي إلى حضرة الربوبية. الرابع: قوله‏ «لَيْلًا» و إن كان لفظ الإسراء مفيدا لذلك تنبيها على أن كل ما تضمنه الإسراء كان خارجا عن العادة في مثله، فإنه جعل العلة فيه أن يريه من آياته، و الإرادة العادية سلطانها النهار، فقال‏ «لَيْلًا» ليعلم أن الرؤية المقصودة ليست عادية، بل هي رؤية ربه بنور رباني سلطانه الليل دون النهار. الخامس: قوله‏ «مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» نبه على أن الإسراء لو كان لضرورة رؤية ربه لكونه مخصوصا بجهة العلو لم تكن حاجة بالذهاب إلى المسجد الأقصى، و لأمكن الترقي من مكة إلى السماء، فدل على أن الإسراء و الترقي من مكان لمكان لحكمة وراء ما زعم مثبت الجهة، و السر فيه و في كونه ذكره تعالى في كتابه على أن العبد لا يصل إلى اللّه تعالى إلا فردا تحقيقا، لقوله‏ (وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً) و لا تتحقق له الفردية إلّا بعد مفارقة الحوادث و تجرده عنها، فهناك يصل إلى حضرة عنديته، و قد جاء الكتاب العزيز بالتنبيه على أن حضرة عنديته وراء دوائر السموات و الأرض، فقال تعالى‏ (وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ) فعطف من عنده على من في السموات و الأرض، و هي مع ذلك محيطة بالسماوات و الأرض كإحاطة ربنا بذلك كله، مباينة لها كمباينته، فمن أرادها فعليه بتفرقة الحوادث و مباينته لها، فعلم أن الفرقة فرقة قلبية غيبية، و فرقة حسية، فإن فارقها بقلبه وصل إلى اللّه تعالى بقلبه، و إن فارقها بحسه تبعا لقلبه وصل إلى اللّه تعالى بحسه و قلبه، و لذلك كان الإسراء مرتين مرة بالروح و مرة بالجسد، تنبيها على أنه صلّى اللّه عليه و سلم شرع لأمته فراق الحوادث مرتين، مرة بالروح و هو الإسراء الأول، و مرة بالجسد حسا و هو الإسراء الثاني، و من المعلوم أنه لا تحقق لفرقة الحوادث حسا إلا بمجاوزة دوائر الأفلاك كلها كما ثبت ليلة الإسراء، و أما ترتيب نقلته صلّى اللّه عليه و سلم و ترقيه في توجهه ففيه أسرار بديعة، أظهرها و أجلاها أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، و الصلاة حضرة القرب و المناجاة و المراقبة المثمرة لنعيم الرؤية، و من المعلوم أن التوجه توجهان: روحاني و حسي، فقبلة التوجه الروحاني وجه اللّه تعالى و لا اختصاص له بمكان، و أما التوجه الحسي فله قبلتان بيت المقدس و الكعبة، فبيت المقدس هو قبلة الأنبياء، و الكعبة هي قبلة إبراهيم صلّى اللّه عليه و سلم، فجاء الإسراء الروحاني أولا تأسيسا للشريعة في قوله تعالى‏ (وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)

تأسيسا للشريعة في قوله تعالى‏ (وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) و جاء الإسراء الحسي مبدوءا بالتوجه لبيت المقدس ثم إلى السماء ثم بالرجوع إلى الكعبة، تأسيسا للشريعة في التوجه الحسي في الصلاة أولا لبيت المقدس ثم للسماء في قوله تعالى‏ (قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ) ثم بالرجوع إلى قبلة مكة في قوله‏ (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) كذلك قوله تعالى‏ (ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏) إياك أن تفهم أن ذلك يشعر بتحديد في القرب أو تخصيص في جهة،

و إنما هو دنو تجل و كشف، لأنه ذكره في قصة الإسراء بالروح، أ لا ترى قوله تعالى بعد (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏) ثم ذكر بعده الإسراء الحسي فقال تعالى‏ (وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏) إلى قوله‏ (لَقَدْ رَأى‏ مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى‏) فإذا علمت أنه دنو تجل روحاني و كشف عرفاني، فهمت سر قوله تعالى‏ (وَ هُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى‏) ثم دنا عن الأفق الأعلى في نعيم الرؤية و في بيان الحق‏ (فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏) أي قدر قوسين، و القوس في اللغة يستعمل في الذراع و ما يقدر و يقاس به، و هو المراد هنا و هو من قوله تعالى في الصحيح [أنا عند ظن عبدي بي و أنا معه حين يذكرني‏] الحديث و فيه [فإن تقرب إليّ شبرا تقربت منه ذراعا، و إن تقرب إليّ ذراعا تقربت منه باعا] و ليس فيهما ذراع حسي محدود، و إنما المراد تمثيل التقريب لدنو الذاكر من المذكور في مجالس النجوى و الذكرى و تجلي سر المعية للقلب، و أدنى الرتب في ذلك تحقق القلب بسر سبحان اللّه و سر الحمد للّه، و كذلك كان صلّى اللّه عليه و سلم ليلة الإسراء، و إذا أردت التحقيق فخذه من افتتاح سورة الإسراء بسبحان و اختتامها بقوله‏ (وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ)* ثم نبه على انتفاء التقدير في دنوه بقوله تعالى‏ (أَوْ أَدْنى‏) و هو التحقيق بالتوحيد في نعيم الرؤية بالآية الكبرى و هي‏ (لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) و لذلك وصفه بقوله آخر سورة الإسراء (الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً) إلى قوله‏ (وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً) تحقيقا لقوله [و ما بينهم و بين النظر إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن‏] و إذا أردت أن تفهم سر التدلي في قوله تعالى‏ (فَتَدَلَّى) فتأمل ما رواه أبو عيسى الترمذي من حديث العنان، و فيه ذكر الأرضين السبع و أن بين كل أرض و أرض كما بين السماء و الأرض، ثم قال صلّى اللّه عليه و سلم [و الذي نفسي بيده لو دلى أحدكم حبلا لوقع على اللّه‏] فنبه صلّى اللّه عليه و سلم على عدم تحيزه في السماء و أنه ليس مختصا بجهة، كما نبه على ذلك قوله تعالى‏ (ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى) فإن الإسراء كان للعلو، فربما يوهم المحجوب أن الدنو في قوله‏ (دَنا) زيادة العلو، فنبه بقوله‏ (فَتَدَلَّى) على أن قربه قاب قوسين كان ثمرة التدلي المشعر بالتنزيل، و أنه تعالى لا يختص قربه بجهة العلو، بل التدلي إليه بالخضوع أقرب تحقيقا لقوله‏ (وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ) و في الصحيح [أقرب ما يكون العبد من ربه و هو ساجد] و إذا أردت زيادة التبصر بأن الإسراء و عروج الملائكة و رفع عيسى و ادريس صلى اللّه عليهم و سلم إلى السماء لا يدل على أن اللّه تعالى مخصوص بجهة السماء، فاعتبر فرض الحج على العباد إلى البيت الحرام، و أمر اللّه تعالى الناس بالتوجه إليه من جميع الجهات، و جعل سكانه جيران اللّه، و حجاجه وفده و ضيفانه، و الحجر الأسود يمينه، مع أن نسبة البيت و غيره إلى اللّه تعالى سبحانه كاعتبار المسافة بسفر أحد، فعلم أن القصد بالسير إلى البيت لا أن السير يقتضي القرب و الوصول إليه بالمكان،

و إنما للّه سبحانه تعبدات و أسرار في ضمن مشروعات يقتضيها من عباده بحكم ظاهر و حقيقة، أ لا تراه كيف ناجى موسى صلّى اللّه عليه و سلم بالواد المقدس و أسمعه كلامه من الشجرة، و وصفه بالقرب إلى مجلس حضرته و نجواه، مع الاتفاق على أنه تعالى لا يختص بجهة الواد المقدس، و لا يحل كلامه- و هو صفته- بالشجرة، و أن موسى صلّى اللّه عليه و سلم قرب إليه مع كونه بالأرض، و سمع نداء ربه من جانب الطور، و لم يكن ربه بجانب الطور، و إنما لتجلياته مظاهر و حجب روحانية و جسمانية، لا يشهدها إلا من فتق اللّه رتق قلبه، و فلق أصباح ليله، و نوّر مصباح مشكاته بزيت شجرة توحيده‏ (وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ) و اعلم أن اللّه تعالى نبه بقوله‏ «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ» إلى قوله‏ «وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً» أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لما تحقق (سبحان الله) أولا (و بحمد الله) آخرا تجلى له وجه ربه بكماله الجامع للجلال و الإكرام، في شرف لا إله إلا اللّه الجامع لسبحان اللّه و الحمد للّه، آية ربه الكبرى، و لهذا قال آخر السورة (وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً)

[- مشهد روحاني‏]

– مشهد روحاني- كان الإسراء مقاما خصّ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و هو مقام رؤية المعبود جل و علا، و هو مقام قاب قوسين أو أدنى، و ذلك أنه لما كان صلّى اللّه عليه و سلم ثمرة شجرة الكون، و درة صدفة الوجود و سره، و معنى كلمة كن، و لم تكن الشجرة مرادة لذاتها، و إنما كانت مرادة لثمرتها، فهي محمية محروسة لاجتناء ثمرتها و استجلاء زهرتها، و لما كان المراد عرض هذه الثمرة بين يدي مثمرها، و زفها إلى حضرة قربه، و الطواف بها على ندمان حضرته،قيل له: يا يتيم أبي طالب، قم فإن لك طالب، قد ادخر لك مطالب، فأرسل إليه أخص خدام الملك، فلما ورد عليه قادما، وافاه على فراشه نائما، فقال له: يا جبريل إلى أين؟

فقال: يا محمد ارتفع الأين من البين‏، فإني لا أعرف في هذه النوبة أين، لكني رسول القدم، أرسلت إليك من جملة الخدم، و ما نتنزل إلا بأمر ربك، قال: يا جبريل فما الذي مراد مني؟ قال: أنت مراد الإرادة، مقصود المشيئة، فالكل مراد لأجلك، و أنت مراد لأجله، و أنت مختار الكون، أنت صفوة كأس الحب، أنت درة هذه الصدفة، أنت ثمرة هذه الشجرة، أنت شمس المعارف، أنت بدر اللطائف، ما مهّدت الدار إلا لرفعة محلك، ما هيئ هذا الجمال إلا لوصلك، ما روّق كأس المحبة إلا لشربك، فقم فإن الموائد لكرامتك ممدودة، و الملأ الأعلى يتباشرون بقدومك عليهم، و الكروبيون يتهللون بورودك إليهم، و قد نالهم شرف روحانيتك، فلا بد لهم من نصيب جسمانيتك، فشرّف عالم الملكوت كما شرفت عالم الملك، و شرّف بوطء قدميك قمة السماء، كما شرفت بهما أديم البطحاء، قال: يا جبريل الكريم يدعوني، فما ذا يفعل بي؟

قال: ليغفر لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر، قال: هذا لي فما لعيالي و أطفالي؟ فإن شر الناس من أكل وحده، قال: و لسوف يعطيك ربك فترضى، قال: يا جبريل الآن طاب قلبي، ها أنا ذاهب إلى ربي. فقرب له البراق، فقال: ما لي بهذا؟ قال: مركب العشاق، قال: أنا مركبي شوقي و زادي توقي و دليلي ليلي، أنا لا أصل إليه إلا به، و لا يدلني عليه إلا هو، و كيف يطيق حيوان ضعيف أن يحمل من يحمل أثقال محبته، و رواسي معرفته، و أسرار أمانته التي عجزت عن حملها السموات و الأرض و الجبال؟ و كيف تطيق أن تدل بي و أنت الحائر عند سدرة المنتهى، و قد أنتهي إلى حضرة ليس لها منته؟ يا جبريل أين أنت مني و لي وقت لا يسعني فيه غير ربي، يا جبريل إذا كان محبوبي ليس كمثله شي‏ء فأنا لست كأحدكم، المركوب يقطع به المسافات، و الدليل يستدل به إلى الجهات، و إنما ذلك محل الحدثات، و أنا حبيبي مقدس عن الجهات، منزه عن الحدثات، لا يوصل إليه بالحركات، و لا يستدل عليه بالإشارات، فمن عرف المعاني عرف ما أعاني، هلم إن قربي منه مثل قاب قوسين أو أدنى.

فوقعت هيئة الوقت‏ على جبريل، فقال: يا محمد، إنما جي‏ء بي إليك لأكون خادم دولتك و صاحب حاشيتك، و جي‏ء بالمركب إليك لإظهار كرامتك، لأن الملوك من عاداتهم إذا استزاروا حبيبا، أو استدعوا قريبا، و أرادوا ظهور كرامتهم و احترامهم، أرسلوا أخص خدامهم و أعز دوابهم لنقل أقدامهم، فجئناك على رسم عادة الملوك و آداب السلوك، و من اعتقد أنه سبحانه و تعالى يوصل إليه بالخطإ وقع في الخطا، و من ظن أنه محجوب بالغطاء فقد حرم العطاء، يا محمد، إن الملأ الأعلى في انتظارك، و الجنان قد فتحت أبوابها و زخرفت رحابها و تزينت أترابها و روق شرابها، كل ذلك فرحا بقدومك و سرورا بورودك، و الليلة ليلتك و الدولة دولتك، و أنا منذ خلقت منتظر هذه الليلة، و قد جعلتك الوسيلة في حاجة قلّت فيها حيلتي، و انقطعت وسيلتي، فأنا فيها حائر العقل، ذاهل الفكر داهش السر، مشغول البال زائد البلبال، يا محمد، حيرتي أوقفتني في ميادين أزله و أبده، فجلت في الميدان الأول فما وجدت له أول، و ملت إلى الميدان الآخر فإذا هو في الآخر أول، فطلبت رفيقا إلى ذلك الرفيق فتلقاني ميكائيل في الطريق، فقال لي: إلى أين؟ الطريق مسدودة و الأبواب دونه مردودة، لا يوصل إليه بالأزمان المعدودة، و لا يوجد في الأماكن المحدودة، قلت: فما وقوفك في هذا المقام؟

قال: شغلني بمكائيل البحار و إنزال الأمطار، و إرسالها في سائر الأقطار، فأعرف كما أجاجها مددا، و كم تقذف أمواجها زبدا، و لا أعرف للأحدية أمدا، و لا للفردية عددا، قلت:فأين إسرافيل؟ قال: ذلك أدخل في مكتب التعليم، يصافح بصفحة وجهه اللوح المحفوظ، و يستنسخ منه ما هو مبروم و منقوض، ثم يقرأ على صبيان التعليم- في مثال- ذلك تقدير العزيز العليم، ثم هو في زمن تعلمه لا يرفع رأسه حياء من معلمه، فطرفه عن النظر مقصور، و قلبه عن الفكر محصور، فهو كذلك إلى يوم ينفخ في الصور، قلت: فهلم نسأل العرش و نستهديه، و نستنسخ منه ما علمه و نستمليه، فلما سمع العرش ما نحن فيه اهتز طربا، و قال: لا تحرك به لسانك و لا تحدث به جنانك، فهذا سر لا يكشفه حجاب، و ستر لا يفتح دونه باب، و سؤال ليس له جواب، و من أنا في البين حتى أعرف له أين؟ و ما أنا إلا مخلوق من حرفين، و بالأمس كنت لا أثر و لا عين، من كان بالأمس عدما مفقودا، كيف يعرف رؤية من لم يزل موجودا، و لا والدا و لا مولودا، و هو سبقني بالاستواء، و قهرني بالاستيلاء، فلو لا استواؤه لما استويت، و لو لا استيلاؤه لما اهتديت، استوى إلى‏ السماء و هي دخان، و استوى على العرش لقيام البرهان، فو عزته لقد استوى و لا علم لي بما استوى، و أنا و الثرى بالقرب منه على حد سوى، فلا أحيط بما حوى و لا أعرف ما زوى، و لكني عبد له و لكل عبد ما نوى، ثم إني أخبرك بقصتي، و أبث إليك شكوة غصتي، أقسم بعلي عزته و قوي قدرته، لقد خلقني و في بحار أحديته غرقني، و في بيداء أبديته حيرني، تارة يطلع من مطالع أبديته فينعشني، و تارة يدنيني من مواقف قربه فيؤنسني، و تارة يحتجب بحجاب عزته فيوحشني، و تارة يناجيني بمناجاة لطفه فيطربني، و تارة يواصلني بكاسات حبه فيسكرني، و كلما استعذبت من عربدة سكري، قال لسان أحديته: لن تراني، فذبت من هيبته فرقا، و تمزقت من محبته قلقا، و صعقت عن تجلي عظمته كما خر موسى صعقا، فلما أفقت من سكرة وجدي به، قيل لي: أيها العاشق، هذا جمال قد صناه، و حسن قد حجبناه، فلا ينظره إلا حبيب قد اصطفيناه، و يتيم قد ربيناه، فإذا سمعت سبحان الذي أسرى بعبده، فقف على طريق عروجه إلينا، و قدومه علينا، لعلك ترى من يرانا، و تفوز بمشاهدة من لم ينظر إلى سوانا، يا محمد إذا كان العرش مشوقا إليك فكيف لا أكون خادم يديك؟.

قدم إليه مركبه الأول و هو البراق إلى بيت المقدس، ثم المركب الثاني و هو المعراج إلى سماء الدنيا، ثم المركب الثالث و هو أجنحة الملائكة من سماء إلى سماء، و هكذا إلى السماء السابعة، ثم المركب الرابع و هو جناح جبريل عليه السلام إلى سدرة المنتهى، فتخلف جبريل عليه السلام عندها، فقال: يا جبريل نحن الليلة أضيافك، فكيف يتخلف المضيف عن ضيفه؟ أ هاهنا يترك الخليل خليله؟ قال: يا محمد أنت ضيف الكريم، و مدعو القديم، لو تقدمت الآن بقدر أنملة لاحترقت، و ما منا إلا له مقام معلوم، قال: يا جبريل إذا كان كذلك أ لك حاجة؟

قال: نعم، إذا انتهى بك إلى الحبيب حيث لا منته، و قيل لك: ها أنت و ها أنا، فاذكرني عند ربك. ثم زج به جبريل عليه السلام زجة فخرق سبعين ألف حجاب من نور، ثم تلقاه المركب الخامس و هو الرفرف من نور أخضر قد سد ما بين الخافقين، فركبه حتى انته به إلى العرش، فتمسك العرش بأذياله، و ناداه بلسان حاله، و قال: يا محمد إلى متى تشرب من صفاء وقتك آمنا من معتكره، تارة يتشوق إليك حبيبك و ينزل إلى سماء الدنيا، و تارة يطوف بك على ندمان حضرته و يحملك على رفرف رأفته‏ (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ) و تارة يشهدك جمال أحديته‏ (ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى‏) و تارة يشهدك جمال صمدانيته‏ (ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى‏) و تارة يطلعك على سرائر ملكوتيته‏ (فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏) و تارة يدنيك من حضرة قربه‏ (فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏) يا محمد هذا أوان الظمآن إليه و اللهفان عليه، و المتحير فيه لا أدري من أي جهة آتية، جعلني أعظم خلقه فكنت أعظمهم و أشدهم خوفا منه، يا محمد خلقني يوم خلقني فكنت أرعد من هيبة جلاله، فكتب على قائمتي (لا إله إلا اللّه) فازددت لهيبة اسمه ارتعادا و ارتعاشا، فلما كتب عليّ (محمد رسول اللّه) سكن لذلك قلقي و هدأ روعي، فكان اسمك أمانا لقلبي و طمأنينة لسري و رقية لقلقي، فهذه بركة وضع اسمك عليّ، فكيف إذا وقع جميل نظرك إليّ؟ يا محمد أنت المرسل رحمة للعالمين و لا بد لي من نصيب في هذه الليلة، و نصيبي من ذلك أن تشهد لي بالبراءة من النار مما نسبه إليّ أهل الزور و تقوّله عليّ أهل الغرور، فإنه أخطأ فيّ قوم فضلّوا و ظنوا أني أسع من لا حد له، و أحمل من لا هيئة له، و أحيط بمن لا كيفية له، يا محمد من لا حد لذاته و لا عد لصفاته، فكيف يكون مفتقرا إليّ أو محمولا عليّ؟ فإذا كان الرحمن اسمه، و الاستواء صفته و نعته، و صفته و نعته متصل بذاته، فكيف يتصل بي أو ينفصل عني، و لا أنا منه و لا هو مني؟

يا محمد و عزته لست بالقرب منه وصلا و لا بالبعد عنه فصلا، و لا بالمطيق له حملا و لا بالجامع له شملا، و لا بالواجد له مثلا، بل أوجدني من رحمته منة و فضلا، و لو محقني لكان فضلا منه و عدلا، يا محمد أنا محمول قدرته و معمول حكمته، فكيف يصح أن يكون الحامل محمولا؟ (لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا فأجابه لسان حاله صلّى اللّه عليه و سلم: أيها العرش إليك عني فأنا مشغول عنك فلا تكدر عليّ صفوتي و لا تشوش علي خلوتي، فما في الوقت سعة لعتابك و لا محل لخطابك، فما أعاره صلّى اللّه عليه و سلم طرفا و لا قرأ من مسطور ما أوحى إليه حرفا (ما زاغَ الْبَصَرُ) ثم قدم المركب السادس و هو التأييد، فنودي من فوقه و لم ير: حافظك قدامك، ها أنت و ربك. قال: فبقيت متحيرا لا أعرف ما أقول و لا أدري ما أفعل، إذ وقعت على شفتي قطرة أحلى من العسل، و أبرد من الثلج، و ألين من الزبد، و أطيب ريحا من المسك، فصرت بذلك أعلم من جميع الأنبياء و الرسل، فجرى على لساني: التحيات المباركات للّه الصلوات الطيبات للّه.

