تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره النمل

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة النمل

سورة النمل‏

[1- 2]

[سورة النمل (27): الآيات 1 الى 2]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَ كِتابٍ مُبِينٍ (1) هُدىً وَ بُشْرى‏ لِلْمُؤْمِنِينَ (2)

طس‏ أي: تِلْكَ‏ الصفات العظيمة المذكورة في طسم التي أصلها الطهارة من صفات النفس و سلامة الاستعداد في الأصل عن النقص هي‏ آياتُ الْقُرْآنِ‏ أي: العقل القرآني و هو الاستعداد الحمدي الجامع لجميع الكمالات باطنا فإذا ظهرت و برزت إلى الفعل في القيامة الكبرى كانت فرقانا، و قوله: هُدىً وَ بُشْرى‏ قائم مقام (م) في طسم لأن الهداية إلى الحق و البشارة بالوصول لا يكونان إلا بعد الكمال العلمي، إذ الهداية للغير التي هي التكميل ملزومة العلم الذي هو الكمال، فيحصل الاكتفاء بها عنه و هما حالان معمولان لتلك المشار بها إلى الصفات المذكورة في (طسم) كما ذكر، أي: هاديا و مبشّرا للمؤمنين، أي: الموقنين بعلم التوحيد.

 

 

 

[3- 5]

[سورة النمل (27): الآيات 3 الى 5]

الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَ هُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5)

الَّذِينَ يُقِيمُونَ‏ صلاة الحضور و المراقبة وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ عن صفات النفوس، أي:يزكون بالتجريد و المجاهدة وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ أي: مقام المشاهدة يُوقِنُونَ‏ يعني في حال المكاشفة يوقنون بالمعاينة و الرسول يهديهم إليها و يبشّرهم بجنة الذات و الفوز الأعظم‏ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ من المحجوبين بتزين نفوسهم بكمالاتها و هيئات أعمالها فَهُمْ يَعْمَهُونَ‏ يعمون بصائرهم عن إدراك صفات الحق و تجليات أنوارها و إلا لم يحجبوا بصفاتهم و أفعالهم بل فنوا عنها.

أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ‏ بنيران الحجاب و الحرمان عن لذات تجليات الصفات‏ وَ هُمْ فِي الْآخِرَةِ و مقام كشف الذات في القيامة الكبرى‏ هُمُ الْأَخْسَرُونَ‏ لتكاثف حجابهم بصفاتهم و ذواتهم فلا خلاق لهم من الجنتين و لذاتهما.

 

 

 

[6- 7]

[سورة النمل (27): الآيات 6 الى 7]

وَ إِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) إِذْ قالَ مُوسى‏ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7)

وَ إِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ‏ أي: العقل القرآني‏ مِنْ لَدُنْ‏ أي: من عين جمع الوحدة في الصفات الأول الذي لا حجاب بينه و بين الحضرة الأحدية بل هو نفسه الحجاب الأقدس المفيض لكل الاستعدادات من العقول الفرقانية على أربابها من الأعيان الثابتة الإنسانية حَكِيمٍ‏ ذي حكمة بالغة تامّة و علم محيط شامل.

اذكر من جملة علوم الحق و حكمه وقت قول موسى القلب‏ لِأَهْلِهِ‏ من النفس و الحواس الظاهرة و الباطنة امْكُثُوا* و اثبتوا و لا تشوّشوا وقتي بالحركات‏ إِنِّي آنَسْتُ* بعين البصيرة ناراً أي: نار و ما أعظمها هي نار العقل الفعال‏ سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أي: علم بالطريقة إلى اللّه، و كان حاله أنه ضلّ الطريقة إلى اللّه برعاية أغنام القوى البهيمية و زوجه النفس الحيوانية أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ‏ أي: بشعلة نورية تشرق عليكم حين اتصالي بالنار و تنوّري بها لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ‏ عن برد الركون إلى البدن و السكون إليه و هوى لذاته فتشتاقوا بحركة تلك النار إلى جناتي و تسيرون بمحبتي إلى مقام الصدر.

