تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره عبس

تفسیر ابن عربى(تأویلات عبد الرزاق) سورة عبس

سورة عبس‏

[1- 6]

[سورة عبس (80): الآيات 1 الى 6]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

عَبَسَ وَ تَوَلَّى (1) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى‏ (2) وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى‏ (4)

أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى‏ (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6)

عَبَسَ وَ تَوَلَّى‏ كان صلى اللّه عليه و سلم في حجر تربية ربّه لكونه حبيبا فكلما ظهرت نفسه بصفة حجبت عنه نور الحق حتى تحرك بنفسه لا باللّه. عوتب و أدّب كما

قال: «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي»

، إلى أن تخلّق بأخلاقه تعالى. فإن التخلّق بأخلاقه كان بعد الوصول و الفناء و التحقق به حال البقاء و هو الاستقامة وقت التمكين و انتفاء التلوين، فلما نظر بظاهر الحال إلى الكبراء و عظم في عينه غنى الأغنياء و أعرض عن الفقير اعتناء بالقوم و تقوّى الإسلام بهم إن آمنوا، و احتقارا للفقير و إيمانه، نبّه بأن مثلك لا ينبغي أن ينظر إلى ظاهر الحال فيتشاغل عن المستعد الطالب الضعيف بالغني القويّ بل يجب أن يكون نظرك مقصورا على الاستعداد و قبول الإيمان فتعتبر ذلك دون غيره و لا تحتجب بالظاهر عن الباطن عسى أن يكون الفقير المتلهي عنه عاملا بالتزكية و التحلية بالغا حدّ الكمال، فيصير مهديا هاديا لغيره. و الغنيّ المتصدّي له لم يؤمن لعدم استعداده أو لاستكباره و عناده.

[7- 14]

[سورة عبس (80): الآيات 7 الى 14]

وَ ما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (7) وَ أَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى‏ (8) وَ هُوَ يَخْشى‏ (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (11)

فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14)

وَ ما عَلَيْكَ‏ بأس في امتناعه عن الإسلام‏ كَلَّا ردع له عن ذلك، و لهذا روي أنه ما تعبّس بعد نزول هذه الآية في وجه فقير قط، و لا تصدّى لغني‏ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ عند اللّه هي ألواح النفوس السماوية التي نزل القرآن إليها أولا من اللوح المحفوظ كما ذكر مَرْفُوعَةٍ القدر و المكان‏ مُطَهَّرَةٍ عن دنس الطبائع و تغبراتها.

[15- 32]

[سورة عبس (80): الآيات 15 الى 32]

بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرامٍ بَرَرَةٍ (16) قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19)

ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى‏ طَعامِهِ (24)

أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (27) وَ عِنَباً وَ قَضْباً (28) وَ زَيْتُوناً وَ نَخْلاً (29)

وَ حَدائِقَ غُلْباً (30) وَ فاكِهَةً وَ أَبًّا (31) مَتاعاً لَكُمْ وَ لِأَنْعامِكُمْ (32)

بِأَيْدِي سَفَرَةٍ أي: كتبة هي العقول المقدّسة المؤثرة في تلك الألواح‏ كِرامٍ‏ لشرفها و قربها من اللّه‏ بَرَرَةٍ أتقياء لتقدّسها عن المواد و نزاهة جوهرها عن التعلقات. ثم لما بين أن القرآن تذكرة للمتذكرين تعجب من كفران الإنسان و احتجابه حتى يحتاج إلى التذكير و عدم النعم الظاهرة التي يمكن بها الاستدلال على المنعم بالحس من مبادئ خلقته و أحواله في نفسه و ما هو خارج عنه مما لا يمكن حياته إلا به و قرر أنه مع اجتماع الدليلين أي النظر في هذه الأحوال الموجب لمعرفة الموجد المنعم و القيام بشكره و سماع الوعظ و التذكير بنزول القرآن‏ لَمَّا يَقْضِ‏ في الزمان المتطاول‏ ما أَمَرَهُ‏ اللّه به من شكر نعمته باستعمالها في إخراج كماله إلى الفعل و التوصل بها إلى المنعم، بل احتجب بها و بنفسه عنه.

[33- 41]

[سورة عبس (80): الآيات 33 الى 41]

فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ (35) وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)

وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (41)

فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ أي: النفخة الأولى المذهبة للعقل و الحواس‏ يَوْمَ‏ يهتم كل أحد بأمر نفسه لا يتفرّغ إلى غيره لشدة ما به و اشتغاله بما يظهر عليه من أحوال نفسه، انقسم الناس قسمين: السعداء المسفرة وجوههم المضيئة المتهللة بنورية ذواتهم و صفائها المستبشرة بما لقوا من هيئات أعمالهم و نعيم جنانهم، و الأشقياء المسودة وجوههم بسواد كفرهم و ظلمة ذواتهم المغبرة بغبار هيئات فجورهم و قتام آثار أعمالهم.

[42]

[سورة عبس (80): آية 42]

أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)

أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ أي: اجتماع كفرهم و فجورهم هو السبب في اجتماع السواد و الغبرة على وجوههم.

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج‏2، ص: 410

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=