فأجبت: السلام عليك أيها النبي و رحمة اللّه و بركاته. فأشركت إخواني الأنبياء فيما خصصت به، فقلت: السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين. أراد بهم الأنبياء عليهم الصلاة و السلام، و لهذا قيل لأبي بكر رضي اللّه عنه ليلة أسري برسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: إنه رأى ربه، قال: صدق و كنت معه متمسكا بأذياله، مشاركه في مقاله، قيل: كيف؟ قال: في قوله: السلام علينا. فأجابه الملائكة: أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسوله قال: ثم نوديت ادن يا محمد، فدنوت، ثم وقفت، و هو معنى قوله عزّ و جل‏ (ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى) و قيل:

دنا محمد في السؤال فتدلى فتقدم للرب عزّ و جل، و قيل: دنا بالشفاعة و تقرب إلى الرب بالإجابة، و قيل: دنا بالخدمة و تقرب للرب بالرحمة. ثم دنا فتدلى معناه، دنا محمد من ربه فتدلى عليه الوحي من ربه، دنا لطافة فتدلى عليه رأفة و رحمة. لا يوصف بقطع مفازة و لا مسافة، قد ذهب الأين من البين، و تلاشى الكيف و اضمحل الأين‏ (فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ) فلو اقتصر على‏ (قابَ قَوْسَيْنِ) لاحتمل أن يكون للرب مكان، و إنما قوله‏ (أَوْ أَدْنى‏) لنفي المكان. و كان معه حيث لا مكان و لا زمان، و لا أوان و لا أكوان، فنودي:

يا محمد تقدم، فقال: يا رب إذا انتفى الأين فأين أضع القدم؟ قال ضع القدم على القدم‏ حتى يعلم الكل أني منزه عن الزمان و المكان و الأكوان، و عن الليل و عن النهار، و عن الحدود و الأقطار، و عن الحد و المقدار، يا محمد انظر، فنظر فرأى نورا ساطعا، فقال: ما هذا النور؟ قيل: ليس هذا نورا، بل هو جنات الفردوس، لما ارتقيت صارت في مقابلة قدميك، و ما تحت قدميك فداء لقدميك، يا محمد مبدأ قدمك منقطع أوهام الخلائق، يا محمد ما دمت في سير الأين جبريل دليلك و البراق مركبك، فإذا ذهب المكان و غبت عن الأكوان، و انتفى الأين و ارتفع البين من البين، و لم يبق إلا قاب قوسين، فأنا الآن دليلك يا محمد، أفتح لك الباب، و أرفع لك الحجاب، و أسمعك طيب الخطاب، في عالم الغيب وحدتني تحقيقا و إيمانا، فوحدني الآن في عالم الشهود مشاهدة و عيانا، فقال:

أعوذ بعفوك من عقوبتك، فقيل: هذا لعصاة أمتك، ليس هذا حقيقة مدّعي وحّدني، فقال: لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، فقال: يا محمد، إذا كلّ لسانك عن العبارة فلأكسونه لسان الصدق‏ (وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏) فإذا ضلّ عيانك عن الإشارة فلأجعلن عليك خلعة الهداية (ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى‏) ثم لأعيرنك نورا تنظر به جمالي،و سمعا تسمع به كلامي، ثم أعرفك بلسان الحال معنى عروجك عليّ، و حكمة نظرك إليّ، فكأنه يقول مشيرا: يا محمد إنا أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا- و الشاهد مطالب بحقيقة ما شهد به، و لا يجوز له الشهادة على غائب- فأريك جنتي لتشاهد ما أعددته لأوليائي، و أريك ناري لتشاهد ما أعددته لأعدائي، ثم أشهدك جلالي و أكشف لك عن جمالي، لتعلم أني منزه في كمالي عن المثيل و الشبيه و البديل و النظير و المشير، و عن الحد و القد و عن الحصر و العد و عن الجوز و الفرد، و عن المواصلة و المفاصلة و المماثلة و المشاكلة و المجالسة و الملامسة و المباينة و الممازجة، يا محمد إني خلقت خلقي و دعوتهم إليّ فاختلفوا عليّ، فقوم جعلوا العزيز ابني و أن يدي مغلولة و هم اليهود، و قوم زعموا أن المسيح ابني و أن لي زوجة و ولدا و هم النصارى، و قوم جعلوا لي شركاء و هم الوثنية، و قوم جعلوني صورة و هم المجسمة، و قوم جعلوني محدودا و هم المشبهة، و قوم جعلوني معدوما و هم المعطلة، و قوم زعموا أني لا أرى في الآخرة و هم المعتزلة، و ها أنا قد فتحت لك بابي و رفعت لك حجابي، فانظر يا حبيبي يا محمد هل تجد فيّ شيئا مما نسبوني إليه؟ فرآه صلّى اللّه عليه و سلم بالنور الذي قواه به و أيده به من غير إدراك و لا إحاطة، فردا صمدا، لا في شي‏ء و لا على شي‏ء، و لا قائما بشي‏ء و لا مفتقرا إلى شي‏ء، و لا هيكلا و لا شبها و لا صورة و لا جسما و لا محيزا و لا مكيّفا و لا مركبا، ليس كمثله شي‏ء و هو السميع البصير، فلما كلمه شفاها و شاهده كفاحا، فقال:

يا حبيبي يا محمد، لا بد لهذا الخلق من سر لا يذاع، و زمن لا يشاع‏ (فَأَوْحى‏ إِلى‏ عَبْدِهِ ما أَوْحى‏) فكان سر من سر في سر، وصل اللهم و سلم و بارك على أشرف مخلوقاتك، سيدنا و مولانا محمد بحر أنوارك و معدن أسرارك، و لسان حجتك و إمام حضرتك، و عروس مملكتك و طراز ملكك، و خزائن رحمتك و طريق شريعتك، و سراج جنتك و عين حقيقتك، المتلذذ بمشاهدتك، عين أعيان خلقك، المقتبس من نور ضيائك، صلاة تحل بها عقدتي و تفرج بها كربتي، و تقضي بها أربي و تبلغني بها طلبي، صلاة دائمة بدوامك باقية ببقائك قائمة بذاتك، صلاة ترضيك و ترضيه و ترضى بها عنا يا رب العالمين، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم، و صلى اللّه على سيدنا محمد و على آله و صحبه و سلم، و الحمد للّه رب العالمين.

 

 

[سورة الإسراء (17): آية 2]

وَ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ جَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (2)

[ «… أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا» الآية]

فنهى تعالى أن نتخذ وكيلا غيره، و هي نيابة الحق عن العبد، فالوكالة نيابة عن الموكل فيما وكله فيه أن يقوم مقامه، كما قال تعالى (لا إله إلا الله فاتخذه وكيلا) فأثبت لك الشي‏ء و سألك أن تستنيبه فيه بحكم الوكالة، فمن قال: إن الأموال ما خلقت إلا لنا إذ لا حاجة للّه إليها، فهي لنا حقيقة، ثم وكلنا الحق تعالى أن يتصرف لنا فيها، لعلمنا أنه أعلم بالمصلحة فتصرف على وجه الحكمة التي تقتضي أن تعود على الموكل منه منفعة، فأتلف ماله هذا الوكيل الحق تعالى بغرق أو حرق أو خسف أو ما شاء، تجارة له ليكسبه بذلك في الدار الآخرة أكثر مما قيل إنه في ظاهر الأمر إتلاف، و ما هو إتلاف بل هو تجارة بيع بنسيئة، يسمى مثل هذا تجارة رزء لكن ربحها عظيم، و هذا علم يعرفه الوكيل لا الموكل، و هو يحفظ عليه ماله لمصلحة أخرى يقتضيها علمه فيها، و من الناس من وكل اللّه فاستخلفه الوكيل في التصرف على ما يرسمه الوكيل، لعلم الوكيل بالمصلحة، فصار الموكل وكيلا عن وكيله، و هو الذي لا يتعدى الأمر المشروع في تصرفه و إن كان المال له، فالتصرف فيه بحكم وكيله.

[سورة الإسراء (17): الآيات 3 الى 7]

ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (3) وَ قَضَيْنا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (4) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَ كانَ وَعْداً مَفْعُولاً (5) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَ أَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَ لِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ لِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (7)

«إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها» اعلم أن التكاليف إن عملتها لا يعود على اللّه منها نفع، و إن أنت لم تعملها لا يتضرر بذلك، و أن الكل يعود عليك، فالزم الأحسن إليك تكن محسنا إلى نفسك.

[سورة الإسراء (17): آية 8]

عَسى‏ رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَ إِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَ جَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (8)

اعلم أيدك اللّه أن جهنم من أعظم المخلوقات، و هي سجن اللّه في الآخرة، و سميت جهنم جهنم لبعد قعرها، يقال: بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر، و هي تحوي على حرور و زمهرير، ففيها البرد على أقصى درجاته و الحرور على أقصى درجاته، و هي الآن مخلوقة و تحدث فيها آلات التعذيب بحدوث أعمال الجن و الإنس الذين يدخلونها، و جميع ما يخلق فيها من الآلام التي يجدها الداخلون فيها من الغضب الإلهي، و لا يكون ذلك إلا عند دخول الخلق فيها من الجن و الإنس متى دخولها، و أما إذا لم يكن فيها أحد من أهلها فلا ألم فيها في نفسها و لا في نفس ملائكتها، بل هي و من فيها من زبانيتها في رحمة اللّه منغمسون ملتذون يسبحون لا يفترون، و حد جهنم بعد الفراغ من الحساب و دخول أهل الجنة الجنة من مقعر فلك الكواكب الثابتة إلى أسفل سافلين، فهذا كله يزيد في جهنم مما هو الآن ليس مخلوقا فيها، و لكن ذلك معد حتى يظهر، إلا الأماكن التي عيّنها اللّه من الأرض، فإنها ترجع إلى الجنة يوم القيامة، مثل الروضة التي بين منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و بين قبره صلّى اللّه عليه و سلم، و كل مكان عيّنه الشارع و كل نهر فإن كل ذلك يصير إلى الجنة، و ما بقي فيعود نارا كله و هو من جهنم، و أشد الخلق عذابا في النار إبليس الذي سن الشرك و كل مخالفة، و عذابه بما فيها من الزمهرير، فإنه يقابل النار الذي هو أصل نشأة إبليس‏ «وَ جَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً» يريد سجنا يحصرهم فيه، لأن المحصور مسجون ممنوع من التصرف، بخلاف أهل الجنة فإن لهم التبوّؤ منها حيث يشاءون و ليس كذلك أهل النار.

[سورة الإسراء (17): الآيات 10 الى 11]

وَ أَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (10) وَ يَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَ كانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً (11)

«وَ كانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا» التلبيس أصله العجلة من الإنسان، فلو اتئد و تفكر و تبصر لم يلتبس عليه أمر و قليل فاعله.

[سورة الإسراء (17): آية 12]

وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً (12)

 

[تعريف الزمان‏]

آية الليل هو القمر، فلا يظهر لنوره حكم في البصر إلا بالليل، و نوره معار فإنه انعكاس نور الشمس، فإنه لها كالمرآة، فالنور الذي يعطيك القمر إنما هو للشمس، و هو موصل لا غير لأنه محو «وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً» و آية النهار هي الشمس يعني نورها ظاهرا للبصر، و جعل اللّه تعالى الليل و النهار آيتين دلالة على عالم الغيب و الشهادة، فمحا آية الليل لدلالتها على الغيب فآية القمر ممحوة عن العالم الظاهر، و جعل آية النهار مبصرة لدلالتها على عالم الشهادة، و جعل ذلك الطلوع و الغروب لمن يكون حسابه بالشمس ليعلم فصول السنة، و قد يكون حسابه بالقمر عدد السنين و الحساب يقول اللّه في الأهلة (هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ) فقال تعالى: «لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ» بسير القمر في منازله و الشمس فيها، فإن الليل و النهار و اليوم و الشهر و السنة هي المعبر عنها بالأوقات، و تدق إلى مسمى الساعات و دونها، و الوقت لا وجود له في عينه و انه نسب و إضافات، و ان الموجود إنما هو عين الفلك و الكوكب لا عين الوقت و الزمان، فإنه عبارة عن الأمر المتوهم الذي فرضت فيه الأوقات، فالوقت فرض متوهم في عين موجودة و هو الفلك، و الكوكب يقطع حركة ذلك الفلك و الكواكب بالفرض المفروض فيه، في أمر متوهم لا وجود له يسمى الزمان، الذي جعله اللّه ظرفا للكائنات المحيّزات الداخلة تحت هذا الفلك الموقت فيه المفروض‏ في عينه تعيين الأوقات، ليقال: خلق كذا و ظهر كذا في وقت كذا، فبطلوع كوكب الشمس سمي المطلع مشرقا و الطلوع شروقا، لكون ذلك الكوكب المنير طلع منه و أضاء به الجو، و بالشمس سميت المقارنة استواء، و عند بدء نزوله عن الاستواء سمي زوالا، و غيابها غروبا و الموضع الذي غربت فيه مغربا، و أظلم الجو فسميت مدة استنارة الجو من مشرق الشمس إلى مغربها نهارا، و سميت مدة الظلمة من غروب الشمس إلى طلوعها ليلا، و كان اليوم مجموع الليل و النهار، و سميت المواضع التي يطلع منها هذا الكوكب كل يوم درجا، و انتقال الشمس في الفروض المقدرة في الفلك المحيط درجة درجة حتى يقطع ذلك بشروق سميت أياما، و كلما أكمل قطع فرض من تلك الفروض شرع في قطع فرض آخر إلى أن أكملت الشمس الاثني عشر فرضا بالقطع، ثم شرعت في كرة أخرى في قطع تلك الفروض، فسمي ابتداء كل فرض إلى انتهاء قطع ذلك الفرض شهرا، و سمي قطع تلك الفروض كلها سنة «لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا» سبحانه لا إله إلا هو الحكيم القدير.

[سورة الإسراء (17): الآيات 13 الى 14]

وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (13) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى‏ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14)

إنما شرع اللّه قراءة الكتب في الدار الآخرة ليعلم العبد المصطفى قدر ما أنعم اللّه عليه به، و الهالك ليعذر من نفسه فيعلم أنه جنى على نفسه، فحاسب نفسك و اللّه هو الحسيب.

[سورة الإسراء (17): آية 15]

مَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15)

لما كان العالم في حال جهل بما في علم اللّه من تعيين طريق السعادة، تعيّن الإعلام به بصفة الكلام، فلا بد من الرسول، و من وجه آخر فإن اللّه ما كلف عباده و لا دعاهم إلى تكليف قط بغير واسطة، فإنه بالذات لا يدعو إلى ما فيه مشقة، فلهذا اتخذ الرسل عليهم‏ الصلاة و السلام،

[ «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا»]

و قال جل ثناؤه‏ «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا»– الوجه الأول- يعني نبعثه بالآيات البينات على صدق دعواه، و كذا أخبر اللّه تعالى أنه أيّد الرسل بالبينات ليعذر الإنسان من نفسه، فإنه قبل إرسال الرسل لم يقيد الإنسان، بل كان يجري بطبعه من غير مؤاخذة أصلا، فوجد العذر لمن لم تبلغه الدعوة الإلهية، فحكمه حكم من لم يبعث اللّه إليه رسولا، و الرسول ما هو رسول لمن أرسل إليه حتى يؤدي رسالته لمن أرسل إليه، ففي هذه الآية رحمة عظيمة لما هو الخلق عليه من اختلاف الفطر المؤدي إلى اختلاف النظر، فإن اللّه تعالى قال‏ «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» لم يقل حتى نبعث شخصا، فلا بد أن تثبت رسالة المبعوث عند من وجه إليه، فلا بد من إقامة الدلالة البينة الظاهرة عند كل شخص شخص ممن بعث إليهم، فإن ربّ آية يكون فيها من الغموض أو الاحتمال بحيث أن لا يدرك بعض الناس دلالتها، فلا بد أن يكون الدليل من الوضوح عند كل من أقيم عليه حتى يثبت عنده أنه رسول، و حينئذ إن جحد بعد ما تيقن تعينت المؤاخذة، و ما فعل اللّه ذلك إلا رحمة بعباده لمن علم شمول الرحمة الإلهية التي أخبر اللّه تعالى أنها وسعت كل شي‏ء- الوجه الثاني- هذه الآية تدل على أن الشرائع قد عمت جميع الخلق من آدم إلى نبينا محمد صلّى اللّه عليه و سلم و قد قال تعالى‏ (وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ)

الوجه الثالث- قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في الصحيح: [من مات و هو يعلم أنه لا إله إلا اللّه دخل الجنة] و لم يقل هنا يؤمن، فإن الإيمان موقوف على الخبر، و قد قال‏ «وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» و قد علمنا أن للّه عبادا كانوا في فترات و هم موحدون علما، و ما كانت دعوة الرسل قبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عامة فيلزم أهل كل زمان الإيمان، فعم بهذا الكلام جميع العلماء بتوحيد اللّه المؤمن منهم من حيث ما هو عالم به من جهة الخبر الصدق الذي يفيد العلم لا من جهة الإيمان و غير المؤمن، فالإيمان لا يصح وجوده إلا بعد مجي‏ء الرسول، و الرسول لا يثبت حتى يعلم الناظر العاقل أن ثم إلها و أن ذاك الإله واحد، لا بد من ذلك، لأن الرسول من جنس من أرسل إليهم، فلا يختص واحد من الجنس دون غيره إلا لعدم المعارض و هو الشريك، فإذا حصل التصديق بأنه رسول اللّه تتأهب العقلاء أولو الألباب و الأحلام و النهى لما يورده في رسالته هذا الرسول، فمن مات و هو يعلم أنه لا إله إلا اللّه دخل الجنة بلا شك و لا ريب و هو من السعداء فأما من كان من أهل الفترات فيبعثه اللّه أمة وحده كقس بن‏ ساعدة، لا تابع لأنه ليس بمؤمن، و لا هو متبوع لأنه ليس برسول عند اللّه، بل هو عالم باللّه.

 

[سورة الإسراء (17): آية 16]

وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (16)

إذا حق القول من اللّه تعالى فهو القول الواجب لا يبدل، فإن القول الإلهي منه ما يقبل التبديل، و منه ما لا يقبل التبديل و هو إذا حق القول منه، و القول المعروض يقبل التبديل.

[سورة الإسراء (17): الآيات 17 الى 20]

وَ كَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَ كَفى‏ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (17) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً (18) وَ مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَ سَعى‏ لَها سَعْيَها وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (20)

[ «كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ …»]

«كُلًّا نُمِدُّ» و ذكر المذموم و المحمود، و هو من إمداد الأسماء الإلهية التي من حقائقها التقابل، فالنافع ما هو الضار، و لا المعطي هو المانع، «هؤُلاءِ» أصحاب الجنة «وَ هَؤُلاءِ» أصحاب النار «مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ» فعم العطاء الجميع يعني الطائع و العاصي، و أهل الخير و أهل الشر مع اختلاف الذوق، و قد يكون عطاؤه الإلهام، و قد يكون خلق العمل‏ «وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً» و هذا إبانة عن حقيقة صحيحة بما هو الأمر عليه و في نفسه، من أنه لا حول و لا قوة إلا باللّه، فقوله تعالى‏ «وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً» أي ممنوعا لأنه يعطي لذاته، و المحال القوابل تقبل باستعدادها، و استعدادها أثر الأسماء الإلهية فيها، و من الأسماء الإلهية الموافق و المخالف، مثل الموافق الرحيم الغفور و أشباهه، و مثل المخالف المعز و المذل، فلا بد أن يكون استعداد هذا المحل في حكم اسم من هذه الأسماء، فيكون‏ قبوله للحكم الإلهي بحسب ذلك، فإما مخالف و إما موافق، و من كان هذا حاله كيف يتعلق به ذم ذاتي؟

و الأعراض لا ثبات لها، فالجود الإلهي مطلق و المنع عدم القبول، فمن المفيض المعطي وجود جود صرف خالص محض، و ما ثم إلا عطاء في عين منع و منع في عين عطاء، فحضرة المنع تعطي المنع بعطاء العين، فالمنع تبع، فإن المحل إذا كان في اللون الأبيض فقد أعطاه البياض، و عين إعطاء البياض منع ما يضادّه من الألوان، لكن ليس متعلق الإرادة إلا إيجاد عين البياض فامتنع ضده بحكم التبع، و هكذا كل ضد في العين، فاللّه يعطي على الدوام و المحال تقبل على قدر حقائق استعداداتها، فترد الآية مثلا من كتاب اللّه واحدة العين على الأسماع، فسامع يفهم منها أمرا واحدا، و سامع آخر لا يفهم منها ذلك الأمر و يفهم منها أمرا آخر، و آخر يفهم منها أمورا كثيرة، و لهذا يستشهد كل واحد من الناظرين فيها بها لاختلاف استعداد الأفهام، فإذا فهمت هذا علمت أن عطاء اللّه ليس بممنوع، إلا أنك تحب أن يعطيك ما لا يقبله استعدادك، و تنسب المنع إليه فيما طلبته منه، و لم تجعل بالك إلى الاستعداد الذي هو على ترتيب الحكمة الإلهية في العالم و ما تعطيه حقائق الأشياء، و الكل من عند اللّه، فمنعه عطاء و عطاؤه منع، و لكن بقي لك أن تعلم لكذا و من كذا، و في هذه الآية إشارة إلى عدم سرمدة العذاب على أهل النار، فعطاؤه تعالى عين الرحمة التي سبقت، فوسعت كل شي‏ء من مكروه و غيره و غضب و غيره، فما في العالم عين قائمة و لا حال إلا و رحمة اللّه تشمله و تحيط به، و هي محل له و لا ظهور له إلا فيها، فبالرحمن استوى على العرش، و ما انقسمت الكلمة إلا من دون العرش من الكرسي فما تحته، فإنه موضع القدمين و ليس سوى انقسام الكلمة، فظهر الأمر و الخلق، و النهي و الأمر، و الطاعة و المعصية، و الجنة و النار، كل ذلك عن أصل واحد و هي الرحمة التي هي صفة الرحمن.

[سورة الإسراء (17): آية 21]

انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ وَ لَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَ أَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21)

إنما ظهر الفضل في العالم ليعلم أن الحق له عناية ببعض عباده و له خذلان في بعض عباده.