 

 

 

[8- 10]

[سورة النمل (27): الآيات 8 الى 10]

فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَ مَنْ حَوْلَها وَ سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (8) يا مُوسى‏ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى‏ لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)

فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ‏ أي: كثر خير مَنْ فِي النَّارِ أي: هو موسى القلب الواصل إلى النار بتجليّات الصفات الإلهية و وجدان الكمالات الحقيقية و مقام المكالمة عن النبوّة وَ مَنْ حَوْلَها من القوى الروحانية و الملائكة السماوية بأنوار المكاشفة و أسرار العلوم و الحكم و التأييدات القدسية و الأحوال السريّة و الذوقية وَ سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ و نزّه ذات اللّه بتجرّدك عن الصفات النفسانية و الغواشي الجسدانية و النقائص و المعائب.

أَنَا اللَّهُ‏ القوي الذي قهر نفسك و كل شي‏ء بالفناء فيه‏ الْحَكِيمُ‏ الذي علمك الحكمة و هداك بها إلى مقام المكالمة وَ أَلْقِ‏ عصا نفسك القدسية المؤتلفة بشعاع القدس، أي: خلفا عن الضبط بالرياضة و أرسلها و لا تمنعها عن الحركة فإنها تنوّرت‏ فَلَمَّا رَآها تضطرب و تتحرّك‏ كَأَنَّها حيّة غالبة بالظهور وَلَّى‏ إلى جناب الحق‏ مُدْبِراً خوف ظهور النفس‏ وَ لَمْ يُعَقِّبْ‏ أي: لم يرجع و بقي مشتغلا بتدارك البقية لا تَخَفْ‏ من استيلاء النفس و ظهور الحجاب، فإن النفس إذا حييت بعد موتها بالإرادة و فنائها بالرياضة إن استقلت بنفسها و استبدت بأمر كانت حجابا و ابتلاء، و إذا تحرّكت بأمري حيّة بنور الروح و المحبة الحقانية لا بهواها لم تكن حجابا إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ‏ الذين أرسلتهم بالبقاء بعد الفناء و أحييت نفوسهم بحياتي.

 

[11]

[سورة النمل (27): آية 11]

إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11)

إِلَّا مَنْ ظَلَمَ‏ بظهور النفس قبل وقت الاستقامة و استحكام مقام البقاء، فإنه ذنب حاله تجب عنه التوبة بالاستغفار و الخوف بالابتلاء ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بالخوف و التدارك بقمعها و الالتجاء إلى جناب الحق من شرّها بَعْدَ سُوءٍ أية صفة ظهرت بها من صفاتها فَإِنِّي غَفُورٌ أستر بنوري ظلمتها رَحِيمٌ‏ أرحم بعد الغفران بصفتي القائمة صفتها الظاهرة هي بها.

 

 

 

[12]

[سورة النمل (27): آية 12]

وَ أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى‏ فِرْعَوْنَ وَ قَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (12)

وَ أَدْخِلْ يَدَكَ‏ العاقلة العلمية فِي جَيْبِكَ‏ تحت لباس النفس متصلة بالقلب في إبطك الأيسر موضع الصدر تَخْرُجْ بَيْضاءَ نورانية ذات قدرة مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أي: التلوين و الظهور بصفة من صفاتها بل بالتنوّر بالنور فِي تِسْعِ آياتٍ‏ أي: اذهب بهاتين الآيتين بين النفس القدسية و العاقلة العلمية الحيّة إحداهما بحياة القلب، و المتنوّرة ثانيتهما بنوره، في جملة تسع آيات هما ثنتان منها و الباقية هي السبع المشار إليها في قول المتكلمين بالقدماء السبعة:

و هي الصفات الإلهية التي تجلى بها الحق تعالى على القلب فقامت مقام صفاته، و هي الحياة و القدرة و العلم و الإرادة و السمع و البصر و التكلم. إِلى‏ فِرْعَوْنَ‏ النفس الأمّارة بالسوء المحجوبة بالأنائية وَ قَوْمِهِ‏ من قواها كلما ظهرت بتفرعنها على أية صفة في أي مظهر ظهرت و أينما وجدت اذهب بهذه الصفات‏ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ‏ خارجين عن دين الحق و طاعته بدين الهوى، منكرين للتوحيد بظهورهم.