[سورة الإسراء (17): الآيات 22 الى 23]

لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما وَ قُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً (23)

علماء الرسوم يحملون لفظ «قَضى‏» على الأمر، و نحن نحملها على الحكم، فقوله تعالى‏ «وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» أي حكم، و قضاء الحق لا يردّ، و العبادة ذلة في اللسان المنزل به هذا القرآن، قال تعالى‏ (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)

[على الحقيقة ما عبد المشرك إلا اللّه‏]

فإن العبادة ذاتية للمخلوق لا يحتاج فيها إلى تكليف، فكما قال‏ (يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ) و لم يذكر افتقار مخلوق لغير اللّه، قضى أن لا يعبد غير اللّه، فمن أجل حكم اللّه عبدت الآلهة، فلم يكن المقصود بعبادة كل عابد إلا اللّه، فما عبد شي‏ء لعينه إلا اللّه، و إنما أخطأ المشرك حيث نصب لنفسه عبادة بطريق خاص لم يشرع له من جانب الحق، فشقي لذلك، فإنهم قالوا في الشركاء (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ) فاعترفوا به، و أنزلوهم منزلة النواب الظاهرة بصورة من استنابهم، و ما ثم صورة إلا الألوهية فنسبوها إليهم، و لهذا يقتضي الحق حوائجهم إذا توسلوا بها إليه، غيرة منه على المقام أن يهتضم، و إن أخطئوا في النسبة فما أخطئوا في المقام، و لهذا قال‏ (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها) أي أنتم قلتم إنها آلهة، و إلا فسموهم، فلو سموهم لقالوا: هذا حجر و شجر أو ما كان، فتتميز عندهم بالاسمية، إذ ما كلّ حجر عبد و لا اتخذ إلها، و لا كل شجر، و لا كل جسم منير، و لا كل حيوان، فلله الحجة البالغة عليهم بقوله‏ (سَمُّوهُمْ) فكانت الأصنام و الأوثان مظاهر له في زعم الكفار، فأطلقوا عليها اسم الإله، فما عبدوا إلا الإله، و هو الذي دل عليه ذلك المظهر، فقضى حوائجهم و سقاهم، و عاقبهم إذ لم يحترموا ذلك الجناب الإلهي في الصورة الجمادية، فهم الأشقياء و إن أصابوا أو لم يعبدوا إلا اللّه، فكان قوله تعالى: «وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» من الغيرة الإلهية حتى لا يعبد إلا من له هذه الصفة، فكان من قضائه أنهم اعتقدوا الإله، و حينئذ عبدوا ما عبدوا، مع أنهم ما عبدوا في الأرض من الحجارة و النبات و الحيوان، و في السماء من الكواكب و الملائكة، إلا لاعتقادهم في كل معبود أنه إله، لا لكونه حجرا و لا شجرة و لا غير ذلك، و إن أخطئوا في النسبة فما أخطئوا في المعبود، فعلى الحقيقة ما عبد المشرك إلا اللّه، و هي المرتبة التي سماها إلها، لأنه لو لم يعتقد الألوهة في الشريك ما عبده، فإنه ما عبد ما عبد إلا بتخيل الألوهة فيه، و لولاها ما عبد، و لذلك قال تعالى‏ «وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» فما عبد أحد سوى اللّه، حتى المشركون ما عبدوه إلا في الهياكل المسماة شركاء، فما عبدت إلا الألوهية في كل من عبد من دون اللّه، لأنه ما عبد الحجر لعينه، و إنما عبد من حيث نسبة الألوهة له، فإن المشرك ما عبد شيئا إلا بعد ما نسب إليه الألوهة فما عبد إلا اللّه، فالألوهية هي المعبودة من كل معبود، و لكن أخطئوا النسبة فشقوا شقاوة الأبد، و غار الحق لهذا الوصف فعاقبهم في الدنيا إذ لم يحترموه، و رزقهم و سمع دعاءهم، و أجابهم إذا سألوا إلههم في زعمهم، لعلمه سبحانه أنهم ما لجئوا إلا لهذه المرتبة و إن أخطئوا في النسبة، فشقوا في الآخرة شقاء الأبد، حيث نبههم الرسول على توحيد من تجب له هذه النسبة فلم ينظروا و لا نصحوا نفوسهم، و لهذا كانت دلالة كل رسول بحسب ما كان الغالب على أهل زمانه، لتقوم عليهم الحجة، فتكون للّه الحجة البالغة- تحقيق- قوله تعالى‏ «وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» قضاء صحيحا (وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) فإن الآثار لا تكون إلا للألوهة، و بها ظهرت الآثار عن الأكوان كلها في الأكوان، و لو لا هذا السريان الدقيق، و الحجاب العجيب الرقيق، و الستر الأخفى، ما عبدت الألوهية في الملائكة و الكواكب و الأفلاك و الأركان و الحيوانات و النباتات و الأحجار و الأناسي، إذ الألوهية هي المعبودة من الموجودات، فأخطئوا في الإضافة من وجه لا غير، و لكن كان في ذلك الوجه شقاوة الأبد، فالمحقق تحقق ذلك الوجه و رفع الخطأ من جهة العقل لا من جهة الحكم، فإن النظر الإلهي كان تمكنه من هؤلاء المعبودين أكبر من غيرهم، فربط الآثار بهم فظهرت عندهم، ليضل من يشاء و يهدي من يشاء، و ربما ارتفعت طائفة عن مدرج نسبة الألوهية لهم مطلقا و لحظت الوجه الخفي فقالت‏ (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى‏) فاتخذوهم حجبة و وزراء نعوذ باللّه، و لكن هي أشبه من الأولى، و لو رأت هذه الطائفة هذا الوجه من أنفسها ما عبدت الألوهية في كون خارج عنها، بل كانت تعبد نفسها، و لكن أيضا لتحققها بها و وقوفها مع عجزها و قصورها و إتلافها لم يتمكن لها ذلك، و لو لاح لها ما ذكرناه ما اختصت بعبودة الألوهية في كون بعينه، و محصول ما قلناه أن الألوهية هي المعبودة على الإطلاق لا الأكوان، و لهذا قال‏ (وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) و قال‏ «وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ» و قضاؤه غير مردود، فمن وقف على هذه الوجوه الإلهية من الأكوان فما يصح عنده أن يعبده كون أصلا، و من لم يعرفها و لا يشاهدها تعبده وجه الحق في الكون لا الكون، و بهذا القدر يعاقب و يطلق عليه اسم الشرك‏ «وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ‏ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً» لما كانت الأخلاق تختلف أحكامها باختلاف المحل الذي ينبغي أن يقابل بها، احتاج صاحب الخلق إلى علم يكون عليه حتى يصرف في ذلك المحل الخلق الذي يليق به عن أمر اللّه، فيكون قربة إلى اللّه، فلهذا نزلت الشرائع لتبيّن للناس محال أحكام الأخلاق التي جبل الإنسان عليها، فقال اللّه في مثل ذلك‏ «فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ» لوجود التأفف في خلقه، فأبان عن المحل الذي لا ينبغي أن يظهر فيه حكم هذا الخلق، ثم بيّن المحل الذي ينبغي أن يظهر فيه هذا الخلق فقال‏ (أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) و من الناحية الفقهية اعتبر أهل القياس هذه الآية دليلا على تحريم ضرب الرجل أباه بالعصا أو بما كان، فقال أهل القياس: لا نص عندنا في هذه المسألة، و لكن لما قال تعالى‏ «فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما»

[مقارنة بين استخراج الحكم بالقياس و بين استخراجه بالنص‏]

قلنا: فإذا ورد النهي عن التأفف و هو قليل، فالضرب بالعصا أشد، فكان تنبيها من الشارع بالأدنى على الأعلى، فلا بد من القياس عليه، فإن التأفف و الضرب بالعصا يجمعهما الأذى، فقسنا الضرب بالعصا المسكوت عنه على التأفف المنطوق به، و قلنا نحن: ليس لنا التحكم على الشارع في شي‏ء مما يجوز أن يكلف به و لا التحكم، و لا سيما في مثل هذا لو لم يرد في نطق الشرع غير هذا لم يلزمنا هنا القياس و لا قلنا به و لا ألحقناه بالتأفيف، و إنما حكمنا بما ورد و هو قوله في الآية «وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» فأجمل الخطاب، فاستخرجنا من هذا المجمل الحكم في كل ما ليس بإحسان، و الضرب بالعصا ما هو من الإحسان المأمور به من الشرع في معاملتنا لآبائنا، فما حكمنا إلا بالنص و ما احتجنا إلى قياس، فإن الدين قد كمل و لا تجوز الزيادة فيه كما لم يجز النقص منه، فمن ضرب أباه بالعصا فما أحسن إليه، و من لم يحسن لأبيه فقد عصى ما أمره اللّه به أن يعامل به أبويه، و من رد كلام أبويه و فعل ما لا يرضي أبويه مما هو مباح له تركه فقد عقهما، و قد ثبت أن عقوق الوالدين من الكبائر.

 

[سورة الإسراء (17): آية 24]

وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (24)

«وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ» الجناح عبارة عن اللطف.

[سورة الإسراء (17): آية 25]

رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً (25)

الأوابون من رجال و نساء تولاهم اللّه بالأوبة في أحوالهم يقال آبت الشمس لغة في غابت، فالرجال الغائبون عند اللّه فلم يشهد حالهم مع اللّه أحد من خلق اللّه فإن اللّه وصف نفسه بأنه غفور لهم أي ساتر أي يستر مقامهم عن كل أحد سواه لأنهم طلبوا الغيبة عنده حتى لا يكون لهم مشهود سواه سبحانه، و الآئب أيضا الذي يأتي القوم ليلا كالطارق و الليل ستر، و هم الراجعون إلى اللّه في كل حال من كل ناحية يقال: جاءوا من كل أوبة أي ناحية، فالأواب الراجع إلى اللّه من كل ناحية من الأربع التي يأتي منها إبليس إلى الإنسان من ناحية أيديهم و من خلفهم و عن أيمانهم و عن شمائلهم فهم يرجعون في ذلك كله إلى اللّه أولا و آخرا.

[سورة الإسراء (17): آية 26]

وَ آتِ ذَا الْقُرْبى‏ حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ لا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26)

[أهل القرآن هم أهل اللّه و خاصته‏]

– إشارة- قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [أهل القرآن هم أهل اللّه و خاصته‏] اعلم أن المتصدق على أهل اللّه هو المتصدق على أهله إذا كان المتصدق بهذه المثابة، كنت يوما عند شيخنا أبي العباس العريبي بإشبيلية جالسا، و أردنا أو أراد أحد إعطاء معروف، فقال شخص من الجماعة للذي يريد أن يتصدق: الأقربون أولى بالمعروف، فقال الشيخ من فوره متصلا بكلام القائل: إلى اللّه. فيا بردها على الكبد، و اللّه ما سمعتها في تلك الحالة إلا من اللّه، حتى خيّل إليّ أنها كذا نزلت في القرآن، مما تحققت بها و أشربها قلبي، و كذا جميع من حضر، فلا ينبغي أن يأكل نعم اللّه إلا أهل اللّه، و لهم خلقت، و يأكلها غيرهم بحكم التبعية، فهم المقصودون بالنعم و من عداهم إنما يأكلها تبعا، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم:

[دينار أنفقته في سبيل اللّه، دينار أنفقته في رقبة، دينار تصدقت به على مسكين، دينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك‏] فقول الشيخ رضي اللّه عنه: إلى اللّه، كذلك هو الأمر في نفسه، فلا أقرب من اللّه، فهو القريب سبحانه الذي لا يبعد إلا بعد تنزيه، و تنقطع الأرحام بالموت و لا ينقطع الرحم المنسوبة إلى الحق، فإنه معنا حيثما كنا، و نحن ما بيننا نتصل في وقت و ننقطع في وقت بموت أو فقد و ارتحال، و عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال: [الصدقة على المسكين صدقة و على ذي الرحم ثنتان صدقة و صلة].

[سورة الإسراء (17): الآيات 27 الى 29]

إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَ كانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (27) وَ إِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً (28) وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (29)

«وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ عُنُقِكَ» كناية عن البخل‏ «وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ» كناية عن السرف‏ «فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً».

[سورة الإسراء (17): الآيات 30 الى 31]

إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (30) وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (31)

شكى شخص إلى بعض الصالحين كثرة العائلة فقال له: ادخل إلى بيتك و انظر كل من ليس له رزق على اللّه فأخرجه، فقال له: كلهم رزقهم على اللّه. فقال له: ما تضرك كثرتهم أو قلتهم.

[سورة الإسراء (17): الآيات 32 الى 34]

وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى‏ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلاً (32) وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (33) وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً (34)

ما أعجب قوله تعالى‏ «إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا» أي الصفة المسماة بالعهد هي التي تسأل، فيقال لها: هل وفّى بك هذا العبد؟ تجيب و ذلك أنه يتصور من المعاهد و المعاهد أن يصدقا أو أن ينكرا، و لا يتصور ذلك في العهد الذي هو الصفة، فلذلك سئل العهد لتحققه بقيامه بالقسط و بما عهد إليه من أمانة و خيانة.

[سورة الإسراء (17): الآيات 35 الى 36]

وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَ زِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلاً (35) وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً (36)

 

 

[الحق لا يدرك لا علما و لا رؤية]

تعتبر هذه الآية منعا من النظر في ذات اللّه، فهي لا تعلم، فهو تعالى عن الإدراك فلم يدرك بعقل كنه جلاله، و لم يدرك ببصر كنه ذاته عند تجليه حيثما تجلى لعباده، فهو تعالى المتجلي الذي لا يدرك- الإدراك الذي يدرك فيه هو نفسه- لا علما و لا رؤية، فلا ينبغي أن يقفو الإنسان علم ما قد علم أنه لا يبلغ إليه، لذلك قال الصديق رضي اللّه عنه: العجز عن درك الإدراك إدراك.

تعالى عن التحديد بالفكر و الخبر كما جل عن حكم البصيرة و البصر
فليس لنا منه سوى ما يرومه‏ على كل حال في الدلالات و العبر
فأعلم أني ما تحققت غيره‏ و أعلم أني ما علمت سوى البشر
لذا منع الرحمن في وحيه على‏ لسان رسول اللّه في ذاته النظر
فقال و لا تقف الذي لست عالما به فيكون الناظرون على خطر
فلم يولد الرحمن علما و لم يلد وجودا فحقق من نهاك و من أمر

«كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا» اسم كان هو النفس المدبرة، تسأل النفس عن سمعه و بصره و فؤاده، و تدل هذه الآية على أن الأعضاء المكلفة طاهرة بحكم الأصل، لا تزول عنها تلك الطهارة و العدالة، و تستشهد يوم القيامة و تقبل شهادتها لزكاتها الأصلية، و بدأ الحق في هذه الآية بالسمع و إن كان من خدم القلب، لأن السمع إنما يكون بالقلب، و لأنه أعم الأعضاء فائدة في الشرائع، إذ لا بد للإنسان من معلم مرشد، داخل فيه أو خارج عنه، و جميع التكليف الوارد على القلب بذاته أو بواسطة الأعضاء إنما يوجد من قبل السمع، و يدخل في ذلك قلب غير المؤيد بالوحي الإلهي أو المؤيد إذ قيل: فبهداهم اقتده، و ثنّى بالبصر، لأنه أعظم شاهد بتصديق المسموع منه، و به حصول ما به التفكر و الاعتبار غالبا، تنبيها على عظمة ذلك، و إن كان البصر هو القلب، ثم رجع إلى الفؤاد الذي هو العمدة في ذلك، فتقديمهما على جهة التعظيم له، كما يقال: الجناب و المجلس، و هما المبلغان إليه و عنه، و في تكليفه تكليف جميع خدمه، و إنما شاركاه بالذكر تنبيها على عظيم مشاركتهما إياه في الوزارة، و لولاهما ما أمكن أن يبلغ قلب في الغالب. في هذا العالم ما يريد إبلاغه إليه، فهما معه في عالم التكليف كالجسد و النفس مع الروح في عالم الخلافة، و لا يتم لأحدهما ذلك إلا بالآخرين و إلا نقص بقدره، و المراد في جميع التكليف سلامة القلب، و الخطاب إليه من جهة كل عضو على انفراده، و من جهة المجموع، ثم على انفراده (راجع سورة ق آية 37)

[- نصيحة- قف مع الظاهر في كل الأحوال‏]

– نصيحة- قف مع الظاهر في كل الأحوال، و لا تقف ما ليس لك به علم من ظاهر الأقوال.

[سورة الإسراء (17): آية 37]

وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً (37)

«إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ» فإن اللّه ما جعلها تقبل الكثافة و الظلمة و الصلابة إلا لستر ما أودع اللّه فيها من الكنوز لما جعل فيها من الغيرة، فحار السعاة في الأرض فلم يخرقوها و لم يبلغوا جبالها طولا.

[سورة الإسراء (17): الآيات 38 الى 44]

كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (38) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى‏ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى‏ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (39) أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَ اتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (40) وَ لَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَ ما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (41) قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى‏ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (42)

سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (43) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (44)

[ «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ …» الآية]

التسبيح تنزيه، و راعى الحق في هذا الموطن تسبيح السموات و الأرض، فإن لكل عالم ثناء خاصا لا يكون لغيره‏ «وَ مَنْ فِيهِنَّ» يعني الملائكة و إن كان البعض من العالم، و جمع‏

 

[حياة كل الصور]

السموات و الأرض جمع من يعقل، و هذا التسبيح بوحي ذاتي تقتضيه ذواتهم، و هو أنهم يسبحون بحمد اللّه لا يحتاجون في ذلك إلى تكليف، بل هو لهم مثل النفس للمتنفس، و ذلك لكل عين على الانفراد، فذكر سبحانه في كل حال و من كل عين، فالوجود كله حي ناطق بتعظيم الحق سبحانه، لكنه يختلف نطقهم باختلاف حقائقهم، و قوله تعالى‏ «وَ مَنْ فِيهِنَّ» ردّ على من يقول بحذف المضاف و إقامة المضاف إليه مقامه، كأنه يقول أهل السموات السبع و أهل الأرض، فنفى هذا الاحتمال بقوله‏ «وَ مَنْ فِيهِنَّ» إذ قد ورد مثل ذلك في قوله‏ (وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَ الْعِيرَ) و ليس هذا كذلك، و قوله عليه السلام في أحد [هذا جبل يحبنا و نحبه‏] و قوله [يشهد للمؤذن مدى صوته من رطب و يابس‏] و قوله [و ما من دابة إلا و هي مصيخة يوم الجمعة شفقا من الساعة] و هذه أمور كلها تقتضي العلم و هو مشروط بالحياة، و لكن الحياة منها ما ظهر للحس و منها ما لم يظهر، فما لم يظهر بالعادة ظهر بخرق العادة، فالكل حي ناطق بتسبيح اللّه و حمده، و معلوم أن ما هنا صوت معهود و لا حرف من الحروف المعلومة عندنا، و لكنّ كلام كل جنس مما يشاكله، و على حسب ما يليق بنشأته و يعطيه استعداد القبول للروحانية الإلهية السارية في كل موجود، فالكل حي في نفس الأمر ذو نفس ناطقة، و لا يمكن أن يكون في العالم صورة لا نفس لها و لا حياة و لا عبادة ذاتية و أمرية، سواء كانت تلك الصورة مما يحدثها الإنسان من الأشكال أو يحدثها الحيوان، و من أحدثها من الخلق عن قصد و عن غير قصد، فما هو إلا أن تتصور الصورة كيف تصورت و على يد من ظهرت، إلا و يلبسها اللّه تعالى روحا من أمره، و يتعرف إليها من حينه فتعرفه منها و تشهده فيها، هكذا هو الأمر دنيا و آخرة، فأكد ذلك بقوله‏ «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» و زاد في التوكيد بقوله‏ «وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» و أتى بلفظة من في قوله‏ «وَ مَنْ فِيهِنَّ» و لم يأت بما، و أتى في الحشر بما و لم يأت بمن، فإن سيبويه يقول: إن اسم ما يقع على كل شي‏ء إلا أنه لم يعم الموجودات، فوجلت قلوب من بقي منها و لم يقع له ذكر في التسبيح، فجبر اللّه كسرها و أزال و جلها بقوله عقيب هذا القول‏ «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» و زاد في الثناء عليهم بجهل الناس تسبيحهم بقوله‏ «وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» فأخبر تعالى أن كل شي‏ء يسبح بحمده كما هو الأمر عليه في نفسه، و سد خلل الانكسار بقوله‏ «لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» بحرف الاستدراك و هو قوله‏ «وَ لكِنْ» طمعا في أن ينفردوا دون من سواهم بهذا التسبيح الخاص، و هذه الآية دليل على أنه تعالى ما خلق العالم لنفس العالم، و إنما خلقه لنفسه، فقال فيه‏ «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» فإن اللّه لما أوجد العالم ما خلقهم إلا ليعبدوه و يسبحوه، فما من شي‏ء إلا يسبح بحمده و لكن لا نفقه تسبيحه، ففطر العالم كله على تسبيح اللّه و حمده و عبادته بالقصد الأول، و كان انتفاعنا بالأشياء بحكم التبعية، فما من شي‏ء من العالم إلا و هو يسبح بحمد خالقه، فلنفسه أوجده لأنه ما شغله إلا به، و قال فيمن جعل فيه استعدادا يمكن أن يسعى به لنفسه و لغير اللّه، فنبه أنه ما خلقهم إلا لعبادته فقال‏ (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) فكونهم ما فعل بعضهم ما خلق له، لا يلزم منه بالقصد المذكور أنه خلق لما تصرف فيه، و لذلك يسأل و يحاسب، و من ذلك نعلم أن كل مخلوق ما سوى الإنس و الجان مفطورون على تعظيم الحق و التسبيح بحمده، و كذلك أعضاء جسد الإنس و الجان كلها و لكن لا على جهة التقريب و ابتغاء المنزلة العظمى، بل التسبيح لهم كالأنفاس من المتنفسين لما تستحقه الذات، و هكذا يكون تسبيح الإنس و الجان في الجنة و النار لا على طريق القربة و لا ينتج لهم قربة، بل كل واحد منهم على مقام معلوم، فتصير العبادة طبيعية تقتضيها حقائقهم، و يرتفع التكليف و لا يتصور منهم مخالفة لأمر اللّه إذا ورد عليهم، و لا يبقى هنالك نهي أصلا بعد قوله لأهل النار (اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ) و كلامنا إذا نزل الناس منازلهم في كل دار و غلقت الأبواب و استقرّت الداران بأهلها الذين هم أهلها، و على ذلك فكل جزء من العالم مسبح للّه تعالى، و كل شي‏ء ينزه ربه من كافر و غير كافر، فإن أعضاء الكافر كلها مسبحة للّه، و لهذا يشهد عليه يوم القيامة جلده و سمعه و بصره و يده و رجله، غير أن العالم لا يفقهون هذا التسبيح و سريان هذه العبادة في الموجودات، فلم يبق كافر و لا مؤمن إلا و قد شملت تفاصيله هذه الآية، و لكن أكثر الناس لا يعلمون، لأنهم لا يسمعون و لا يشهدون، و علماء الرسوم يخرجون هذا على أنه لسان حال، و كذلك قوله تعالى‏ (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها) فجعلوا هذه الإباية و الإشفاق حالا لا حقيقة، و كذلك قوله عنهما (أَتَيْنا طائِعِينَ) قول حال لا قول خطاب، و هذا كله ليس بصحيح و لا مراد في هذه الآيات، بل الأمر على ظاهره كما ورد، و لو كان تسبيح حال كما يزعم بعض علماء النظر لم تكن فائدة في قوله‏ «وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» يريد بذلك التسبيح الثناء على اللّه لا للجزاء، لأنه في عبادة ذاتية لا يتصور معها طلب مجازاة، و قد يعذر علماء الرسوم فإن التسبيح هنا نسب إلى من لا ينسب إليه قول و لا نطق، و هو التسبيح الذي لا يفقه، و ما قال لا يسمع، إذ الكلام أو القول هو الذي من شأنه أن يتعلق به السمع، و التسبيح لو كان قولا أو كلاما لنفى عنه سمعنا، و إنما نفى عنه فقهنا و هو العلم، و العلم قد يكون عن كلام و قول و قد لا يكون، و التحقيق أن كل ما سوى اللّه حي، فإنه ما من شي‏ء إلا يسبح بحمده، و لا يكون التسبيح إلا من حي عاقل عالم بمسبحه، فإذا ما ثمّ إلا من يسبح اللّه بحمده، و لا يسبحه إلا حي سواء كان ميتا أو غير ميت فإنه حي، لأن الحياة للأشياء فيض من حياة الحق عليها، فهي حية في حال ثبوتها، و لو لا حياتها ما سمعت قوله‏ (كُنْ) بالكلام الذي يليق بجلاله فكانت، و قوله تعالى‏ «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ» و الشي‏ء أنكر النكرات، و إن كان اللّه قد أخذ بأسماعنا عن تسبيح الجمادات و النبات و الحيوان الذي لا يعقل كما أخذ بأبصارنا عن إدراك حياة الجماد و النبات، إلا لمن خرق اللّه له العادة كرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و من حضره من أصحابه حين أسمعهم اللّه تسبيح الحصى، فما كان خرق العادة في تسبيح الحصى و إنما انخرقت العادة في تعلق أسماعهم به، روي في الصحيح أن الحصى سبح في كف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فجعل الناس خرق العادة في تسبيح الحصى، و أخطئوا، و إنما خرق العادة في سمع السامعين ذلك، فإنه لم يزل مسبحا كما أخبر اللّه، فالذي سمع السامع كونه سمع نطق ما لم تجر العادة أن يسمعه، فقوله تعالى‏ «يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» تسبيح نطق يليق بذلك الشي‏ء لا تسبيح حال، و لهذا قال‏ «وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» لاختلاف ما يسبحون به إلا لمن سمعه، فهذا التسبيح لا يفقه بالنظر العقلي من جهة الفكر و النظر إلا أن يمنّ اللّه على بعض عباده بعلم ذلك، فالكل ناطق و تقع العين على ناطق و صامت، فالمؤمن يدرك ذلك إيمانا و صاحب الكشف يدرك الكيفية، و الكشف منحة من اللّه يمنحها اللّه من شاء من عباده، فكل نطق في الوجود تسبيح و إن انطلق عليه اسم الذم، و جاء بضمير الجمع في‏ «تَفْقَهُونَ» و ما يشير إليه هذا الضمير إنما هم الناس خاصة، فجميع المخلوقات عبدوا اللّه إلا بعض الناس، فالخلق عبد بالذات أثرت فيه العوارض و لا سيما الشخص الإنساني، بل ما أثرت العوارض إلا في الشخص الإنساني وحده دون سائر الخلق، و ما سواه فعلى أصله من تنزيه خالقه عن الشريك‏ «إِنَّهُ كانَ حَلِيماً» فلم يعجل عليكم بالعقوبة، و بإمهالكم حيث لم يؤاخذكم سريعا بما رددتم من ذلك و قلتم إنه تسبيح حال، فإن اللّه ما خلق شيئامن الكون إلا حيا ناطقا جمادا كان أو نباتا أو حيوانا في العالم الأعلى و الأسفل، فكل شي‏ء من عالم الطبيعة جسم متغذ، فهو حيوان ناطق بين جلي و خفي، و الكل حيوان ناطق مسبح بحمد اللّه تعالى، و لما كان الأمر هكذا،