 

 

 

[13- 16]

[سورة النمل (27): الآيات 13 الى 16]

فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَ سُلَيْمانَ عِلْماً وَ قالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى‏ كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَ قالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16)

فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً منه نورانية تحيّروا فيها وَ جَحَدُوا بِها بظهورهم بصفاتها و مخالفتها ظُلْماً وَ عُلُوًّا و إن استيقنتها أنفسهم من طريق العلم و العقل لتفرعنها و تعوّدها بالاستعلاء و عدم ملكية العدل‏ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ‏ عاقبتهم من الغرق في يمّ القطران لإفسادهم في أرض البدن بالطغيان‏ وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ الروح‏ وَ سُلَيْمانَ‏ القلب‏ عِلْماً و اتّصفا بالصفات الربانية العامة و ذلك قولهما: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى‏ كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ‏.

وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ‏ القلب‏ داوُدَ الروح الملك بالسياسة و النبوّة بالهداية وَ قالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ‏ أي: نادى القوى البدنية وقت الرياسة عليها، و قال: عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ القوى الروحانية وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ من المدركات الكلية و الجزئية و الكمالات الكسبية و العطائية إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ‏ أي: الكمال الظاهر الراجح صاحبه على غيره.

 

 

 

[17]

[سورة النمل (27): آية 17]

وَ حُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ الطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17)

وَ حُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ‏ من جنّ القوى الوهمية و الخيالية و دواعيها، و إنس الحواس الظاهرة، و طير القوى الروحانية بتسخيره ريح الهوى و تسليطه عليها بحكم العقل العمليّ، جالسا على كرسيّ الصدر، موضوعا على رفوف المزاج المعتدل‏ فَهُمْ يُوزَعُونَ‏ يحبس أوّلهم على آخرهم و يوقفون على مقتضى الرأي العقلي لا يتقدّم بعضهم بالإفراط و لا يتأخر البعض بالتفريط.

 

 

 

[18- 19]

[سورة النمل (27): الآيات 18 الى 19]

حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى‏ وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَ قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى‏ والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (19)

حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى‏ وادِ النَّمْلِ‏ أي: نمل الحرص في جمع المال و الأسباب في السير على طريق الحكمة العملية و قطع الملكات الرديّة قالَتْ نَمْلَةٌ هي ملكة الشره، ملكة دواعي الحرص. و كانت على ما قيل: عرجاء، لكسر العاقلة رجلها و منعها بمخالفة طبعها عن مقتضاه من سرعة سيرها يا أَيُّهَا النَّمْلُ‏ أي: الدواعي الحرصية الفائتة الحصر ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ‏ أي: اختبئوا في مقارّكم و محالكم و مباديكم لا يكسرنكم القلب و القوى الروحانية بالإماتة و الإفناء.

و هذا هو السير الحكمي باكتساب الملكات الفاضلة و تعديل الأخلاق و إلا لما بقيت للنملة الكبرى و لصغارها عين و لا أثر في الفناء بتجليات الصفات‏ فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها أي: استبشر بزوال الملكات الرديئة و حصول الملكات الفاضلة و دعا ربّه بالتوفيق لشكر هذه النعمة التي أنعم بها عليه بالاتصاف بصفاته و أفعاله و الفناء عن أفعال نفسه و صفاتها.

و على والديه، أي: الروح و النفس بكمال الأول و تنوّره و قبول الثانية و تأثرها بقوله: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى‏ والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ‏ بالاستقامة في القيام بحقوق تجليات صفاتك و العبادات القلبية لوجهك و نور ذاتك‏ وَ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ‏ أي: بكمال ذاتك في زمرة الكمل الذين هم سبب صلاح العالم و كمال الخلق.

 

 

[20- 21]

[سورة النمل (27): الآيات 20 الى 21]

وَ تَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (21)

وَ تَفَقَّدَ حال طير القوى الروحانية ففقد هدهد القوة المفكرة لأن القوة المفكرة إذا كانت في طاعة الوهم كانت متخيلة و المفكرة غائبة بل معدومة، و لا تكون مفكرة إلا إذا كانت مطيعة للعقل‏ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً بالرياضة القوية و منعها عن طاعة الوهمية و تطويعها للعاقلة أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ‏ بالإماتة أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ‏ أو تصير مطواعة للعقل لصفاء جوهرها و نورية ذاتها فتأتي بالحجة البينة في حركتها.