جاز بل وقع و صح أن يخاطب الحق جميع الموجودات و يوحي إليها من سماء و أرض و جبال و شجر و غير ذلك من الموجودات، و وصفها بالطاعة لما أمرها به و الإباية لقبول عرضه، و أسجد له كل شي‏ء، لأنه تجلى لكل شي‏ء و أوحى إلى كل شي‏ء بما خاطب ذلك الشي‏ء به، تقول الجلود يوم القيامة (أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ) فعمّت فكانت الجلود أعلم بالأمر ممن جعل النطق فصلا مقوما للإنسان خاصة، و عرى غير الإنسان عن مجموع حده من الحيوانية و النطق، فإن اللّه تعالى ما قال‏ «وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» إلا في معرض الرد على من يقول إنه تسبيح حال، فإن العالم كله قد تساوى في الدلالة، فمن يقول بتسبيح الحال فقد أكذب اللّه في قوله تعالى‏ «لا تَفْقَهُونَ» و لذلك قال تعالى‏ «إِنَّهُ كانَ حَلِيماً» و أما قوله تعالى‏ «غَفُوراً» حيث ستر عنكم تسبيح هؤلاء فلم تفقهوه، فكان غفورا أي ساترا نطقهم عن أن تتعلق به الأسماع إلا لمن خرق اللّه له العادة، و من هذه الآية نعلم أن سر الحياة الإلهية سرى في جميع الموجودات فحييت بحياة الحق، فمنها ما ظهرت حياتها لأبصارنا و منها ما أخذ اللّه بأبصارنا عنها في الدنيا، إلا الأنبياء و بعض أولياء اللّه فإنه كشف لهم عن حياة كل شي‏ء، و لسريان هذه الحياة في أعيان الموجودات نطقت كلها مسبحة بالثناء على موجدها، و هذه الحياة و باقي الصفات نسب و إضافات و شهود حقائق،

فإن اللّه هو العلي الكبير عن الحلول و المحل، و عن ذلك نزهته الأشياء في تسبيحها فإن التسبيح تنزيه، فإن المولدات في عالم العناصر ثلاثة عوالم طبيعية، و يسري في كل عالم مولد من هذه الثلاثة أرواح، هي نفوس هذه المولدات، بها تعلم خالقها و منشئها، و بها سرت الحياة فيها كلها، و بها خاطبها الحق و كلفها، و هو رسول الحق إليها وداع كل شخص منه إلى ربه، فما بطنت حياته سمّي جمادا و نباتا، و انفصل هذان المولدان، و تميزوا بالنمو و الغذاء، فقيل في النامي منه نبات و في غير النامي جماد، و ما ظهرت حياته و حسه سمي حيوانا، و الكل قد عمته الحياة، فنطق بالثناء على خالقه من حيث لا نسمع، و علّمهم اللّه الأمور بالفطرة من حيث لا نعلم، فلم يبق رطب و لا يابس و لا حار و لا بارد و لا جماد و لا نبات و لا حيوان إلا و هو مسبح للّه تعالى بلسان خاص بذلك الجنس، فكل جسم في‏

[الفرق بين روح التدبير و روح التسبيح‏]

العالم مقيد بصورة روح إلهي يلازم تلك الصورة، به تكون مسبحة للّه، فمن الأرواح ما تكون مدبرة لتلك الصورة لكون الصورة تقبل تدبير الأرواح، و هي كل صورة تتصف بالحياة الظاهرة و الموت، فإن لم تتصف بالحياة الظاهرة و الموت فروحها روح تسبيح لا روح تدبير، فما من صورة في العالم- و ما العالم إلا صور- إلا و هي مسبحة خالقها بحمد مخصوص ألهمها إياه، و ما من صورة في العالم تفسد إلا و عين فسادها ظهور صورة أخرى في تلك الجواهر، عينها مسبحة للّه تعالى حتى لا يخلو الكون كله عن تسبيح خالقه، فتسبحه أعيان أجزاء تلك الصورة بما يليق بتلك الصورة، و الأرواح الجزئية متفاضلة بالعلم بالأشياء، فمنهم من له علم بأشياء كثيرة، و منهم من لا يعلم إلا القليل، و لا أعلم باللّه من أرواح الصور التي لا حظ لها في التدبير، لكون الصورة لا تقبل ذلك و هي أرواح الجماد، و دونهم في رتبة العلم باللّه أرواح النبات و دونهم في العلم باللّه أرواح الحيوان، و كل واحد من هؤلاء مفطور على العلم باللّه و المعرفة به، و لهذا ما لهم همّ إلا التسبيح بحمده تعالى، و دون هؤلاء في العلم باللّه أرواح الإنس، و أما الملائكة فهم و الجمادات مفطورون على العلم باللّه لا عقول لهم و لا شهوة، و الحيوان مفطور على العلم باللّه و على الشهوة، و الإنس و الجن مفطورون على الشهوة و المعارف من حيث صورهم لا من حيث أرواحهم، و جعل اللّه لهم العقل ليردوا به الشهوة إلى الميزان الشرعي و يدفع عنهم به منازعة الشهوة في غير المحل المشروع لها، لم يوجد اللّه لهم العقل لاقتناء العلوم، و الذي أعطاهم اللّه لاقتناء العلوم إنما هي القوة المفكرة، فلذلك لم تفطر أرواحهم على المعارف كما فطرت أرواح الملائكة و ما عدا الثقلين، فإذا علمت هذا علمت أن العالم كله ما عدا الإنس و الجان مستوفي الكشف لما غاب عن الإحساس البشري، فلا يشاهد أحد من الإنس و الجن ذلك الغيب إلا في وقت خرق العوائد لكرامة يكرمه اللّه بها، كما أن كل جماد و نبات و حيوان في العالم كله، و في عالم الإنسان و الجن و أجسام الملائكة و الأفلاك، و كل صورة يدبرها روح محسوسا كان ذلك التدبير فيمن ظهرت حياته أو غير محسوس فيمن بطنت حياته- كأعضاء الإنسان و جلوده و ما أشبه ذلك- كل هؤلاء في محل كشف الغيوب الإلهية، المستورة عن الأرواح المدبرة لهذه الأجسام من ملك و إنس و جن لا غير، فإنها محجوبة عن إدراك هذا الغيب الإلهي، و هو من الغيوب الإلهية فيجهل كل روح مثل هذا إلا أن يعرفه اللّه به إلا من ذكرناهم، فإنهم يعرفونه بالفطرة التي فطرهم‏ اللّه عليها.

و اعلم أن الكشف لا سبيل إلى حصوله إلا بعناية أزلية تعطيك استعدادا تاما لقبوله، برياضات نفسية و مجاهدات بدنية و تخلق بأسماء إلهية، و تحقق بأرواح طاهرة ملكية و تطهير بطهارة شرعية مشروعة لا معقولة، و عدم تعلق بأكوان و تفريغ محل عن جميع الأغيار، لأن الحق ما اصطفى لنفسه منك إلا قلبك حين نوّره بالإيمان فوسع جلال الحق، فعاين من هذه صفته الممكنات بعين الحق، فكانت له مشهودة و إن لم تكن موجودة، فما هي له مفقودة، و قد كشف لبصيرته بل لبصره و بصيرته نور الإيمان حين انبسط على أعين الممكنات أنها في حال عدمها مرئية رائية مسموعة سامعة برؤية ثبوتية و سمع ثبوتي لا وجود له، فعيّن الحق ما شاء من تلك الأعيان، فوجه عليه دون غيره من أمثاله قوله المعبر عنه باللسان العربي المترجم بكن، فأسمعه أمره، فبادر المأمور فتكون عن كلمته، لا بل كان عين كلمته، و لم تزل الممكنات في حال عدمها الأزلي لها تعرف الواجب الوجود لذاته و تسبحه و تمجده بتسبيح أزلي و تمجيد قديم ذاتي و لا عين لها موجودة و لا حكم لها مفقود، فإذا كان حال الممكنات كلها على ما ذكرناه من هذه الصفات التي لا هل معها، فكيف تكون في حال وجودها و ظهورها لنفسها، جمادا لا ينطق؟ أو نباتا بتعظيم خالقه لا يتحقق؟

أو حيوانا بحاله لا يصدق؟ أو إنسانا بربه لا يتعلق؟ هذا محال، فلا بد أن يكون كل ما في الوجود من ممكن موجود يسبح اللّه بحمده بلسان لا يفقه، و لحن ما إليه كل أحد يتنبه، فيسمعه أهل الكشف شهادة، و يقبله المؤمن إيمانا و عبادة، فقال تعالى: «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً» فجاء باسم الحجاب و الستر، و هو قوله غفورا، و جاء بالاسم الذي يقتضي تأخير المؤاخذة إلى الآجل و عدم حكمها في العاجل، و هو الحليم، لما علم أن في عباده من حرم الكشف و الإيمان، و هم العقلاء عبيد الأفكار، و الواقفون مع الاعتبار، فجازوا من الظاهر إلى الباطن مفارقين الظاهر، فعبروا عنه إذ لم يكونوا أهل كشف و لا إيمان، لما حجب اللّه أعينهم عن مشاهدة ما هي عليه الموجودات في أنفسها، و لا رزقوا إيمانا في قلوبهم يكون له نور يسعى بين أيديهم.

و أما المؤمنون الصادقون أولو العزم من الأولياء، فعبروا بالظاهر معهم لا من الظاهر إلى الباطن، و بالحرف عينه إلى المعنى، ما عبروا عنه، فرأوا الأمور بالعينين، و شهدوا بنور إيمانهم النجدين، فلم يتمكن لهم إنكار ما شهدوا، و لا جحدوا ما تيقنوه، فأسمعهم اللّه نطق‏ الموجودات، لا بل نطق الممكنات قبل وجودها، فإنها حية ناطقة درّاكة بحياة ثبوتية و نطق ثبوتي، إذ كانت في أنفسها أشياء ثبوتية، فلما قبلت الوجود قبلته بجميع نعوتها و صفاتها- و ليس نعتها سوى عينها- فهي في حال شيئية وجودية حية بحياة وجودية ناطقة بنطق وجوديّ درّاكة بإدراك وجودي، فلو لا أن اللّه أسرى بسر الحياة في الموجودات ما كانت ناطقة، و لو لا سريان العلم فيها ما كانت ناطقة بالثناء على اللّه موجدها، و لهذا قال‏ «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» فأتى بلفظ النكرة و ما خص شيئا ثابتا من شي‏ء موجود، لأنها قبلت شيئية الوجود على الحال التي كانت عليها في شيئية الثبوت، إلا أن اللّه أخذ بأبصار بعض عباده عن إدراك هذه الحياة السارية و النطق و الإدراك الساري في جميع الموجودات، كما أخذ اللّه ببصائر أهل العقول و الأفكار عن إدراك ما ذكرناه في جميع الموجودات و في جميع الممكنات، و أهل الكشف و الإيمان على علم مما هو الأمر عليه في هذه الأعيان في حال عدمها و وجودها، فمن ظهرت حياته سمي حيا و من بطنت حياته فلم تظهر لكل عين سمي نباتا و جمادا، فانقسم عند المحجوبين الأمر و عند أهل الكشف و الإيمان لم ينقسم، فأما أصحاب الكشف و الشهود أهل الاختصاص فقد أعطاهم الشهود، و ما أعطى المحجوبين شهودهم، فيقول أهل الشهود: سمعنا و رأينا. و يقول المحجوبون: ما سمعنا و لا رأينا.

و يقول أهل الإيمان: آمنا و صدقنا، قال تعالى: «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» و شي‏ء نكرة و قال‏ (أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ) فذكر الجماد و النبات و الحيوان الذين وقع فيهم الخلاف بين المحجوبين من أهل العقول و الأفكار و بين أهل الشهود و الإيمان، و غير ذلك من الآيات القرآنية، و قد صح عنه صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: [يشهد للمؤذن مدى صوته من رطب و يابس‏] و قال في أحد: [هذا جبل يحبنا و نحبه‏] و قال: [إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث‏] ثم أنه قد صح أن الحصى سبح في كفه، و صح حنين الجذع إليه، إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة، فكل شي‏ء حي مسبح بحمد اللّه و لا يسبح إلا من يعقل من يسبحه، و يثني عليه بما يستحقه، فاللّه تعالى يرزقنا الإيمان إذا لم نكن من أهل العيان و الكشف و الشهود لهذه الأمور، التي أعمى اللّه عنها أهل العقول الذين تعبدتهم أفكارهم و غير المؤمنين الذين طمس اللّه على قلوبهم، فمن علم أن كل شي‏ء ناطق ناظر إلى ربه لزمه الحياء من كل شي‏ء، حتى من نفسه‏

 

[دور العقل في الإنس و الجن‏]

و جوارحه، فكل شي‏ء في العالم يقال فيه عند أهل النظر و في العامة إنه ليس بحي و لا حيوان، فإن اللّه عندنا قد فطره لمّا خلقه على المعرفة به و العلم، و هو حي ناطق بتسبيح ربه، يدركه المؤمن بإيمانه و يدركه أهل الكشف عينا، و أما الحيوان ففطره اللّه على العلم به تعالى و نطّقه بتسبيحه، و جعل له شهوة لم تكن لغيره من المخلوقات، و فطر الملائكة على المعرفة و الإرادة لا الشهوة، و فطر الجن و الإنس على المعرفة و الشهوة- و هو تعلق خاص في الإرادة- لأن الشهوة إرادة طبيعية، فليس للإنس و الجن إرادة إلهية كما للملائكة بل إرادة طبيعية تسمى شهوة، و فطرهما على العقل لا لاكتساب العلم، و لكن جعله اللّه آلة للإنس و الجن ليردعوا به الشهوة في هذه الدار خاصة لا في الدار الآخرة، فإذا استفاد الإنسان أو الجان علما من غير كشف فإن ذلك مما جعل اللّه فيه من قوة الفكر، فكل ما أعطاه الفكر للنفس الناطقة و كان علما في نفس الأمر فهو من الفكر بالموافقة، فالعلوم التي في الإنسان إنما هي بالفطرة و الضرورة و الإلهام، و الكشف الذي يكون له إنما يكشف له عن العلم الذي فطره اللّه عليه، فيرى معلومه و أما بالفكر فمحال الوصول به إلى العلم، و أما الإلهام و الإعلام الإلهي فتتلقاه النفس الناطقة من ربها كشفا و ذوقا من الوجه الخاص الذي لها و لكل موجود سوى اللّه، فالفكر الصحيح لا يزيد على الإمكان و ما يعطي إلا هو، و من علم البهائم باللّه و لما خلقت له، ما قاله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [إن بقرة في زمن بني إسرائيل حمل عليها صاحبها، فقالت:

ما خلقت لهذا، و إنما خلقت للحرث، فقال الصحابة: أ بقرة تكلم؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: آمنت بهذا أنا و أبو بكر و عمر] و مر بعض أهل اللّه على رجل راكب على حمار و هو يضرب رأس الحمار حتى يسرع في المشي، فقال له الرجل: لم تضرب على رأس الحمار؟

فقال له الحمار: دعه فإنه على رأسه يضرب. فهذا حمار قد علم ما تؤول إليه الأمور بالفطرة، و كان ابن عطاء راكبا على جمل فغاصت رجل الجمل، فقال ابن عطاء اللّه: جل اللّه، فقال الجمل: جل اللّه يزيد على إجلالك. فكان الجمل أعلم باللّه من ابن عطاء، فاستحى ابن عطاء، فهذه البهائم تعرفك و تعرف ما يؤول إليه أمرك، و تعرف ما خلقت له، و أنت جهلت هذا كله مع قول اللّه تعالى لك‏ (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) فانظر يا محجوب أين مرتبتك من البهائم؟ فكم بيّن اللّه لنا ما هي المخلوقات عليه من العلم باللّه و الطاعة له و القيام بحقه و لا نؤمن و لا نسمع، و رجحنا حسّنا على الإيمان بما عرّفنا به‏ ربنا، لما لم نشاهد ذلك مشاهدة عين، فكل ما سوى اللّه مسبح بحمد اللّه، و قد وردت الأخبار بحياة كل رطب و يابس و جماد و نبات و أرض و سماء، و هنا وقع الخلاف بين أهل الكشف و الإيمان و بين من لا يقول بالشرائع أو من يتأول الشرائع على غير ما جاءت له، فيقولون إنه تسبيح حال، و أما ما أدرك الحس حياته فلا خلاف في حياته، و إنما الخلاف في سبب حياته ما هو؟

و في تسبيحه بحمد ربه لما ذا يرجع؟ إذ لا يكون التسبيح إلا من حي عاقل يعقل ذلك، و ما عدا الإنسان و الجن من الحيوان ليس بعاقل عند المخالف، بخلاف ما يعتقده أهل الكشف و الإيمان الصحيح، فيدرك المكاشف الحياة الذاتية التي في الأجسام، و هي صفة نفسية لها بها تسبح ربها دائما، سواء كانت أرواحها المدبرة فيها أو لم تكن، فالحياة الذاتية لكل جوهر فيه غير زائلة، و بتلك الحياة الذاتية التي أخذ اللّه بأبصار بعض الخلق عنها، بها تشهد الجلود يوم القيامة على الناس و الألسنة و الأيدي و الأرجل، و بها تنطق فخذ الرجل في آخر الزمان فتخبر صاحبها بما فعل أهله، و بها تنطق الشجرة في آخر الزمان إذا اختفى اليهود حين يطلبهم المسلمون للقتل، و إنما كانت هذه الحياة في الأشياء ذاتية لأنها عن التجلي الإلهي للموجودات كلها، لأنه خلقها لعبادته و معرفته، و دوام التجلي أعطاها الحياة الذاتية الدائمة، و بهذه الحياة يسبح كل شي‏ء، فالعالم كله- الذي هو عبارة عن كل ما سوى اللّه- حيوان ناطق، لكن تختلف أجسامه و أغذيته و حسه، فهو الظاهر بالصورة الحيوانية و هو الباطن بالحياة الذاتية، فأنطق الحق العالم كله بالتسبيح بحمده بلسان فصيح ينسب إليه بحسب ما تقتضيه حقيقته، و كل موجود من الأجسام له لطيفة روحانية إلهية تنظر إليه من حيث صورته لا بد من ذلك، و التسبيح تنزيه ما هو ثناء بأمر ثبوتي، لأنه لا يثنى عليه إلا بما هو أهل له، و ما هو له لا يقع فيه المشاركة، و ما أثني عليه إلا بأسمائه، و ما من اسم له سبحانه عندنا معلوم إلا و للعبد التخلق به و الاتصاف به على قدر ما ينبغي له، فلما لم يتمكن في العالم أن يثني عليه بما هو أهله، جعل الثناء عليه تسبيحا من كل شي‏ء، و لهذا أضاف الحمد إليه فقال‏ «يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» أي بالثناء الذي يستحقه و هو أهله، و ليس إلا التسبيح، فإنه سبحانه يقول‏ (سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ) و العزة المنع من الوصول إليه بشي‏ء من الثناء عليه الذي لا يكون إلا له‏ (عَمَّا يَصِفُونَ) و كل مثن واصف، فذكر سبحانه تسبيحه في كل حال و من كل عين، فقال‏ (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ‏ وَ مَنْ فِيهِنَّ) و ما ثم إلا هؤلاء، و لما كان الأمر بالثناء على اللّه على ما قررناه لم يتمكن لنا أن نستنبط له ثناء، فإن كان التسبيح ثناء، فقد قيد ثناء كل موجود في العالم بقوله تعالى «بحمده» فقيد تسبيح كل شي‏ء بحمده المضاف إليه، أي الثناء الذي أثنى به على نفسه، و هو الذي أنزله من عنده، في كتبه و على ألسنة رسله، على حد ما يعلمه هو لا على حد ما نفهمه، فإنه تعالى نبّه بقوله‏ «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» إلا هذا الإنسان فإن بعضه يسبحه بغير حمده، فنحن نكون في الثناء عليه بما أثنى به على نفسه حاكين تالين، لأن الثناء على المثنى عليه مجهول الذات،

لا يقبل الحدود و الرسوم، و لا يدخل تحت الكيفية، و لا يعرف كما هو عليه في نفسه، و هو الغني عن العالمين، فلا تدل على المعرفة به الدلالات، و إنما تدل على استنادنا إليه من حيث لا يشبهنا أو لا يقبل وصفنا، و ما من اسم إلهي إلا و نتصف به، فما تلك هي المعرفة المقصودة التي يعلم بها نفسه، فشرع التسبيح و فطر عليه كل شي‏ء، و هو نفي عن كل وصف لا إثبات، فالتسبيح تنزيه و نفي لا إثبات، و الثناء على اللّه بالتسبيح لا تكل به الألسنة، و هو تسبيح كل ما سوانا، أي الأنفس الناطقة، فإنا لا نفقه تسبيحهم إلا إذا أعلمنا به، فالمحامد لا تقف عند حد، و المسبّح لا يسبحه إلا بحمده، بخلاف الثناء بالأسماء، فإن الألسنة (أي ألسنة الأنفس الناطقة) تكل و تعيا و تقف فيها،

و لهذا قال صلّى اللّه عليه و سلم خاتما عند الإعياء و الحصر [لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك‏]، و تتبعنا الكتاب و السنّة في التسبيح إذا سبح به المسبح- أعني بلفظه الخاص به الدال عليه- فوجدناه أنه لا بد أن يقيد باسم من الأسماء الإلهية الظاهرة أو المضمرة و المضافة و المطلقة، فطلبنا هذه الأسماء فوجدناها تدور على اللّه، و الرب المضاف، و الاسم الناقص، و الاسم المضمر كالهاء، و الملك و العلي، فاللّه يقول‏ (فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ) و الرب قوله‏ (سُبْحانَ رَبِّكَ) و الاسم الناقص‏ (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ) و المضمر قوله (سبحانه و تعالى) و الملك مثل الذي ورد في السنة (سبحان الملك القدوس) و العلي كما ورد في السنة (سبحان العلي الأعلى) و قد ورد من غير تقييد في السنة مثل قول (سبوح) و هذا ذكر المذكور، و نتيجته أعظم النتائج، لأنه كناية عن عين المسبّح بالتسبيح، فاسمه هنا عينه، و هذا أكمل تسبيح العارفين، لأنه غاب عن الاسم فيه بالمسمّى، و لما كان التسبيح بحمده قربة به، فقال في الصحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [سبحان اللّه و الحمد للّه أنهما يملآن أو يملآ ما بين‏ السماء و الأرض‏] و أراد قوله: سبحان اللّه و بحمده، فإن الحمد للّه تملأ الميزان، فإنها آخر ما يجعل في الميزان فبها يمتلئ، فالعارف من سبح اللّه بما أثنى به على نفسه و ما استنبط شيئا، و لهذا قال تعالى: «وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» فدل على أن كل شي‏ء يسبح إلهه بما تقرر عنده منه مما ليس عند الآخر، فلو كان تسبيحهم راجعا إلى أمر واحد لم يجهل أحد تسبيح غيره، و في ذلك إشارة إلى الذين استنبطوا الثناء عليه تعالى بعقولهم فنسوا قوله تعالى «بحمده» فحجبهم عن ذلك أدلة عقولهم، إذ ستر اللّه عنها ذلك بستر أفكارهم فلم يؤاخذهم على ذلك لقوله: «إِنَّهُ كانَ حَلِيماً» فلم يؤاخذ مع القدرة على ما تركتم من الثناء عليه بما أثنى به على نفسه، و لم يعجل عليكم بالعقوبة فيمن يزعم أنه على وصف كذا خاصة و ما هو على وصف كذا، فكان حليما مع ما في ذلك من سوء الأدب منكم‏ «غَفُوراً» بما ستره عنكم من علم ذلك ممن هو بهذه المثابة، فوصف نفسه تعالى في آخر هذه الآية بأنه غفور لما ستر به قلوبهم عن العلم به إلا من شاء من عباده، فإنه أعطاه العلم به على الإجمال، فإذا أراد العبد نجاة نفسه و تحصيل أسباب سعادته، فلا يحمد اللّه إلا بحمده، كان ما كان، على علم اللّه في ذلك من غير تعيين، فإذا قام فضول بالإنسان و استنبط له ثناء لم يجى‏ء بذلك اللفظ خطاب إلهي فما سبحه بحمده بل بما استنبطه من عنده، فينقص عن درجة ما ينبغي، فقل ما قاله عن نفسه و لا تزد في الرقم و إن كان حسنا تكن من أهل الحق، فإن اللّه خلق العالم للتسبيح بحمده لا لأمر آخر، فالعالم لا يفتر عن التسبيح طرفة عين لأن تسبيحه ذاتي كالنفس للمتنفس، و هذه الآية إخبار من الحق عن الأشياء أنها تنزه بحمده أي بالثناء عليه، و التنزيه البعد، و ما ذكر اللّه أنه أمرهم بتسبيحه، بل أخبر أنهم يسبحون بحمده، فاجعل بالك لقول اللّه في تلاوتك لما يقول ربك عن نفسه و ما يقوله العالم عنه، و فرّق، و لا تحتج فيه إلا بما قاله عن نفسه لا بما يحكيه من قول العالم فيه، تكن من أهل القرآن الذين هم أهل اللّه و خاصته- نصيحة- لما كان المؤمن لا يشك في أن كل شي‏ء مسبح، و كل مسبح حي عقلا، فإن أهل الورع يتورعون عن صيد الحيوان كما يفعل الملوك و من لا حاجة له بذلك، للفرجة و اللهو و اللعب، فقد ورد أن العصفور يأتي يوم القيامة فيقول: يا رب سل هذا لم قتلني عبثا؟ و كذلك من يقطع شجرة لغير منفعة أو ينقل حجرا لغير فائدة تعود على أحد من خلق اللّه.

[سورة الإسراء (17): الآيات 45 الى 46]

وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (45) وَ جَعَلْنا عَلى‏ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى‏ أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (46)

[آيتان أمان من الوسواس‏]

من قرأ هاتين الآيتين كانتا له أمانا من الوسواس، و قوله تعالى: «وَلَّوْا عَلى‏ أَدْبارِهِمْ نُفُوراً» لأنهم لم يسمعوا بذكر شركائهم و اشمأزت قلوبهم، هذا مع علمهم بأنهم هم الذين وضعوها آلهة، و لهذا قال: سموهم، فإنهم إن سموهم قامت الحجة عليهم.

[سورة الإسراء (17): الآيات 47 الى 55]

نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَ إِذْ هُمْ نَجْوى‏ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (47) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (48) وَ قالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَ رُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (49) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (50) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَ يَقُولُونَ مَتى‏ هُوَ قُلْ عَسى‏ أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (51)

يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَ تَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً (52) وَ قُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (53) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَ ما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (54) وَ رَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى‏ بَعْضٍ وَ آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (55)

[ «وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى‏ بَعْضٍ»]

«وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى‏ بَعْضٍ» مع أن النبوة موجودة، فما زالوا في النبوة مع فضل بعضهم على بعض، فتفضل منازلهم بتفاضلهم و إن اشتركوا في الدار، فقوله تعالى‏ «وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى‏ بَعْضٍ» بما يقتضيه الشرف مع اجتماعهم في درجة النبوة، أي يزيد كل واحد على صاحبه برتبة تقتضي المجد و الشرف، أي جعلنا عند كل واحد من صفات المجد و الشرف ما لم نجعل عند الآخر، فقد زاد بعضهم على بعض في صفات الشرف و المراتب التي فضلوا بها بعضهم على بعض، أي أعطينا هذا ما لم نعط هذا، و أعطينا هذا ما لم نعط من فضله و لكن من مراتب الشرف، فمنهم من كلم اللّه، و آتينا عيسى البينات و أيدناه بروح القدس، و منهم من فضل بأن خلقه بيديه و أسجد له الملائكة، و منهم من فضل بالكلام القديم الإلهي بارتفاع الوسائط، و منهم من فضل بالخلة، و منهم من فضل بالصفوة و هو إسرائيل يعقوب، فهذه كلها صفات شرف و مجد، و لا يقال: إن خلّته أشرف من كلامه و لا أن كلامه أفضل من خلقه بيديه، بل كل ذلك راجع إلى ذات واحدة لا تقبل الكثرة و لا المفاضلة، و مذهب الجماعة أن كل واحد من الأنبياء فاضل مفضول، فخص آدم بعلم الأسماء الإلهية، و خص موسى بالكلام، و خص رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بما ذكر عن نفسه، و خص عيسى بكونه روحا، و مع علمنا بأن اللّه فضّل بعضهم على بعض، فله سبحانه أن يفضل بين عباده بما شاء، و ليس لنا ذلك، فإنا لا نعلم ذلك إلا بإعلامه، فإن ذلك راجع إلى ما في نفس الحق سبحانه منهم، و لا يعلم أحد ما في نفس الحق، و لا دخول هنا للمراتب الظاهرة و التحكم، و قد نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن نفضل بين الأنبياء و أن نفضله صلّى اللّه عليه و سلم عليهم إلا بإعلامه أيضا، و عيّن يونس عليه السلام و غيره، فمن فضّل من غير إعلام اللّه فقد خان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و تعدى ما حده له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم- وجه في هذه المفاضلة- الرسالة و نبوة الشرائع المتعدية إلى الأمم، و الخاصة بكل نبي، اختصاص إلهي في الأنبياء و الرسل لا ينال بالاكتساب و لا بالتعمل، و خطاب الحق قد ينال بالتعمل، و الذي يخاطب به إن كان شرعا يبلّغه أو يخصه، ذلك هو الذي نقول فيه: لا ينال بالتعمل و لا بالكسب، و هو الاختصاص الإلهي المعلوم، فكل شرع ينال به عامله هذه المرتبة فإن نبي ذلك الشرع من أهل هذا المقام، و هو زيادة على شريعة نبوته له، فضلا من اللّه و نعمة، و كل شرع لا ينال العامل به هذا المقام فإن نبي ذلك الشرع لم يحصل له هذا المقام الذي‏ حصل لغيره من أنبياء الشرائع، فهذا وجه من الوجوه التي قال تعالى فيها: «وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى‏ بَعْضٍ» و قوله تعالى‏ (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى‏ بَعْضٍ) قال الخضر لموسى في هذا المقام‏ (وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً) فإن موسى عليه السلام في ذلك الوقت لم يكن له هذا المقام الذي نفاه عنه العدل بقوله، و تعديل اللّه إياه بما شهد له به من العلم، و ما رد عليه موسى في ذلك و لا أنكر عليه بل قال‏ (سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً).

 

[سورة الإسراء (17): آية 56]

قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَ لا تَحْوِيلاً (56)

[- تحقيق- تعلم الخصام‏]

– تحقيق- تعلم الخصام، فإن الحق سيجعلك بين المشتركين، فلا تتخلص منهم إلا بالحجة، فانظر من عبد غير الحق فقل له: ما لك و كذا؟ اطلب منه كذا. و لا يكون هذا القول إلا غيرة منك في حق الحق، فإن الذي يطلبه منهم لا يكون، فتبقى حجتهم داحضة، و إن قلت ذلك لا من أجل الغيرة يكون ما طلبت منهم، فيزداد الكافر كفرا، و قد ترتاب أنت، فلا تتعرض للفتن إلا بقدم راسخة عند الحق، و من لا قدم له عند الحق لا صدق له، و من لا صدق له سقط حظه من الحق.

[سورة الإسراء (17): آية 57]

أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى‏ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَ يَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (57)

[مقام الرجاء]

«وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ» إن الرجاء مقام مخوف، يحتاج صاحبه إلى أدب حاضر حاصل و معرفة ثابتة لا يدخلها شبهة، فإنه مقام على جانب الطريق ما هو في نفس الطريق، تحته مهواة بأدنى زلة يسقط صاحبه من الطريق، و هو على طريق الحياة الدائمة التي بها بقاء العالم في النعيم، و الحال التي ينبغي أن يظهر سلطانه فيها عند الاحتضار، و أما قبل ذلك فيساوى بين حكمه و حكم الخوف إن كان مؤمنا حقيقة، قال اللّه تعالى: [أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا] و كذلك ينبغي أن يظن بنفسه شرا لا بربه، إلا عند الموت يشتغل بربه في تلك الحال و يظن به خيرا، و يعرض عن ظنه بنفسه جملة واحدة، بخلاف حاله في دنياه.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏2، ص: 558

إن الرجاء كمثل الخوف في الحكم‏ فاعزم عليه و كن منه على علم‏
إن الرجاء مقام ليس يعلمه‏ إلا أولو العلم بالرحمن و الفهم‏

[سورة الإسراء (17): الآيات 58 الى 60]

وَ إِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (58) وَ ما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَ آتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَ ما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً (59) وَ إِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبِيراً (60)

الشجرة مشتقة من التشاجر لتداخل أغصانها بعضها على بعض، كالمتشاجرين يدخل كلام بعضهم في كلام بعض بالمخالفة و المنازعة، و لذلك ما ذكر اللّه تعالى في القرآن إلا ثمرات الجنة، فإنه جعلها منزل موافقة، فقد يكون أغصانها تخرج على الاعتدال و الاستقامة، و ذكر ذلك في النار فقال: «وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ» و قال: [إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم‏] فإن جهنم دار نزاع و تشاجر.

[سورة الإسراء (17): آية 61]

وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (61)

اعلم أن كل مخلوق ما عدا بني آدم في مقام الخشوع و التواضع إلا الإنسان، فإنه يدعي الكبرياء و العزة و الجبروت على اللّه تعالى، و أما الجن فتدعي ذلك على من دونها في زعمها من المخلوقين، كاستكبار إبليس من حيث نشأته على آدم عليه السلام، و لذا قال: «أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً» لأنه رأى عنصر النار أشرف من عنصر التراب، و قال‏ (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)* فلم يتكبر على اللّه عزّ و جل، فاختص الإنسان وحده من سائر المخلوقات بهذه الصفة. و اعلم أن سبب سجود الملائكة لآدم إنما كان لأجل الصورة، لا لأن علّمهم الأسماء، فأمروا بالسجود قبل أن يعرفوا فضله عليهم بما علمه اللّه من الأسماء،و لو كان السجود بعد ظهوره بالعلم ما أبى إبليس و لا قال‏ (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ)* و لا استكبر عليه، و لهذا قال‏ «أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً» و قال‏ (خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ)* ثم بعد ذلك أعلم اللّه الملائكة بخلافته فقالوا ما أخبر اللّه عنهم، و لهذا قال تعالى في بعض ما كرره من قصته‏ «وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ»* فأتى بالماضي من الأفعال، و بأداة إذ و هي لما مضى من الزمان، فاجعل بالك لهذه المسألة، لتعلم فضل آدم بعلمه على فضله بالسجود له لمجرد ذاته، و لما ذا نهي في الشرع أن يسجد إنسان لإنسان، فإنه سجود الشي‏ء لنفسه، فإنه مثله من جميع وجوهه، و الشي‏ء لا يخضع لنفسه، و لهذا لما سئل صلّى اللّه عليه و سلم في الرجل إذا لقي الرجل أ ينحني له؟ قال: لا، قيل له: أ يصافحه؟ قال: نعم.

[سورة الإسراء (17): آية 62]

قالَ أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً (62)

فقال تعالى من كرمه لإبليس و عموم رحمته.

[سورة الإسراء (17): آية 63]

قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً (63)

و من الأمر اللطيف الذي تجعله قرائن الأحوال وعيدا و تهديدا، و الظاهر تعلق بالحكم، لاستواء الرحمن على العرش، و اتساع الرحمة و عمومها حيث لم تبق شيئا إلا حكمت عليه، و من حكمها كان قوله تعالى.

[سورة الإسراء (17): آية 64]

وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ وَ عِدْهُمْ وَ ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (64)

لما كان للجن- شياطينهم و غير شياطينهم- الإغواء، أمرهم اللّه من خلف حجاب البعد بالاستفزاز و المشاركة في الأموال و الأولاد، ابتلاء لهم و امتحانا، فيقول الشيطان للإنسان اكفر، فإذا كفر يقول الشيطان‏ (إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ) و لو أن هذه الآية و أمثالها فيما يختص بإبليس أوامر إلهية، فإنها لم تكن ابتداء من اللّه، فلو كانت ابتداء ما شقي إبليس، و لكن لما كانت إجابة لإبليس لما قال‏ (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)

(لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ) شقي بها، كما تعب المكلف فيما سأله من التكليف، فإبليس مصدّق للّه فيما أخبر به عنه ممتثل أمر اللّه بشبهة في أمره في قوله‏ (وَ عِدْهُمْ) فأخبر اللّه تعالى عنه‏ (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) فما جاء إبليس إلا بأمر اللّه تعالى، و هو أمر إلهي يتضمن وعيدا و تهديدا، و لكن لطف اللّه بإبليس بأن جعل له متعلقا يتعلق به في موطن خاص، فأدرج الرحمة من حيث لا يشعر بها، و لو شعر إبليس بهذا الاستدراج الرحماني، ما طلب الرحمة من عين المنة، و لكن حجبته قرائن الأحوال عن اعتبار صفة الأمر الإلهي، و كان ابتلاء شديدا في حقنا، ليريه تعالى أن في ذرية آدم من ليس لإبليس عليه سلطان و لا قوة فقال تعالى.

 

[سورة الإسراء (17): آية 65]

إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَ كَفى‏ بِرَبِّكَ وَكِيلاً (65)

[الحفظ للأولياء و العصمة للأنبياء]

كلّما قربت أحوالك من أحوال الأنبياء أي باتباع الرسول و الجري على سنته، كنت في العبودة أمكن، و كانت لك الحجة، و لم يكن للشيطان عليك سلطان، كما قال تعالى: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ» و قال‏ (يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) فلا أثر للشيطان فيهم، فإن السجدة القلبية إذا حصلت للإنسان حالة مشاهدة عين فقل كمل و كملت معرفته و عصمته فلم يكن للشيطان عليه سبيل، و تسمى هذه العصمة في حق الولي حفظا كما تسمى في حق النبي و الرسول عصمة، ليقع الفرق بين الولي و النبي، فالأنبياء محفوظون ظاهرا و باطنا، و الولي محفوظ من الأمر الذي يقصد الشيطان عند إلقائه في قلب الولي ما شاء اللّه أن يلقي إليه، فيقلب عينه بصرفه إلى الوجه الذي يرضي اللّه، فيحصل بذلك على منزلة عظيمة عند اللّه، و لو لا حرص إبليس على المعصية ما عاد إلى هذا الولي مرة أخرى، فإنه يرى ما جاءه به ليبعده بذلك من اللّه يزيده قربا و سعادة، و الأنبياء معصومون أن يلقي الشيطان إليهم، فلهم العصمة من الشيطان ظاهرا و باطنا، و هم المحفوظون من اللّه في جميع حركاتهم، و ذلك لأنهم قد نصبهم اللّه للناس، و لهم المناجاة الإلهية، فالأنبياء المرسلون معصومون من المباح أن يفعلوه من أجل نفوسهم، لأنهم يشرعون بأفعالهم و أقوالهم، فإذا فعلوا مباحا يأتونه للتشريع ليقتدى بهم، و يعرفون الأتباع عين الحكم الإلهي فيه، فهو واجب عليهم ليبينوا للناس ما أنزل إليهم. فهذا الفرق بين العصمة و الحفظ،

و إنما جعلوا الحفظ للولي أيضا أدبا مع النبي، فإن الشيطان ما له سبيل على قلوب بعض الأولياء من‏ أجل العلم الذي أعطاه التجلي الإلهي لقلوبهم، و هذا لا يكون لأحد من الأولياء إلا لمن سجد قلبه، فإن الشيطان لا يعتزل عن الإنسان إلا في حال سجوده في الظاهر و الباطن، فإن لم يسجد قلب الولي فليس بمحفوظ «وَ كَفى‏ بِرَبِّكَ وَكِيلًا» فيحفظ اللّه أولياءه من بين أيديهم و من خلفهم و عن أيمانهم و عن شمائلهم، إذ لا دخول للشيطان على بني آدم إلا من هذه الجهات، و الأديب من عباد اللّه خلّاق في هذه الدار بالعمل ببسم اللّه الرحمن الرحيم، ليسلم عمله من مشاركة الشيطان، حيث أمره اللّه بالمشاركة في الأموال و الأولاد، فهو ممتثل هذا الأمر حريص عليه، و نحن مأمورون باتقائه في هذه المشاركة، فطلبنا ما نتقيه به لكونه غيبا عنا لا نراه، فأعطانا اللّه اسمه، فلما سمينا اللّه على أعمالنا عند الشروع فيها توحدنا بها، و عصمنا من مشاركة الشيطان، فإن الاسم الإلهي هو الذي يباشره و يحول بيننا و بينه، و إن بعض أهل الكشف ليشهدون هذه المدافعة التي بين الاسم الإلهي من العبد في حال الشروع و بين الشيطان، و إذا كان العبد بهذه الصفة كان على بينة من ربه و فاز و نجا من هذه المشاركة، و كان له البقاء في الحفظ و العصمة في جميع أعماله و أحواله.