 

 

 

[22]

[سورة النمل (27): آية 22]

فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)

فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ أي: لم يطل زمان رياضتها لقدسيتها و ما احتاجت إلى الإماتة لطهارتها حتى رجعت بسلطان مبين، و تمرّنت في تركيب الحجج على أصح المناهج‏ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ‏ من أحوال مدينة البدن و إدراك الجزئيات و تركيبها مع الكليات، فإن القلب لا يدرك بذاته إلا بالكليات و لا يضمها إلى الجزئيات في تركيب القياس، و استنتاج و استنباط الرأي إلا الفكر و بواسطته يحيط بأحوال العالمين و يجمع بين خيرات الدارين‏ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ مدينة الجسد بِنَبَإٍ يَقِينٍ‏ عيانيّ مشاهد بالحسّ.

 

 

 

[23]

[سورة النمل (27): آية 23]

إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (23)

إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ‏ هي الروح الحيوانية، المسمّاة باصطلاح القوم: النفس‏ وَ أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ من الأسباب التي يدبرها البدن و يتم بها تملكه‏ وَ لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ‏ هو الطبيعة البدنية التي هي متكؤها بهيئة ارتفاعها من طبائع البسائط العنصرية التي هي المزاج المعتدل، أو تؤوّل مدينة سبأ بالعالم الجسماني، و العرش بالبدن.

 

 

 

[24]

[سورة النمل (27): آية 24]

وَجَدْتُها وَ قَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (24)

وَجَدْتُها وَ قَوْمَها يَسْجُدُونَ‏ لشمس عقل المعاش المحجوب عن الحق بانقيادها له و إذعانها لحكمه دون الانقياد لحكم الروح و الانخراط في سلك التوحيد، و الإذعان لأمر الحق و طاعته‏ وَ زَيَّنَ لَهُمُ‏ شيطان الوهم‏ أَعْمالَهُمْ‏ من تحصيل الشهوات و اللذات البدنية و الكمالات الجسمانية فَصَدَّهُمْ عَنِ‏ سبيل الحق و سلوك طريق الفضيلة بالعدل‏ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ‏ إلى التوحيد و الصراط المستقيم.

 

 

 

[25]

[سورة النمل (27): آية 25]

أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْ‏ءَ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَ ما تُعْلِنُونَ (25)

أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ‏ أي: فصدّهم عن السبيل لئلا ينقادوا و يذعنوا في إخراج كمالاتهم إلى العقل‏ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْ‏ءَ أي: المخبوء من الكمالات الممكنة في سموات الأرواح و أرض الجسم‏ وَ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَ‏ مما فيهم بالقوة من الكمالات بالأعمال الحاجبة و المانعة لخروج ما في الاستعداد إلى العقل‏ وَ ما تُعْلِنُونَ‏ من الهيئات المظلمة و الأخلاق المردية.

 

 

 

[26- 27]

[سورة النمل (27): الآيات 26 الى 27]

اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (27)

اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فلا يجوز التعبّد و الانقياد إلا له‏ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ‏ المحيط بكل شي‏ء، فما أصغر عرش بلقيس النفس في جنب عظمته، فكيف لا تطيعه و تحتجب بمحبة عرشها عن طاعته‏ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ‏ في تضليلهم و الإحاطة بأحوالهم بالطريق العقلي‏ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ‏ بموافقة الوهم و تركيب التخيلات الفاسدة.

 

 

 

[28- 30]

[سورة النمل (27): الآيات 28 الى 30]

اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ (28) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (30)

اذْهَبْ بِكِتابِي هذا أي: الحكمة العملية و الشريعة الإلهية فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ‏ أ يقبلون الطاعة و الانقياد أم يأبون‏ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ‏ لصدوره من القلب بواسطة الفكر إلى النفس‏ وَ إِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ أي: باسم الذات الموصوفة بإفاضة الاستعداد و ما يخرج به ما فيه إلى العقل من الآلات و إفاضة الكمال المناسب له من الأخلاق و الصفات.