[سورة الإسراء (17): الآيات 66 الى 67]

رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (66) وَ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَ كانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (67)

«وَ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ» نبه بذلك على موضع انقطاع الأسباب‏ «ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ» يعني الأسباب، ضل منكم و تلف، فلم تجدوه، و ما وجدتم عند فقده إلا اللّه، فحيث تفنى الأسباب هناك يوجد اللّه، فقال‏ «إِلَّا إِيَّاهُ» فتدعونه في دفع الشدائد، فكان هو السبب الذي ينجي في أوقات الضرورات المهلكة، التي يقطعون فيها أن آلهتهم لا تغني عنهم فيها شيئا، فيلجئون إلى اللّه في رفعها، فإن الإنسان بحكم الطبع يجري إذا مسه الضر إلى طلب من يزيله عنه و ليس إلا اللّه، فما من شي‏ء إلا و يرجع في ضرورته إذا انقطعت به الأسباب إليه‏ «فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَ كانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً» فلما نجاه اللّه و أغاثه‏ و استقل، قال: هذا أيضا من جملة الأسباب التي يقوم بعضها عن بعض فيما تريده، فجعله واحدا من الأسباب و هو المشرك.

[سورة الإسراء (17): الآيات 68 الى 72]

أَ فَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى‏ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً (69) وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى‏ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (70) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (71) وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى‏ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى‏ وَ أَضَلُّ سَبِيلاً (72)

«وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ» يعني في الدنيا، و سماها دنيا لأنها أقرب إلينا من الآخرة «أَعْمى‏» و هو حال الجهل باللّه كما هو في نفس الأمر «فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى‏» كما هو في الدنيا، فإن الإنسان إنما يموت على ما عاش عليه، فإذا كان أعمى في الدنيا- و العمى هنا الجهل باللّه- و يموت على ذلك فيجي‏ء في الآخرة بذلك الجهل، فهو ما عاش إلا حائرا، فإذا وقع الكشف هناك زاد حيرة، و هو قوله تعالى‏ «وَ أَضَلُّ سَبِيلًا» أي أشد عمى، فهو أضل من كونه في الدنيا، فإنه كان يترجى في الدنيا لو كشف له أن تزول عنه الحيرة، و السبيل هو الطريق، و ليس إلا الفكر فيما منع التفكر فيه‏ «وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ» الدنيا «أَعْمى‏» عن إدراك أنوار ما جاءت به الشرائع من الحق‏ «فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى‏» كذلك هم في النار عمي عن إدراك أنوار السيارة و غيرها من الكواكب‏ «وَ أَضَلُّ سَبِيلًا» و إنما كان أضل سبيلا، فإنه كان في الدنيا يجد من يرشده إلى الطريق و لكن لا يسمع، و في النار ما يجد من يرشده إلى الطريق، فإنه ما ثمّ طريق، لكن يجد من يندّمه على ما فاته ليزيده حسرة إلى حسرته، فكما تكون‏ اليوم تكون غدا، فاجهد أن تكون هنا ممن أبصر الأمور على ما هي عليه.

[سورة الإسراء (17): آية 73]

وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَ إِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73)

و ما سامحه سبحانه في طمعه باستدراجهم بذلك ليؤمنوا بقوله تعالى.

 

 

[سورة الإسراء (17): آية 74]

وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (74)

«وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ» بما أوحينا إليك في ذلك‏ «لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا».

 

 

[سورة الإسراء (17): آية 75]

إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (75)

هذا مع القصد الحسن، فكيف بغير ذلك؟ و الضعف أشد من العذاب المستحق بالأصالة و سببه الركون.

 

 

[سورة الإسراء (17): الآيات 76 الى 78]

وَ إِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَ إِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً (76) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَ لا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً (77) أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (78)

 

 

[في معنى إقامة الصلاة]

دلوك الشمس هو زوالها عن استوائها- تحقيق و إشارة في معنى إقامة الصلاة- يا عقل، ربك قد دعاك إلى الدخول عليه، و الوقوف بين يديه، فتسوك بعود أراك تفاؤلا، فإن الفأل مشروع، فهو خير من سبعين صلاة، و في رواية من أربعمائة كما جاء في الموضوع، فالزم الأدب و احضر مع النسب، فإن علم النسب يوجب أدبك، و ينهج مذهبك و هذا أنت خلف الباب، تريد رفع الحجاب، فقل:اللّه أكبر اللّه أكبر، إثباتا لمن تكبر عليه و إعظاما، و نزولا عليه و إلماما، و قهرا له و إرغاما، و رحمة به و إكراما.

أشهد أن لا إله إلا اللّه: إثباتا لمن ادعى الألوهية في نفسه، حين أوجدها له في يومه دون أمسه، فتنعم بها في حسه، و ظهر بها عند أبناء جنسه، فحال بينه و بين دوام أنسه.

أشهد أن محمدا رسول اللّه: تحققا أن الرسالة في الثرى، و أن كل الصيد في جوف الفرا، فسرت سريان النفس في الورى، فمنهم من تقدم و منهم من طلب الوراء، و عند الصباح يحمد القوم السرى.

حي على الصلاة: إثباتا للغفلات، و تعشق الغافلين بالكائنات، فاتحدوا بها في عالم الكلمات، و انفصلوا عنها في عالم السموات، انفصال الروحانيات الملكوتيات.

حي على الفلاح: تعينا للبقاء، و نجاة السعداء، و عدمها من الأشقياء، و الفصل بين الأرض و السماء، يوم الفصل و القضاء.

قد قامت الصلاة: فقاموا إجلالا لقيامها، و بادروا إليها تعظيما لإمامها، فوهبتهم الأسرار القدسية، بين افتتاحها بتكبيرها، و تمامها بسلامها، فمن فارح بقدومها، جزع من إقدامها، و من فارح بقضائها، إذ كان على بيّنة من تمامها، و من محب في دوامها للتلذذ بكلامها.

اللّه أكبر اللّه أكبر: تكبيرا من غير مفاضلة، و قربا من غير مواصلة، و بعدا من غير مفاصلة، و إنباء من غير مراسلة، و إنعاما بمعاملة و غير معاملة، و رؤية من غير مقابلة.

لا إله إلا اللّه: إثباتا للشرك و التوحيد في عالم الجمع و الوجد، في عالم الفرق و الفقد، سر التعطيل و الوجود، و النسبة و التمجيد، لانفراد الوعد و الوعيد، من القريب و البعيد، بمحل التعظيم و التأييد.

و أنت يا حس، فقل:اللّه أكبر اللّه أكبر: تنفي تكبير المتكبرين من غير طريق دعوى المدعين، و إرغاما لأنوف الحاسدين، و دحضا لحجة المبطلين، و إقامة لبرهان المؤمنين.

أشهد أن لا إله إلا اللّه: ردا على من قال: إنه اللّه، فإن الحكيم الأواه، من قال بنفي الأشباه، و ساوى في الذكر بين القلوب و الأفواه، و في السجود بين الأقدام و الجباه.

أشهد أن محمدا رسول اللّه: إثباتا لقربه من ربه، بعالم تربه، و من حبّه بعالم قلبه، لصحة حبّه، فاتّخذ حبيبا و خليلا، و عبدا و رسولا، فصحت له السيادة على صحبه.

حي على الصلاة: إثباتا للإيمان، و تعشقا في العيان، بالبصر و الجنان، في الإساءة و الإحسان، و الجحيم و الجنان، فليس العجب من ورد في بستان، إنما العجب من ورد في قعر النبران‏.

حي على الفلاح: إقبالا على الإحسان بالأمان، فإن البقاء بقاءان، و النجاة نجاتان، و كل ذلك قد ظهر في الإنسان.

قد قامت الصلاة: من قعدتها، و انحلت (لام ألفها) من عقدتها، فصارت سلطانة بوحدتها، و ظهرت في المؤمنين بقوتها و نجدتها، و في العارفين بترك عددها و عدتها، و إنها لكبيرة إلا على الخاشعين.

اللّه أكبر اللّه أكبر: مفاضلة روحانية، و مرتبة ربانية، و معادلة رحمانية، و تكملة إنسانية، و نكتة رهبانية.

لا إله إلا اللّه: شرك مقبول‏، في توحيد معلول، صاحبها مقيد مغلول، و تاركها في روض مطلول، لا ملول و لا مملول.

جعلنا اللّه و إياكم ممن أقامها دائما، و كان بأسرارها عالما.

يا مقيم الصلاة ما لك تدعو للمناجاة من حماه العيان‏
و هي عندي إزاحة لحجاب‏ قررته عند الحكيم الكيان‏
و دليلي من قال: قم يا بلال‏ فأرحنا بها فسر الزمان‏
فأقام الصلاة فارتاح قلب‏ جاءه الخوف تارة و الأمان‏
قل لمن يقرأ القرآن: تبحر في علوم شتى حواها القران‏
خلف ستر أدق من وهم سر شاهد اللّه إذ أتته الحسان‏
هو وهم و ليس علما و لكن‏ فيه سر لربنا و امتنان‏
فإذا ما قرأت قرآن ربي‏ أظهر القول ما حواه الجنان‏
للفؤاد الكلام من غير حرف‏ يا ولي، و للحروف اللسان‏

عجبا أ لا ترى كل عبادة لا تمنع من قامت به التصرف في بعض أسبابه، إلا الصلاة، فإنها تغلق على من قامت به جميع أبوابه، فمقامها الغيرة، و مشهدها الحيرة، إنية المحتد و المولد و المشهد، و هي أسنى تكليف يقصد، و لما كانت محل إدراك المنى، طولب المكلف فيها بالفناء.

 

 

[سورة الإسراء (17): آية 79]

وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (79)

[ «وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ»]

«وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ» المتهجد عبارة عمن يقوم و ينام و يقوم و ينام و يقوم، فمن لم يقطع الليل في مناجاته ربه هكذا فليس بمتهجد، فنوم المتهجد لحقّ عينه و قيامه لحق ربه‏ «نافِلَةً لَكَ» لا تصح نوافل الخيرات إلا بعد كمال الفرائض، و لا تكمل الفرائض إلا باستكمال حقوقها، و لذلك منعنا أن تصح لأحد على التعيين نافلة إلا بإخبار أو مشاهدة، و ذلك أن الفرائض تستغرقها بالتكميل منها، فإنه قد ورد في الصحيح عن اللّه تعالى أنه يقول يوم القيامة [انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، و إن كان انتقص منها شيئا قال: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع و هو النافلة قال: أكملوا لعبدي فريضته من تطوعه‏] قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم‏] فالنافلة لا تكون إلا بعد تمام الفريضة، فمن كانت فريضته من الصلاة ناقصة فإنها تكمل من نوافله، فإن استغرقت الفرائض نوافل العبد المتهجد، لم يبق له نافلة و ليس بمتهجد و لا صاحب نافلة، و هذه الآية نص في إثبات النافلة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فإن اللّه ما شهد لأحد بالنوافل إلا لرسوله صلّى اللّه عليه و سلم، فقال له آمرا «وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ» فشهد اللّه لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم بأن له نافلة، فلا بد أن يكون سمعه الحق، و بصره الحق، و كلامه الحق، و لم يشهد بها لأحد على التعيين، فعلامة من لم تستغرق فرائضه نوافله و فضلت له نوافل أن يحبه اللّه تعالى هذه المحبة الخاصة، و جعل علامتها أن يكون الحق سمعهم و بصرهم، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم‏ عن ربه: [لا زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به‏]- الحديث- «عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً» و عسى من اللّه واجبة، و المقام المحمود هو الذي له عواقب الثناء و المقامات كلها، أي إليه يرجع كل ثناء، و إليه تنظر جميع الأسماء الإلهية المختصة بالمقامات،

و هو لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و يظهر ذلك لعموم الخلق يوم القيامة، و بهذا صحت له السيادة على جميع الخلق يوم العرض، فلا يجمع المحامد يوم القيامة كلها إلا محمد صلّى اللّه عليه و سلم، و هو الذي عبر عنه بالمقام المحمود، فإنه لما كان إليه ترجع المقامات كلها- و هو الجامع لها- لم يصح أن يكون صاحبه إلا من أوتي جوامع الكلم، لأن المحامد من صفة الكلام، فإنه موقف خاص بمحمد صلّى اللّه عليه و سلم يحمد اللّه فيها بمحامد لا يعرفها إلا إذا دخل ذلك المقام، فمحمد صلّى اللّه عليه و سلم بيده لواء الحمد، و لآدم عليه السلام علم الأسماء، و لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم علم الثناء بالمقام المحمود، فأعطي في القيامة لأجل المقام المحمود العمل بالعلم، و لم يعط لغيره في ذلك الموطن، فصحت له السيادة، فقال:

[آدم فمن دونه تحت لوائي‏] و ما له لواء إلا الحمد، و هو رجوع عواقب الثناء إلى اللّه، و هو قوله الحمد للّه لا لغيره، و هذا يدلك أن علوم الأنبياء أذواق لا عن فكر و نظر، فإن الموطن يقتضي هنالك بآثاره أسماء إلهية يحمد اللّه بها، ما يقتضيه موطن الدنيا، و لهذا قال صلّى اللّه عليه و سلم في هذا المقام [فأحمده بمحامد لا أعلمها الآن‏] و هذا المقام المحمود هو المقام المثنى عليه، الذي أثنى الحق عليه، الذي يقيم الحق فيه سبحانه محمدا صلّى اللّه عليه و سلم، هو الوسيلة، لأن منه يتوسل إلى اللّه فيما توجه فيه من فتح باب الشفاعة، و هو شفاعته للجميع، فهو مقام شفاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في الشافعين أن يشفعوا يوم القيامة، فمن المقام المحمود يفتح باب الشفاعة للملائكة فمن دونهم، و له الأولية في الشفاعة، و أول شفاعة يشفعها عند اللّه تعالى في حق من له أهلية الشفاعة من ملك و رسول و نبي و ولي و مؤمن و حيوان و نبات و جماد، فيشفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عند ربه لهؤلاء أن يشفعوا، و أن يخرج الحق من النار أو يدخل الجنة من لم يعمل خيرا قط، حتى لا يبقى في النار إلا أهلها الذين هم أهلها، فيجيبه اللّه لما سأل فيه، فكان محمودا بكل لسان و بكل كلام، فله أول الشفاعة و وسطها و آخرها، فإنه إذا قام الناس، و مدّت الأرض، و انشقت السماء و انكدرت النجوم، و كورت الشمس و خسف القمر، و حشرت الوحوش و سجرت البحار، و زوجت النفوس‏ بأبدانها، و نزلت الملائكة على أرجائها- أعني أرجاء السموات- و أتى ربنا في ظلل من الغمام، و نادى المنادي: يا أهل السعادة، فأخذ منهم ثلاث طوائف إلى الجنة، و هم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا و طمعا و مما رزقناهم ينفقون،

و الذين كانوا لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب و الأبصار ليجزيهم اللّه أحسن ما عملوا و يزيدهم من فضله، و الطائفة الثالثة هم الذين صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه ليجزي الصادقين بصدقهم، ثم يخرج عنق من النار فيقبض ثلاث طوائف إلى النار و هم: كل جبار عنيد، و الطائفة الثانية كل من آذى اللّه و رسوله، و الطائفة الثالثة أهل التصاوير الذين يصورون صورا في الكنائس لتعبد تلك الصور و الذين يصورون الأصنام، فإذا ماج الناس، و اشتد الحر و ألجم الناس العرق، و عظم الخطب و جل الأمر، و كان البهت فلا تسمع إلا همسا، و جي‏ء بجهنم، و طال الوقوف بالناس و لم يعلموا ما يريد الحق بهم،

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [فيقول الناس بعضهم لبعض تعالوا ننطلق إلى أبينا آدم فنسأله أن يسأل اللّه لنا أن يريحنا مما نحن فيه فقد طال وقوفنا، فيأتون آدم فيطلبون منه ذلك، فيقول آدم: إن اللّه قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، و لن يغضب بعده مثله، و ذكر خطيئته فيستحي من ربه أن يسأله، فيأتون إلى نوح بمثل ذلك فيقول لهم مثل ما قال آدم، و يذكر دعوته على قومه قوله‏ (وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً) ثم يأتون إلى إبراهيم عليه السلام بمثل ذلك، فيقولون له مثل مقالتهم لمن تقدم، فيقول كما قال من تقدم، و يذكر كذباته الثلاث، ثم يأتون إلى موسى و عيسى و يقولون لكل واحد من الرسل مثل ما قالوه لآدم، فيجيبونهم مثل جواب آدم،

فيأتون إلى محمد صلّى اللّه عليه و سلم و هو سيد الناس يوم القيامة، فيقولون له مثل ما قالوا للأنبياء، فيقول محمد صلّى اللّه عليه و سلم: أنا لها، و هو المقام المحمود الذي وعد اللّه به يوم القيامة، فيأتي و يسجد و يحمد اللّه بمحامد يلهمه اللّه تعالى إياها في ذلك الوقت لم يكن يعلمها قبل ذلك، ثم يشفع إلى ربه أن يفتح باب الشفاعة للخلق، فيفتح اللّه ذلك الباب، فيأذن في الشفاعة للملائكة و الرسل و الأنبياء و المؤمنين، فبهذا يكون سيد الناس يوم القيامة، فإنه شفع عند اللّه أن تشفع الملائكة و الرسل، و مع هذا تأدب صلّى اللّه عليه و سلم و قال: [أنا سيد الناس‏] و لم يقل سيد الخلائق فتدخل الملائكة في ذلك مع ظهور سلطانه في ذلك اليوم على الجميع، و ذلك أنه صلّى اللّه عليه و سلم جمع له بين مقامات الأنبياء عليهم السلام كلهم،و لم يكن ظهر له على الملائكة ما ظهر لآدم عليه السلام من اختصاصه بعلم الأسماء كلها، فإذا كان في ذلك اليوم افتقر إليه الجميع من الملائكة و الناس من آدم فمن دونه في فتح باب الشفاعة، و إظهار ما له من الجاه عند اللّه،

إذ كان القهر الإلهي و الجبروت الأعظم قد أخرس الجميع، و كان هذا المقام مثل مقام آدم عليه السلام و أعظم، في يوم اشتدت الحاجة فيه، مع ما ذكر من الغضب الإلهي الذي تجلى فيه الحق في ذلك اليوم، و لم تظهر مثل هذه الصفة فيما جرى في قصة آدم، فدل بالمجموع على عظيم قدره صلّى اللّه عليه و سلم حيث أقدم مع هذه الصفة الغضبية الإلهية على مناجاة الحق فيما سأل فيه، فأجابه الحق، كما جاء في حديث عثمان بن عفان في الصحيح لمسلم بن الحجاج، و قد أقيم آدم عليه السلام في هذا المقام لما سجدت له الملائكة في الدنيا، و هو لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم في الآخرة، و إنما ظهر به أولا أبو البشر لكونه كان يتضمن جسده بشرية محمد صلّى اللّه عليه و سلم، فكانت العاقبة لمحمد صلّى اللّه عليه و سلم في الدار الآخرة، فظهر في المقام المحمود، و منه يفتح باب الشفاعات، فكان لآدم السجود، و لمحمد المقام المحمود، بمحضر الشهود، و أين المقام المحمود من مقام السجود؟ سجد المقربون و الأبرار، لبناء قائم من التراب و الأحجار، فالمجد الطريف و التليد، فيمن اختص بالمقام الحميد.

 

[سورة الإسراء (17): آية 80]

وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (80)

أمر الحق نبيه صلّى اللّه عليه و سلم بأن يدعوه بهذا الدعاء المعيّن، و هو قوله له‏ «وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ» يعني المقام المحمود، فإنه موقف خاص بمحمد صلّى اللّه عليه و سلم، «وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ» أي إذا انتقل عنه إلى غيره من المقامات و المواقف أن تكون العناية به معه في خروجه منه كما كانت معه في دخوله إليه- نصيحة- الزم الصدق و الإخلاص، فبالصدق تعتصم و لا يؤثر فيك شي‏ء، و بالإخلاص تصح عبوديتك و ربوبيته. «وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً» من أجل المنازعين فيه، فإن المقام الشريف لا يزال صاحبه محسودا، فطلب صاحب هذا المقام النصرة بالحجة- التي هي السلطان- على الجاحدين شرف هذه المرتبة، و هم القادحون في هذا المقام تعظيما لحالهم التي هم عليها حتى لا ينسب النقص إليهم، عن هذا المقام الشريف فأمره تعالى.

[سورة الإسراء (17): آية 81]

وَ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (81)

«إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً» أي لا ثبات له، و ما كان القرآن معجزا إلا لكونه إخبارا عن حق، فإن المعارض للقرآن أول ما يكذب فيه أنه يجعله من اللّه و ليس من اللّه، فيقول على اللّه ما لا يعلم، فلا يثمر و لا يثبت، فلا بد أن يعجز المعارض عن الإتيان بمثله.

[سورة الإسراء (17): آية 82]

وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً (82)

[ «وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ»]

«وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ» لأن التخلق به و الوقوف عنده يزيل المرض النفسي، لا بد من ذلك، و لكن للمؤمنين فهو أمان، و منه شفاء كفاتحة الكتاب و آيات الأدعية كلها، و كونه رحمة لما فيه مما أوجب اللّه على نفسه من الوعد لعباده بالخير و البشرى، مثل قوله‏ (لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) و قوله‏ (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى‏ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) و كل آية رجاء «وَ لا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً» لأنهم يعدلون به عن موطنه و يحرفون الكلم عن مواضعه، فيعممون الخاص و يخصصون العام، فسموا ظالمين قاسطين.

[سورة الإسراء (17): الآيات 83 الى 84]

وَ إِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَ نَأى‏ بِجانِبِهِ وَ إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً (83) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى‏ سَبِيلاً (84)

الشكل القيد و به سمي ما تقيد به الدابة في رجلها شكالا، و المتشكل هو المقيد بالشكل الذي ظهر به، يقول اللّه. «كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ» أي ما يعمل إلا ما يشاكله، يعني الذي ظهر منه يدل على أنه في نفسه عليه، و العالم عمل الحق، فخلق اللّه العالم فظهر بصفات الحق، فكان العالم حيا سميعا بصيرا عالما مريدا قادرا متكلما، فما في العالم إلا من يسمع الأمر الإلهي في حال عدمه بقوله (كن) و ما في العالم إلا حي، فإن كل شي‏ء مسبح بحمد اللّه و لا يسبح إلا حي، و ما في العالم جزء إلا و هو يشاهد خالقه من حيث عينه لا من حيث عين خالقه، و ما في العالم جزء إلا و هو يريد و يقصد تعظيم موجده، و ما في الوجود جزء إلا و هو متمكن قادر على الثناء على موجده، و ما في العالم جزء إلا و هو يعلم موجده من حيث ذاته لا من حيث ذات موجده، و ما في الوجود جزء إلا و هو متكلم يسبح بحمد خالقه، و أعلمنا سبحانه أن من أسمائه تعالى الكريم، و من نزوله إلينا في كرمه يقول:

يا عبدي إن شردت عني دعوتك إليّ، يا عبدي إن عصيتني سترت عليك، سترتك عن أعين من وليته إقامة حدودي فيك و في أمثالك فلم أؤاخذك، و تحببت إليك بالنعم، و جررت على خطيئتك ذيل الكرم، فمحا آثارها كرمي، و دعوتك إليّ بالقدوم على نعمي فإذا رجعت إليّ قبلتك على ما كان منك، و من يفعل معك ذلك مع غناه عنك و فقرك إليه غيري؟فهذا من معاملة الحق لنا على شاكلته من اسمه الكريم.

[سورة الإسراء (17): آية 85]

وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (85)

[ «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ …» الآية]

الروح روحان: روح الأمر و هو الذي قال فيه تعالى: (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا) و قال: (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) و قال: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى‏ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) فذكر الإنذار، و هكذا قوله‏ (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ) و كذلك‏ (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا) فما جاء إلا بالإعلام و فيه ضرب من الزجر، حيث ساق الإعلام بلفظة الإنذار، فهو إعلام بزجر، فإنه البشير النذير، و البشارة لا تكون إلا عن إعلام، فغلب في الإنزال الروحاني باب الزجر و الخوف، و أما الروح الثاني فهو الروح المضاف إلى نفس الحق تعالى بقوله: (وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي)* بياء الإضافة تنبيه على مقام التشريف، فكان السؤال عن الروح الأول، روح الأمر، فإنه قال: «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ» أي من أين ظهر؟

فقيل له‏ «قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» فما كان سؤالا عن الماهية كما زعم بعضهم، فإنهم ما قالوا ما الروح؟ و إن كان السؤال بهذه الصيغة محتملا، و لكن قوّى الوجه الذي ذهبنا إليه في السؤال ما جاء في الجواب من قول‏ «مِنْ أَمْرِ رَبِّي» و لم يقل هو كذا، فعلوم الغيب تنزل بها الأرواح على قلوب العباد، فإن الروح هو الملقي إلى القلب علم الغيب، قال تعالى: (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ) الآية «وَ ما أُوتِيتُمْ» أي أعطيتم‏ «مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» فجعله هبة و هو علم الوهب لا علم الكسب، فإنه لو أراد الكسب لم‏ يقل أوتيتم، بل كان يقول أوتيتم الطريق إلى تحصيله، لا هو، و نحن نعلم أن ثمّ علما اكتسبناه من أفكارنا و من حواسنا، و ثمّ علما لم نكتسبه بشي‏ء من عندنا بل هبة من اللّه عزّ و جل، أنزله في قلوبنا و على أسرارنا فوجدناه من غير سبب آخر ظاهر، مثل قوله في عبده خضر (وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) و ليست الآية بنص في الوهب، و لكن له وجهان: وجه يطلبه‏ «أُوتِيتُمْ» و وجه يطلبه‏ «قَلِيلًا» من الاستقلال، أي ما أعطيتم من العلم إلا ما تستقلون بحمله، و ما لا تطيقونه ما أعطيناكموه فإنكم ما تستقلون به، فيدخل في هذا العطاء علوم النظر، فإنها علوم تستقل العقول بإدراكها. و أما إذا كان السؤال عن الماهية فيكون قوله تعالى‏ «قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» أي الروح الذي هو من أمر ربي هو الذي لم يوجد عن خلق، فإن عالم الأمر كل موجود لا يكون عند سبب كوني يتقدمه، فقد قال البعض:

إن الروح من عالم الأمر و ليس من عالم الخلق اصطلاحا، و من هنا للتبيين، و أرادوا بعالم الأمر كل ما صدر عن اللّه بلا واسطة إلا بمشافهة الأمر العزيز، و عالم الخلق كل موجود صدر عن سبب متقدم من غير مشافهة الأمر، التي هي الكلمة التي لا يتصور واسطة في حقه البتة، و أما من دونه فلا بد من واسطة. و لما أوجد اللّه تعالى الكلمة المعبر عنها بالروح الكلي إيجاد إبداع، أوجدها في مقام الجهل و محل السلب، أي أعماه عن رؤية نفسه فبقي لا يعرف من أين صدر و لا كيف صدر، و كان الغذاء فيه، الذي هو سبب حياته و بقائه و هو لا يعلم، فحرك اللّه همته لطلب ما عنده و هو لا يدري أنه عنده، فأخذ في الرحلة بهمته، فأشهده الحق تعالى ذاته فسكن، و عرف أن الذي طلب لم يزل به موصوفا،

و علم ما أودع اللّه فيه من الأسرار و الحكم، و تحقق عنده حدوثه و عرف ذاته معرفة إحاطية، فكانت تلك المعرفة له غذاء معينا يتقوت به و تدوم حياته إلى غير نهاية، فقال له عند ذلك التجلي الأقدس: ما اسمي عندك؟ فقال: أنت ربي، فلم يعرفه إلا في حضرة الربوبية، و تفرد القديم بالألوهية فإنه لا يعرفه إلا هو، فقال له سبحانه: أنت مربوبي و أنا ربك، أعطيتك أسمائي و صفاتي، فمن رآك رآني، و من أطاعك أطاعني، و من علمك علمني، و من جهلك جهلني، فغاية من دونك أن يتوصلوا إلى معرفة نفوسهم منك، و غاية معرفتهم بك العلم بوجودك لا بكيفيتك، كذلك أنت معي لا تتعدى معرفة نفسك و لا ترى غيرك، و لا يحصل لك العلم بي إلا من حيث الوجود، و لو أحطت علما بي لكنت أنت أنا، و لكنت‏ محاطا لك، و كانت أنيتي أنيتك، و ليست أنيتك أنيتي. فأمدك بالأسرار الإلهية و أربيك بها فتجدها مجعولة فيك فتعرفها و قد حجبتك عن معرفة كيفية إمدادي لك بها، إذ لا طاقة لك بحمل مشاهدتها، إذ لو عرفتها لا تحدث الإنية، و اتحاد الإنية محال، فمشاهدتك لذلك محال، و اعلم أن من دونك في حكم التبعية لك كما أنت في حكم التبعية لي، فأنت ثوبي و أنت ردائي و أنت غطائي. ثم خلق اللّه من الروح النفس و هي أول مفعول عن الانبعاث- بحث- في قوله تعالى‏ «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي»

[مراتب الأرواح و أقسامها]

اعلم أن اللّه خلق الأرواح على ثلاث مراتب لا رابع لها: أرواح ليس لهم شغل إلا تعظيم جناب الحق، ليس لهم وجه مصروف إلى العالم و لا إلى نفوسهم، قد هيمهم جلال اللّه و اختطفهم عنهم، فهم فيه حيارى سكارى، و أرواح مدبرة أجساما طبيعية أرضية، و هي أرواح الأناسي و أرواح الحيوانات و أرواح كل شي‏ء، فإن كل شي‏ء مسبح بحمد ربه و لا يسبح إلا حي، و أرواح مسخرات لنا و هم على طبقات كثيرة، فمنهم الموكل بالوحي و الإلقاء، و منهم الموكل بالأرزاق، و منهم الموكل بقبض الأرواح، و منهم الموكل بإحياء الموتى، و منهم الموكل بالاستغفار للمؤمنين و الدعاء لهم، و منهم الموكلون بالغراسات في الجنة جزاء لأعمال العباد، و الأرواح حياتها ذاتية لها، لذلك لم يصح فيها موت البتة.

و اعلم أن الأرواح المدبرة للأجسام العلوية و السفلية لها أحكام فيها، فحكمها في الأجسام النورية هو تشكلها في الصور خاصة، كما أن حكمها في الأجسام الحيوانية الإنسانية التشكل في القوة الخيالية مع غير هذا من الأحكام، فإن الأجسام النورية لا خيال لها بل هي عين الخيال، و الصور تقلباتها عن أرواحها المدبرة لها، فكما لا يخلو خيال الإنسان عن صورة كذلك ذات الملك لا تخلو عن صورة، و بيد هذه الأرواح تعيين الأمور التي يريدها الحق، بهذه الأجسام كلها. و اعلم أن الناس قد اختلفوا في أرواح صور العالم، هل هي موجودة عن صورة أو قبلها أو معها؟ و منزلة الأرواح في صور العالم كمنزلة أرواح صور أعضاء الإنسان الصغير، كالقدرة روح اليد، و السمع روح الأذن، و البصر روح العين، و التحقيق عندنا أن الأرواح المدبرة للصور كانت موجودة في حضرة الإجمال غير مفصلة لأعيانها، مفصلة عند اللّه في علمه، فكانت في حضرة الإجمال كالحروف الموجودة بالقوة في المداد، فلم تتميز لأنفسها و إن كانت متميزة عند اللّه مفصلة في حال إجمالها، فلما سوى اللّه صور العالم، أي عالم شاء، كان الروح‏ الكلي كالقلم و اليمين الكاتبة، و الأرواح كالمداد في القلم، و الصور كمنازل الحروف في اللوح، فنفخ الروح في صور العالم، فظهرت الأرواح متميزة بصورها، فقيل هذا زيد، و هذا عمرو، و هذا فرس، و هذا فيل، و هذه حية، و كل ذي روح، و ما ثمّ إلا ذو روح لكنه مدرك و غير مدرك، فمن الناس من قال: إن الأرواح في أصل وجودها متولدة من مزاج الصورة، و من الناس من منع من ذلك، و الطريقة الوسطى ما ذهبنا إليه، فإذا سوى اللّه الصورة الجسمية، ففي أي صورة شاء من الصور الروحية ركبها، فتنسب إليها، و هي معينة عند اللّه، فامتازت الأرواح بصورها، فإن اللّه لمّا سوى جسم العالم، و هو الجسم الكل الصوري في جوهر الهباء المعقول، قبل فيض الروح الإلهي الذي لم يزل منتشرا غير معيّن، إذ لم يكن ثم من يعينه، فحيي جسم العالم به فكما تضمن جسم العالم أجسام شخصياته، كذلك تضمن روحه أرواح شخصياته‏ (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ) و من هنا قال من قال: إن الروح واحد العين في أشخاص نوع الإنسان، و إن روح زيد هو روح عمرو و سائر أشخاص هذا النوع، و لكن ما حقق صاحب هذا الأمر صورة هذا الأمر فيه، فإنه كما لم تكن صورة جسم آدم جسم كل شخص من ذريته، و إن كان هو الأصل الذي منه ظهرنا و تولدنا، كذلك الروح المدبرة لجسم العالم بأسره، كما أنك لو قدرت الأرض مستوية لا ترى فيها عوجا و لا أمتا، و انتشرت الشمس عليها أشرقت بنورها، و لم يتميز النور بعضه عن بعضه، و لا حكم عليه بالتجزي و لا بالقسمة، فلما ظهرت البلاد و الديار على الأرض، و بدت ظلالات هذه الأشخاص القائمة، انقسم النور الشمسي و تميز بعضه عن بعضه، لما طرأ من هذه الصور في الأرض، فإذا اعتبرت هذا علمت أن النور الذي يخص هذا المنزل ليس النور الذي يخص المنزل الآخر و لا المنازل الأخر، و إذا اعتبرت التي ظهر منها هذا النور و هو عينها من حيث انفهاقه عنها،

قلت: الأرواح روح واحدة، و إنما اختلفت بالمحال الشمس، كالأنوار نور عين واحدة غير أن حكم الاختلاف في القوابل مختلف لاختلاف أمزجتها و صور أشكالها، و يمكن أن يشبه بالماء في النهر لا يتميز فيه صورة، بل هو عين الماء لا غير، فإذا حصل ما حصل منه في الأواني تعين عند ذلك ماء الجب من ماء الجرة من ماء الكوز، و ظهر فيه شكل إنائه و لون إنائه، فحكمت عليه الأواني بالتجزي و الأشكال، مع علمك أن عين ما لم يظهر فيه شكل إذا كان في النهر، عين ما ظهر إذا لم يكن فيه، غير أن الفرقان بين الصورتين في ضرب المثل، أن ماء الأواني و أنوار المنازل إذا فقدت رجعت إلى النور الأصلي و النهر الأصلي، و كذلك هو في نفس الأمر لو لم تبق آنية و لا يبقى منزل، لأنه لما أراد اللّه بقاء هذه الأنوار على ما قبلته من التمييز، خلق لها أجسادا برزخية تميزت فيها هذه الأرواح عند انتقالها عن هذه الأجسام الدنياوية، في النوم و بعد الموت، و خلق لها في الآخرة أجساما طبيعية كما جعل لها في الدنيا ذلك، غير أن المزاج مختلف، فنقلها عن جسد البرزخ إلى أجسام نشأة الآخرة، فتميزت أيضا بحكم صور أجسامها، ثم لا تزال كذلك أبد الآبدين، فلا ترجع إلى الحال الأول من الوحدة العينية أبدا. فإذا فارقت الأرواح المواد، فطائفة تقول: إن الأرواح تتجرد عن المواد تجردا كليا و تعود إلى أصلها كما تعود شعاعات الشمس المتولدة عن الجسم الصقيل إذا صدئ إلى الشمس، و اختلفوا هنا على طريقين: فطائفة قالت: لا تمتاز بعد المفارقة لأنفسها كما لا يمتاز ماء الأوعية التي على شاطئ النهر إذا تكسرت فرجع ماؤها إلى النهر، فالأجسام تلك الأوعية و الماء الذي ملئت به من ذلك النهر كالأرواح من الروح الكل.

و قالت طائفة بل تكتسب بمجاورتها الجسم هيئات رديئة و حسنة، فتمتاز بتلك الهيئات إذا فارقت الأجسام، كما أن ذلك الماء إذا كان في الأوعية أمور تغيره عن حالته إما في لونه أو رائحته أو طعمه، فإذا فارق الأوعية صحبه في ذاته ما اكتسبه من الرائحة أو الطعم أو اللون، و حفظ اللّه عليها تلك الهيئات المكتسبة، و وافقوا في ذلك بعض الحكماء.

و طائفة قالت:الأرواح المدبرة لا تزال مدبرة في عالم الدنيا، فإذا انتقلت إلى البرزخ دبرت أجسادا برزخية، و هي الصورة التي يرى الإنسان نفسه فيها في النوم، و كذلك هو الموت و هو المعبر عنه بالصور، ثم تبعث يوم القيامة في الأجسام الطبيعية كما كانت في الدنيا «وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا»– بحث في العلم- اعلم أن العلم بالأشياء واحد، و الكثرة في المعلوم لا في ذاته، فإن الأشعري يرى و يزعم أنه متعدد في ذاته و صفاته، و الحقيقة أبت ما قاله، فإن العلم لو تعدد أدى أن يدخل في الوجود ما لا يتناهى و هو محال، فإن المعلومات لا نهاية لها فلو كان لكل معلوم علم لزم ما قلناه، و معلوم أن اللّه يعلم ما لا يتناهى، و علمه واحد، فلا بد أن يكون للعلم عين واحدة، لأنه لا يتعلق بالمعلوم حتى يكون موجودا، فإن العلم نسبة لا تتصف بالوجود و لا بالعدم كالأحوال، و ما وصف اللّه العلم بالقلة إلا العلم الذي‏ أعطى اللّه عباده، و هو قوله‏ «وَ ما أُوتِيتُمْ» أي أعطيتم، و قال في حق عبده خضر (وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) و قال‏ (عَلَّمَ الْقُرْآنَ) فهذا كله يدلك على أنه نسبة، لأن الواحد في ذاته لا يتصف بالقلة، و لا بالكثرة لأنه لا يتعدد، فإن كان العلم نسبة فإطلاق القلة و الكثرة عليه إطلاق حقيقي، فإن النسب لا تتناهى لأن المعلومات لا تتناهى، فيمكن على هذا أن يكون لكل معلوم علم، و إن كان غير ذلك فإطلاق القلة و الكثرة عليه إطلاق مجازي، و كلام العرب مبني على الحقيقة و المجاز عند الناس، و إن كنا خالفناهم في هذه المسألة بالنظر إلى القرآن، فإنا ننفي أن يكون في القرآن مجاز بل في كلام العرب- رقيقة- كان الشيخ أبو مدين يقول إذا سمع من يتلو هذه الآية «وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» القليل أعطيناه ما هو لنا بل هو معار عندنا وهبناه عناية منه و الكثير منه لم نصل إليه، فنحن الجاهلون على الدوام فليس لنا شي‏ء ندعيه.

 

[سورة الإسراء (17): الآيات 86 الى 88]

وَ لَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً (86) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً (87) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى‏ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88)

[إعجاز القرآن‏]

ما منع المعارض إلا من العربي لا من الأعجمي، فاختص الإعجاز بالقرآن، و إن كانت الكتب المنزلة كلام الرحمن، لكن البيان و الشرف و الامتنان، و المجد العظيم الشان، إنما ظهر في اللسان عند البيان، فهذا القرآن هو معجزة الرسول، رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و قد ثبت أنه معجزته بطلب معارضته و العجز عن ذلك، ثم قطع أن المعارضة لا تكون أبدا بهذه الآية الإخبارية «لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً» فليس في مقدور البشر أن يأتوا بمثل هذا القرآن‏ «وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً» أي معينا من الجن و الإنس، و ذلك لأنه القول المعجز و هو قول الحق و الصدق، و لأنه أتى من خزائن الحجة- محمد خير مبعوث من الرسل-

أتى بإعجاز قول لا خفاء به‏ أعجازه انعطفت منه على الأول‏
حوى على كل لفظ معجز و لذا حوى على كل علم جاء من مثل‏
أتى به الناطق المعصوم معجزة إلى الذي كان في الدنيا من الملل‏
فما يعارضه جن و لا بشر بسورة مثله في غابر الدول‏
و لو يعارضه ما كان معجزة فليس إعجازه يجري إلى أجل‏
رأيت ربي في نومي فقلت له‏ ما صورة الصرف في القرآن حين تلي؟
فقال لي اصدق فإن الصدق معجزة و لا تزوّر أمورا إن أردت تلي‏
لكن كلامك إن تفعله معجزة فقلت يا رب غفرا ليس ذلك لي‏
هذا دليل بأن القول قولكمو لا قوله و هو عندي أوضح السبل‏
أتى به روحه من فوق أرقعة سبع إلى قلبه و القلب في شغل‏
أتى على سبعة من أحرف نزلت‏ ميسر الذكر يتلوه على عجل‏
إذا تكرر فيه قصة ذكرت‏ تكون أقوى على الإعجاز بالبدل‏
و الكل حق و لكن ليس يعرفه‏ إلا الذي بدليل العقل فيه بلي‏
هذا هو الحق لا تضرب له مثلا فإنه من صفات الحق في الأزل‏
لا يحجبنك ما تتلوه من سور بأحرف و أصوات على مهل‏
فكله قوله إن كنت ذا نظر فيه على حد إنصاف بلا ملل‏

[سورة الإسراء (17): الآيات 89 الى 93]

وَ لَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى‏ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (89) وَ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى‏ فِي السَّماءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً (93)

من رحمة اللّه بمحمد صلّى اللّه عليه و سلم حين قال له الكفار ذلك أن أعطاه المعراج و القرآن.

 

[سورة الإسراء (17): آية 94]

وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى‏ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً (94)

اعلم أن اللّه ما بعث الرسل سدى، و لو استقلت العقول بأمور سعادتها ما احتاجت إلى الرسل، و كان وجود الرسل عبثا، و لكن لما كان من استندنا إليه لا يشبهنا و لا نشبهه، و لو أشبهنا عينا ما كان استنادنا إليه بأولى من استناده إلينا، فعلمنا قطعا علما لا يدخله شبهة أنه ليس مثلنا و لا تجمعنا حقيقة واحدة، فبالضرورة يجهل الإنسان مآله و إلى أين ينتقل، و ما سبب سعادته إن سعد أو شقاوته إن شقي عند هذا الذي استند إليه، لأنه يجهل علم اللّه فيه، و لا يعرف ما يريد به، و لا لما ذا خلقه تعالى، فافتقر بالضرورة إلى التعريف الإلهي بذلك، فلو شاء تعالى عرّف كل شخص بأسباب سعادته و أبان له عن الطريق التي ينبغي له أن يسلك عليها، و لكن ما شاء إلا أن يبعث في كل أمة رسولا من جنسها لا من غيرها، قدّمه عليها و أمرها باتباعه و الدخول في طاعته، ابتلاء منه لها لإقامة الحجة عليها لما سبق في علمه فيها، ثم أيده بالبينة و الآية على صدقه في رسالته التي جاء بها، ليقوم له الحجة عليها، و إنما قلنا من جنسها لأنه كذا وقع الأمر،

قال تعالى: (وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا) أي لو كان الرسول للبشر ملكا لنزل في صورة رجل حتى لا يعرفوا أنه ملك، فإن الحسد على المرتبة إنما يقع بين الجنس، فقد علم الإنسان أن البهائم و جميع الحيوانات دونه في المرتبة، فلو تكلم حيوان و لو كان خنفساء و نطقت و قالت: أنا رسول من اللّه إليكم، احذروا من كذا و افعلوا كذا، لتوفرت الدواعي من العامة على اتباعها و التبرك بها و تعظيمها، و انقادت لها الملوك، و لم يطلبوها بآية على صدقها، و جعلوا نطقها نفس الآية على صدقها، و إن كان الأمر ليس كذلك، و إنما لما نال المرتبة غير الجنس لم يقم بهم حسد لغير الجنس، فأول ابتلاء ابتلى اللّه به خلقه بعث الرسل إليهم منهم لا من غيرهم، و مع الدلالات التي نصبها لهم على صدقهم و استيقنوها حملهم سلطان الحسد الغالب عليهم أن يجحدوا ما هم به عالمون موقنون، ظلما و علوا.