 

 

 

[31- 34]

[سورة النمل (27): الآيات 31 الى 34]

أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَ أْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَ أُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَ الْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ (33) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَ كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (34)

أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَ‏ ألا تغلبوا و لا تستعلوا وَ أْتُونِي‏ منقادين مستسلمين. و قولها: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي‏ إلى آخره، إشارة إلى قابلية النفس و نجابة جوهرها و مخالفتها لأمر قواها في الاستعلاء و الغرور بهيئة الشوكة و الاستيلاء، و إن لم يمكنها القبول إلا بمظاهرتهم و مشاورتهم.

و إفساد القرية و إذلال أعزّتها إشارة إلى منعها عن الحظوظ و اللذات، و قمع ما يغلب و يستولي على القوى بالرياضات.

 

 

 

[35- 36]

[سورة النمل (27): الآيات 35 الى 36]

وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36)

وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ من أموال المدركات الحسيّة و الشهوات النفسية، و اللذات الوهمية و الخيالية، و إمداد المواد الهيولانية بتزيينها عليهم و تسويلها لهم على أيدي الهواجس و الدواعي و البواعث‏ فَناظِرَةٌ هل يقبلها فيلين و يميل إلى النفس أو يردّها فيتصلب في الميل إلى الحق‏ فَما آتانِيَ اللَّهُ‏ من المعارف اليقينية و الحقائق القدسية و اللذات العقلية و المشاهدات النورية خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ‏ من المزخرفات الحسيّة و الخيالية و الوهمية بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ‏ لا نحن، و إنما فرحنا بما هو من عند اللّه لا بما ذكر.

 

 

 

[37- 40]

[سورة النمل (27): الآيات 37 الى 40]

ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَ هُمْ صاغِرُونَ (37) قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)

ارْجِعْ إِلَيْهِمْ‏ خطاب للمتخيل المرسل العارض للهدايا عليهم بالتسويل‏ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ من القوى الروحانية و أمداد الأنوار الإلهية لا طاقة لَهُمْ بِها وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها بالقهر و الاستيلاء و القمع‏ أَذِلَّةً وَ هُمْ‏ أذلاء بالطبع و الرتبة لدنوّ مرتبتهم في الأصل و الطينة و تنويرها بالآداب‏ قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ‏ أي: قبل قرب النفس و قواها بالأخلاق و الطاعة، فإن تسخير القوى الطبيعية بالأعمال و الآداب أسهل و أقرب من تسخير النفس الحيوانية و قواها بالأخلاق و الملكات. و العفريت هو الوهم لأنه يسخرها بالخوف و الرجاء و يبعثها على الأعمال بالدواعي الوهمية و الأماني الموافقة.

قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ‏ أي: ما دمت في مقام الصدر قبل الترقي إلى مقام السرّ، فإنّ الوهم حينئذ ينعزل عن فعله بالهداية و المشايعة. و الذي عنده علم من الكتاب هو العقل العملي الذي عنده بعض العلم و هو الحكمة العملية و الشريعة من كتاب اللوح المحفوظ يسخرها و يقرّبها و يبعثها على الطاعات بتحبيب الكمال و حصول الشرف و الذكر الجميل و الكرامة إليها قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ‏ أي: نظرك إلى ذاتك و ما ينبغي لها من الترقي إلى عالمك في عالم القدس لإدراك الحقائق و المعارف الكلية، و المشاهدات الحقّة العينية، فإنّ الكمال العمليّ مقدّم على الكمال الذوقيّ و الكشفيّ‏ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ‏ ثابتا على حالة اتصاله به، متمرّنا في الطاعة غير متغير بالدواعي الشهوانية و النوازع الشيطانية قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ بالطاعة و العمل بالشريعة أَمْ أَكْفُرُ بالمعصية و مخالفة الشريعة، أو أشكر عند التوفيق للطاعة بالسلوك في الطريقة و الإقبال على الحضرة، و تبديل الصفات،و مراقبة التجليات، أم أكفر بالاحتجاب برؤية الأعمال، و الإدبار عن الحق بالغرور و العجب، و الوقوف مع المعقول و العقل.

 

 

 

[41]

[سورة النمل (27): آية 41]

قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَ تَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (41)

نَكِّرُوا لَها عَرْشَها بتغيير العادات و ترك المذمومات، و نهك القوى الطبيعية بالرياضات، و تنكيسه بجعل ما كان أعلى رتبة منه عندها و هي الهيئات البدنية و راحات البدن و لذاته، و ما كان في جهة الإفراط من الأكل و الشرب و النوم و أمثالها، و القوى الطبيعية المستعلية أسفل، و ما كان أسفل من أنواع التعب و الرياضة و التقليل و السهر، و كل ما مال إلى التفريط من الأمور البدنية و القوى الروحانية المستضعفة أعلى‏ نَنْظُرْ أَ تَهْتَدِي‏ إلى الفضائل و طرق الكمالات بالرياضة لنجاة جوهرها و شرف أصلها و حسن استعدادها و قبولها أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ‏ إليها لعكس ما ذكر.

 

 

 

[42- 44]

[سورة النمل (27): الآيات 42 الى 44]

فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَ هكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَ أُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَ كُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَ صَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (43) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَ أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (44)

فَلَمَّا جاءَتْ‏ مترقية إلى مقام القلب متنوّرة بأنواره، متخلّقة بأخلاقه، منقادة مستسلمة بجنودها قِيلَ أَ هكَذا عَرْشُكِ‏ أي: على هذه الصورة المغيرة عرشك أم على الصورة الأولى؟

أي: أ هذا صورته المستوية التي ينبغي أن يكون عليها أم تلك، و تلك منكوسة أم هذه‏ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ أي: كأنّ هذا بالنسبة إلى حالي هو بالنسبة إلى الحالة الأولى، أي: إذا كنت متوجهة إلى جهة السفل كان عرشي على تلك الصورة مطابقا لحالي، و إذا توجهت إلى جهة العلو كان على هذه الصورة مستويا و موافقا لحالي‏ وَ أُوتِينَا الْعِلْمَ‏ من قبل هذه الحالة، أي:

أوتيناه في الأزل عند ميثاق الفطرة وَ كُنَّا منقادين قبل هذه النشأة إلا أننا نسينا فتذكرنا الساعة وَ صَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ من شمس عقل المعاش بصرفها إلى التوحيد إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ‏ محجوبين عن الحق‏ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ‏ أي: مقام الصدر الذي هو صرح ممرّد مملس عن تقابل الأضداد و تخالف الطباع مستويا بالتجرّد عن الموادّ من قوارير أنوار القلب الصافي المشبّه بالزجاجة في الصفاء و التنوّر فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً بحر الوحدة لكونه غاية رتبتها في التجرّد و الترقي و نهاية كمالها في التداني و التلقي، و لا يتجاوز نظرها إلى أعلى منه و كل ما لا يمكن فوقه من الكمال لشي‏ء فيه نهايته في التوحيد و معظم ما يستغرق فيه من جمال المعبود و المطلوب‏ وَ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها يعني: جرّدت جهتها السفلية التي تلي البدن و تسعى بها فيه‏ المنقسمة إلى القوة الغضبية و الشهوية عن الغواشي البدنية و الملابس الهيولانية بقطع التعلقات لكن كان عليها شعر الهيئات الباقية من أعمالها و الآثار المسودة من كدوراتها، و من هذا قيل:

يدخل سليمان الجنة بعد الأنبياء بخمسمائة خريف و يحبو حبوا ظَلَمْتُ نَفْسِي‏ بالاحتجاب و اتخاذ العقل المشوب بالوهم، المشرّب بالهوى، إلها و معبودا وَ أَسْلَمْتُ‏ بالانقياد لأمر الحق و الانخراط في سلك التوحيد مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏ و على تأويل العرش بالبدن يستقيم هذا أيضا و يتجه وجه آخر و هو أن يراد أنها كانت محجوبة بمعقولها ما بقي عرشها، و ما انقادت لسليمان القلب إلا في النشأة الثانية، فعلى هذا يكون الذي عنده علم من الكتاب هو العقل الفعّال و إيتاؤه به قبل ارتداد الطرف إيجاد البدن الثاني في آن واحد، و معنى: قبل أن يأتوني مسلمين تقدّم مادة البدن على تعلق النفس به.