[سورة الإسراء (17): آية 95]

قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً (95)

يعني من جنسهم، فإن كل نذير من جنس من بعث إليه، و إنما جعل الرسول من الجنس لاستخراج عيب النفس، و أنزل بلسان قومه لرفع اللبس، فالرسول من جنس المرسل إليه، لذلك قال ملكا رسولا، و لم يقل رجلا، لأن المرسل إليهم ملائكة، فإن دعا أمر أن يكون من غير الجنس في الحقيقة، فلا بد و أن يظهر لهم في صورة الجنس في عالم تمثيل الرقيقة، مثل تمثل الروح لمريم بشرا سويا-

خليفة القوم من أبناء جنسهم‏ لأن ذلك أنكى في نفوسهم‏
لو لم يكن منهم لصدقوه و لم‏ يقم بهم حسد لغير جنسهم‏

[- إشارة- الفرق بين الخلافة و الرسالة، و معرفة النبوة و الولاية]

– إشارة- الفرق بين الخلافة و الرسالة، و معرفة النبوة و الولاية: الرسالة عرش الرب و سماء المربوب، و مقام الرسول بينهما، لأنه طالب مطلوب، فلو لم ينادى الرسول من مقامه الإلهي ما أجاب، و لو سقي من غير مشربه ما طاب، فإن قيل له في ذلك الخطاب:

بلغ ما أنزل إليك من ربك فذلك الرسول، و إن زيد عليه: و قاتلهم إن أبوا القبول، فذلك الخليفة الرسول، فله أن يصول، فقد مضى زمن النبوة المشهورة، و أنت في زمن النبوة المستورة، فلو نزلت عليك في عالم الكون و الفساد، لكفرك أهل النظر في الاعتقاد، فإنّ بغلبة الحال تقول: قلت و قال، و هنا قد ارتفع الإنكار، و زال الاضطرار، فالرسول وجّه إلى قومه، و النبي تعبد في نفسه إلى يومه، و الولي أيقظه الرسول من نومه، فالرسول هو الإمام، و الولي هو المأموم، و النبي إمام مأموم، محفوظ غير معصوم، و الرسول من هذا النمط هو المطلوب، و منه و إليه يكون الهرب المرغوب، فالمؤمن به صدقه و انصرف، و العالم قام له البرهان فأقر بصدقه و اعترف، و الجاهل نظر فيه و انحرف، و الشاك تحير فيه فتوقف و الظان تخيل و ما عرف، و الناظر تطلع و تشوف، و المقلد مع كل صنف تصرف، إن مشى متبوعه مشى، و إن وقف وقف، فهو معه حيثما كان إما في النجاة و إما في التلف‏ «كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ، فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ، فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ» فأسكنه تقليده دار البوار.

 

[سورة الإسراء (17): الآيات 96 الى 97]

قُلْ كَفى‏ بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (96) وَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى‏ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً (97)

«وَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ» فالكل بيده و إلى اللّه يرجع الأمر كله‏ «وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى‏ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً» هذه الآية تدل على أن النار محسوسة بلا شك، فإن النار ما تتصف بهذا الوصف إلا من كون قيامها بالأجسام، لأن حقيقة النار لا تقبل هذا الوصف من حيث ذاتها و لا الزيادة و لا النقص، و إنما هو الجسم المحرق بالنار و هو الذي يسجّر بالنارية، و إن حملنا هذه الآية على الوجه الآخر قلنا: قوله تعالى‏ «كُلَّما خَبَتْ» يعني النار المسلطة على أجسامهم، أي كلما سكن لهيبها «زِدْناهُمْ» يعني المعذبين‏ «سَعِيراً» بتبديل الجلود، فإنه لم يقل زدناها، و معنى ذلك أن العذاب ينقلب إلى بواطنهم و هو أشد العذاب، العذاب الحسي يشغلهم عن العذاب المعنوي، فإذا خبت النار في ظواهرهم و وجدوا الراحة من حيث أجسامهم، فإن من رحمة اللّه بأهل النار في أيام عذابهم خمود النار عنهم، سلّط اللّه عليهم في بواطنهم التفكر فيما كانوا فرطوا فيه من الأمور التي لو عملوا بها لنالوا السعادة، و تسلط عليهم الوهم بسلطانه، فيتوهمون عذابا أشد مما كانوا فيه، فيكون عذابهم بذلك التوهم في نفوسهم أشد من حلول العذاب بتسلط النار المحسوسة على أجسامهم.

[سورة الإسراء (17): الآيات 98 الى 105]

ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَ قالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَ رُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (98) أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ قادِرٌ عَلى‏ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَ جَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً (99) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَ كانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً (100) وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى‏ تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى‏ مَسْحُوراً (101) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ بَصائِرَ وَ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (102)

فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَ مَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (103) وَ قُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (104) وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً (105)

«وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ» لتحكم به بين الناس فيما اختلفوا فيه‏ «وَ بِالْحَقِّ» نزل لذاته، فالحق المنزل و الحق التنزيل و الحق المنزل‏ «وَ ما أَرْسَلْناكَ» خطاب لمن أنزل عليه تبيانا لكل شي‏ء «إِلَّا مُبَشِّراً» تبشر قوما برحمة منه و رضوان و جنات لهم فيها نعيم مقيم، و تبشر قوما بعذاب أليم‏ «وَ نَذِيراً» معلما بمن تبشره و بما تبشر.

[سورة الإسراء (17): آية 106]

وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى‏ مُكْثٍ وَ نَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً (106)

«وَ قُرْآناً» و كلاما جامعا لأمور شتى‏ «فَرَقْناهُ» أي فصلناه آيات بينات في سور منزلات‏ «لِتَقْرَأَهُ» أي تجمعه و تجمع عليه الناس، و هو قوله‏ «عَلَى النَّاسِ عَلى‏ مُكْثٍ» تؤدّه مرتلا «وَ نَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا» عما يجب له من التعظيم إلى مخاطبة من لا يعرف قدره‏ (وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)* فما نزل القرآن إلا للبيان، فمن تلا المحامد و لم يكن عين ما يتلوه منها فليس بتال، و كذلك من تلا المذام و كان عين ما يتلوه منها فليس بتال.

[سورة الإسراء (17): آية 107]

قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى‏ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (107)

«قُلْ» يا أيها النبي‏ «آمِنُوا بِهِ» صدقوا به‏ «أَوْ لا تُؤْمِنُوا» أو تردونه و لا تصدقون‏ به‏ «إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» أعطوا العلامات التي تعطي اليقين و الطمأنينة في الأشياء «مِنْ قَبْلِهِ» ممن تقدمه من أمثاله‏ «إِذا يُتْلى‏ عَلَيْهِمْ» تتبع آياته بعضها بعضا بالمناسبة التي بين الآية و الآية «يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً» يقعون على وجوههم مطأطئين أذلاء، و السجود التطأطؤ، يقال: أسجد البعير إذا طأطأه ليركبه.

[سورة الإسراء (17): آية 108]

وَ يَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً (108)

«وَ يَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا» أي وعده صدق و كلامه حق‏ «إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا» واقعا كما وعد، الوعد يستعمل في الخير و الشر، و الوعيد في الشر خاصة، فالوعد في الخير من اللّه لا بد منه، و الوعيد قد يعفو و يتجاوز عنه، فإنه من صفة الكريم عند العرب و مما تمدح به الأعراب ساداتها و كبراءها يقول شاعرهم:

و إني إذا أوعدته أو وعدته‏ لمخلف إيعادي و منجز موعدي‏

[سورة الإسراء (17): آية 109]

وَ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَ يَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (109)

«وَ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ» على ما فرط منهم مما لا يستدركونه و لو عفا «وَ يَزِيدُهُمْ خُشُوعاً» أي ذلة، فهذه السجدة سجدة العلماء، و هي سجود تسليم و بكاء و خشوع و زيادة في الخشوع.

[سورة الإسراء (17): آية 110]

قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (110)

[ «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ …»]

لما أنكروا الاسم الرحمن و قالوا (وَ مَا الرَّحْمنُ؟) قيل لهم‏ «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ» فما أنكر أحد اللّه و أنكر الرحمن، فقالوا: و ما الرحمن؟ فكان مشهد الألوهة أعم لإقرار الجميع بها، فإنها تتضمن البلاء و العافية، و هما موجودان في الكون، فما أنكرهما أحد، و مشهد الرحمانية لا يعرفه إلا المرحومون بالإيمان، و ما أنكره إلا المحرومون من حيث‏ لا يشعرون أنهم محرومون، لأن الرحمانية لا تتضمن سوى العافية و الخير المحض، فاللّه معروف بالحال و الرحمن منكور بالحال، فقيل لهم‏ «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ» من حيث المسمى، فإنه قال‏ «أَيًّا ما تَدْعُوا» من حيث دلالته على عين المسمى‏ «فَلَهُ» أي لذلك المسمى‏ «الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏» التي اللّه و الرحمن منها من حيث ما هي أسماء، فلم يفرق الحق في دعائه بين الاسم اللّه و الاسم الرحمن، بل جعل الاسمين من الألفاظ المترادفة، و إن كان في الرحمن رائحة الاشتقاق، و لكن المدلول واحد من حيث العين المسماة بهذين الاسمين، و المسمى هو المقصود في هذه الآية، و لذلك قال‏ «فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏» و من أسمائه الحسنى اللّه و الرحمن، إلى كل اسم سمى به نفسه مما نعلم و مما لا نعلم و مما لا يصح أن يعلم، لأنه استأثر بأسماء في علم غيبه، فالحكم للمدعو بالأسماء الإلهية لا للأسماء، فإنها و إن تفرقت معانيها و تميزت، فإن لها دلالة على ذات معينة في الجملة و في نفس الأمر، و إن لم تعلم و لا يدركها حدّ فإنه لا يقدح ذلك في إدراكنا و علمنا أن ثمّ ذاتا ينطلق عليها هذه الأسماء.

الحكم للمدعو بالأسماء ما الحكم للأسماء في الأشياء
لكن لها التحكيم في تصريفها فيه كمثل الحكم للأنواء
في الزهر و الأشجار في أمطارها وقتا و في الأشياء كالأنداء
لعبت بها الأرواح في تصريفها كتلاعب الأفعال بالأسماء

و قد وحّد بقوله‏ «فَلَهُ» لما أراد المسمى و لم يراع اختلاف الحقائق التي تدل عليها ألفاظ هذه الأسماء الحسنى، فإن الأسماء لو لم تختلف معانيها لكانت اسما واحدا كما هي واحد من حيث مسماها، فإن قلت الرحمن سميته بجميع الأسماء الحسنى، و إن قلت اللّه سميته بجميع الأسماء الحسنى، فجميع الأسماء دلائل على الاسم الرحمن و الاسم اللّه، فإنه لما كان اللّه جامعا لكل شي‏ء، و كان الرحمن جامعا لحقائق العالم و ما يكون فيه، و لهذا قيل: رحمن الدنيا و الآخرة، لهذا قيل لهم‏ «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏» فإن دعاءهم إنما هو تعلقهم به لمنافعهم على قدر معارفهم و هي عنه- اسمه الرحمن- و هذا الاسم الرحمن يتضمن جميع الأسماء الحسنى إلا اللّه، فإن له الأسماء الحسنى و الرحمن و ما يتضمنه الاسم اللّه، و إذا ناديت اللّه فإنما تنادي منه الرحمن خاصة، و تنادي من الرحمن الاسم‏ الذي تطلبه الحقيقة الداعية إلى الدعاء، فيقول الغريق: يا غياث، و الجائع: يا رزاق، و المذنب: يا غفار، يا غفور، و كذلك في جميع الأسماء، فافهم ما أشرنا به إليك، فإنه باب عظيم نافع- بحث في الأسماء الإلهية- الأسماء الإلهية و إن دلت على ذات واحدة، فإنها تتميز في أنفسها من طريقين: الواحد من اختلاف ألفاظها، و الثاني من اختلاف معانيها و إن تقاربت غاية القرب و تشابهت غاية الشبه، و أسماء المقابلة في غاية البعد، فلا بد من مراعاة حكم ما تدل عليه من المعاني، و بهذا يتميز العالم من الجاهل، و ما أتى الحق بها متعددة إلا لمراعاة ما تدل عليه من المعاني، قال تعالى‏ «وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏» و ليس سوى الحضرات الإلهية التي تطلبها و تعيّنها أحكام الممكنات، و الحضرة الإلهية و هي الاسم اللّه هي الحضرة الجامعة للحضرات كلها، لأنه لما كان في قوة الاسم اللّه بالوضع الأول كل اسم إلهي، بل كل اسم أثر في الكون يكون عن مسماه، ناب مناب كل اسم للّه تعالى، فإذا قال قائل:

يا اللّه، فانظر في حالة القائل التي بعثته على هذا النداء، و انظر أي اسم إلهي يختص بتلك الحال، فذلك الاسم الخاص هو الذي يناديه هذا الداعي بقوله: يا اللّه، لأن الاسم اللّه بالوضع الأول إنما مسماه ذات الحق عينها، التي بيدها ملكوت كل شي‏ء، فلهذا ناب الاسم الدال عليها على الخصوص مناب كل اسم إلهي، و يتضمن هذا الاسم أسماء التنزيه- و إن كان كل اسم إلهي بهذه المثابة من حيث دلالته على ذات الحق جل جلاله و عز في سلطانه- لكن لما كان ما عدا الاسم اللّه من الأسماء مع دلالته على ذات الحق يدل على معنى آخر من سلب أو إثبات بما فيه من الاشتقاق، لم يقو في أحدية الدلالة على الذات قوة هذا الاسم، كالرحمن و غيره من الأسماء الإلهية الحسنى، و إن كان قد ورد قوله تعالى آمرا نبيه صلّى اللّه عليه و سلم‏ «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏» فالضمير في «له» يعود على المدعو به تعالى، فإن المسمى الأصلي الزائد على الاشتقاق ليس إلا عينا واحدة، ثم إن اللّه تعالى قد عصم هذا الاسم العلم أن يسمى به أحد غير ذات الحق جل جلاله، و لهذا قال اللّه عزّ و جل في معرض الحجة على من نسب الألوهة إلى غير هذا المسمى‏ (قُلْ سَمُّوهُمْ) فبهت الذي قيل له ذلك، فإنه لو سماه سماه بغير الاسم اللّه، و أما ما فيه من الجمعية، فإن مدلولات الأسماء الزائدة على مفهوم الذات مختلفة كثيرة، و ما بأيدينا اسم مخلص علم للذات سوى هذا الاسم اللّه، فالاسم اللّه يدل على الذات بحكم المطابقة كالأسماء الأعلام على‏ مسمياتها، و ثمّ أسماء تدل على تنزيه و ثمّ أسماء تدل على إثبات أعيان صفات،- و إن لم تقبل ذات الحق قيام الأعداد- و هي الأسماء التي تعطي أعيان الصفات الثبوتية، كالعالم و القادر و المريد و السميع و البصير و الحي و المجيب و الشكور، و أمثال ذلك، و أسماء تعطي النعوت فلا يفهم منهم في الإطلاق إلا النسب و الإضافات، كالأول و الآخر و الظاهر و الباطن، و أمثال ذلك، و أسماء تعطي الأفعال، كالخالق و الرازق و البارئ و المصور، و أمثال ذلك من الأسماء، و انحصر الأمر، و جميع الأسماء الإلهية- بلغت ما بلغت- لا بد أن ترجع إلى واحد من هذه الأقسام أو إلى أكثر من واحد، مع ثبوت دلالة كلّ اسم منها على الذات لا بد من ذلك، فاجعل ذلك كله نسبا أو أسماء أو صفات، و الأولى أن تكون أسماء و لا بد، لأن الشرع الإلهي ما ورد في حق الحق بالصفات و لا بالنسب، و إنما ورد بالأسماء فقال‏ «وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏» و ليست سوى هذه النسب، و هل لها أعيان وجودية أم لا؟ ففيه خلاف بين أهل النظر، و أما عندنا فما فيها خلاف أنها نسب و أسماء على حقائق معقولة غير وجودية، فالذات غير متكثرة بها، لأن الشي‏ء لا يتكثر إلا بالأعيان الوجودية لا بالأحكام و الإضافات و النسب‏ «وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها» فإنه يعلم الجهر و ما يخفى، كما أنه يعلم السر و أخفى و أصفى‏ «وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا» فإنه أخفى من السر، أي أظهر، فإن الوسط الحائل بين الطرفين المعيّن للطرفين و المميز لهما هو أخفى منهما.

[سورة الإسراء (17): آية 111]

وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً (111)

أمرك الحق في هذه الآية أن تكبره تكبيرا عن الولد و الشريك و الولي، فإذا كبرت ربك فقيّده في ذلك بما قيده الحق، و لا تطلق فيفتك خير كثير و علم كبير، فتكبيرك للحق عن أن يتخذ ولدا، فإن الولد للوالد ليس بمتخذ، لأنه لا عمل له فيه على الحقيقة، و إنما وضع ماء في رحم صاحبته، و تولى إيجاد عين الولد سبب آخر، و المتخذ الولد إنما هو المتبني،

[ «وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً»]

فقال تعالى لنا «وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً» لأنه لو اتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء، فكان يتبنى ما شاء، فما فعل فعل من لم يتخذ ولدا، و قوله تعالى‏ (لَمْ يَلِدْ)ذلك ولد الصلب، فليس له تعالى ولد و لا تبنى أحدا، فنفى عنه الولد من الجهتين، لما ادعت طائفة من اليهود و النصارى أنهم أبناء اللّه، و أرادوا التبني، فإنهم عالمون بآبائهم، و قالوا في المسيح: إنه ابن اللّه، إذ لم يعرفوا له أبا و لا تكوّن عن أب‏ «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ» و قيد تعالى التكبير عن الشريك في الملك لا في الإيجاد، لأن اللّه تعالى أوجد الأشياء على ضربين: ضرب أوجده بوجود أسبابه، و ضرب أوجده بلا سبب، و هو إيجاد أعيان الأسباب الأول، و لما كان السبب من الملك لم يثبت الشريك في الملك، و لهذا قيد التكبير عن الشريك في الملك، و هو كل ما سوى اللّه، و قد ثبت شرعا و عقلا أن اللّه تعالى أحدي المرتبة،

فلا إله إلا هو وحده لا شريك له في الملك، فما هو مثل الشريك في الملك، فإن ذلك منفي على الإطلاق، لأنه في نفس الأمر منفي العين‏ «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ» أي ناصر من أجل الذل، فإن الولي موجود العين، و هو ينصر اللّه ابتغاء القربة إليه و التحبب، عسى يصطفيه و يدنيه، لا لذل ناله فينصره على من أذله، أو ينصره لضعفه تعالى، فأمرنا أن نكبره أن يكون له ولي من الذل، فقيد بقوله تعالى‏ «مِنَ الذُّلِّ» لأنه تعالى يقول‏ (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) فما نصرناه من ذل و هو سبحانه الناصر، و قد قال تعالى‏ (كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ) و الناصر هو الولي، فلهذا قيده، فإذا كبرته عن الولي فاعلم عن أي ولي تكبره‏ «وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً» عن هذين الوصفين، فإذا كبرت ربك فكبره كما كبر نفسه، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، و هم الذين يكبرونه عما لم يكبر نفسه، في قوله: يفرح بتوبة عبده، و يتبشش إلى من جاء إلى بيته، و يباهي ملائكته بأهل الموقف، و يقول: جعت فلم تطعمني، فأنزل نفسه منزلة عبده، فإن كبرته بأن تنزهه عن هذه المواطن فلم تكبره بتكبيره، بل أكذبته، فهؤلاء هم الظالمون على الحقيقة، فليس تكبيره إلا ما يكبر به نفسه، فقف عند حدّك و لا تحكم على ربك بعقلك- بحث في الحمد- قال اللّه تعالى آمرا «وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ» اعلم أن الحمد و المحامد هي عواقب الثناء، و لهذا يكون آخرا في الأمور، كما ورد أن آخر دعواهم أن الحمد للّه رب العالمين، و قوله صلّى اللّه عليه و سلم في الحمد:

إنها تملأ الميزان، أي هي آخر ما يجعل في الميزان، و ذلك لأن التحميد يأتي عقيب الأمور، ففي السراء يقول: [الحمد للّه المنعم المفضل‏] و في الضراء يقال: [الحمد للّه على كل حال‏] و الحمد هو الثناء على اللّه، و هو على قسمين، ثناء عليه بما هو له، كالثناء بالتسبيح‏ و التكبير و التهليل، و ثناء عليه بما يكون منه، و هو الشكر على ما أسبغ من الآلاء و النعم، و له العواقب فإن مرجع الحمد ليس إلا إلى اللّه، فإنه المثني على العبد و المثنى عليه، و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلم: [أنت كما أثنيت على نفسك‏] و هو الذي أثنى به العبد عليه، فرد الثناء له من كونه مثنيا اسم فاعل و من كونه مثنيا عليه اسم مفعول، فعاقبة الحمد في الأمرين له تعالى،

و تقسيم آخر: و هو أن الحمد يرد من اللّه مطلقا و مقيدا في اللفظ، و إن كان مقيدا بالحال فإنه لا يصح في الوجود الإطلاق فيه، لأنه لا بد من باعث على الحمد، و ذلك الباعث هو الذي قيده و إن لم يتقيد لفظا، كأمره في قوله تعالى‏ «وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ» فلم يقيد، و أما المقيد فلا بد أن يكون مقيدا بصفة فعل كقوله‏ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ) و كقوله‏ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى‏ عَبْدِهِ الْكِتابَ) و (الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ) و قد يكون مقيدا بصفة تنزيه كقوله‏ «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً» و اعلم أن الحمد لما كان يعطي المزيد للحامد، علمنا أن الحمد بكل وجه شكر، لأنه ثناء على اللّه، و لا نحمده تعالى إلا بما أعلمنا أن نحمده به، فحمده مبناه على التوقيف، و قد خالفنا في ذلك جماعة من علماء الرسوم، فإن التلفظ بالحمد على جهة القربة لا يصح إلا من جهة الشرع- مسألة- قوله تعالى‏ «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ» على هذه المسألة تبتني مسألة: العبد هل يملك أم لا يملك؟

فمن رأى شركة الأسباب التي لا يمكن وجود المسببات إلا بها لم يثبت الشريك في الملك، لأن السبب من الملك، و هو كالآلة، و الآلة يوجد بها ما هو ملك للموجد، كما هي الآلة ملك للموجد، و ما تملك الآلة شيئا، فنفى الشريك في الملك لا في الإيجاد، فيضاف التابوت إلى النجار من كونه صنعة لصانعه- و لم يصنع إلا بالآلة، ثم ثمّ إضافة أخرى، و هو إن كان النجار صنع في حق نفسه أضيف التابوت إليه لأنه ملكه، و إن كان الخشب لغيره فالتابوت من حيث صنعته يضاف إلى النجار و من حيث الملك يضاف للمالك لا إلى النجار، فالنجار آلة للمالك، و اللّه ما نفى إلا الشريك في الملك لا الشريك في الصنعة.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏2، ص: 588

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=