و قال ابن الأعرابي رحمه اللّه: إن الإتيان كان بإفنائه ثمة و إيجاده بحضرة سليمان و التنكير تغيير الصورة. و معنى: كأنه هو أنه يشابه صورته، و الصرح هو مادة البدن الثاني، فيكون دخول الصرح على هذا مقدّما على تنكير الصورة، و كشف الساقين قطع تعلق البدن الأول دون زوال الهيئات البدنية التي هي بمثابة الشعر، و هذا بناء على أن النفوس المحجوبة الناقصة لا بد لها من التعلق و اللّه أعلم.

 

 

 

[45- 46]

[سورة النمل (27): الآيات 45 الى 46]

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى‏ ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (45) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46)

وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى‏ ثَمُودَ أي: أهل الماء القليل الذي هو المعاش صالح القلب بالدعوة إلى التوحيد فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ‏ فريق القوى الروحانية و فريق القوى النفسانية يَخْتَصِمُونَ‏.

تقول الأولى: ما جاء به صالح حق، و تقول الثانية: بل باطل، و ما نحن عليه حق‏ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ أي: الاستيلاء على القلب بالرذيلة قَبْلَ‏ الإتيان بالفضيلة لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ‏ بالتنوّر بنور التوحيد، و التنصل عن الهيئات البدنية المظلمة لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏ بإفاضة الكمال.

 

 

 

[47- 58]

[سورة النمل (27): الآيات 47 الى 58]

قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَ بِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) وَ كانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَ لا يُصْلِحُونَ (48) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَ أَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَ إِنَّا لَصادِقُونَ (49) وَ مَكَرُوا مَكْراً وَ مَكَرْنا مَكْراً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَ قَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51)

فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ (53) وَ لُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ تَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56)

فَأَنْجَيْناهُ وَ أَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (57) وَ أَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58)

اطَّيَّرْنا بِكَ‏ لمنعك إيانا من الحظوظ و الترفه‏ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ‏ سبب خيركم و شرّكم من اللّه. و الرهط المفسدون الحواس: الغضب و الشهوة و الوهم و التخيل، و تبييته: إهلاكه في ظلمة ليل النفس، و الوليّ: الروح، و مكر اللّه بهم: إهلاكهم بهدّ جبال الأعضاء عليهم و تدميرهم في غارّ محلهم و تدمير قومهم بالصيحة التي هي النفخة الأولى، و فاحشة قوم لوط في هذا التطبيق و هي إتيان الذكور، إتيان القوى النفسانية أدبار القوى الروحانية و استنزالهم عن رتبة التأثير بتأثرهم عن تأثير هذه من الجهة السفلية و استيلاؤها عليهم في تحصيل اللذات و الشهوات البدنية بهم.

 

 

 

[59]

[سورة النمل (27): آية 59]

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ سَلامٌ عَلى‏ عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى‏ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59)

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ‏ بظهور كمالاته و تجليات صفاته على مظاهر مخلوقاته‏ وَ سَلامٌ عَلى‏ عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى‏ بصفاء استعداداتهم و براءتهم من النقص و الآفة، فالحمد مطلقا مخصوص به لكون جميع الكمالات الظاهرة على مظاهر الأكوان صفاته الجمالية و الجلالية ليس لغيره فيها نصيب، و صفاء ذوات المصطفين من عباده و نزاهة أعيانهم عن نقص الاستعداد، و آفة الحجاب سلامه عليهم و حصول الأمرين للمظهر التام النبويّ بالفعل هو قوله ذلك مأمورا به من عين الجمع في مقام التفصيل، منتقلا من مقام التفصيل لعين الجمع، مبتدئا منه و راجعا إليه الله الذي له الحمد المطلق و السلام المطلق، خير مطلق محض في ذاته‏ أَمَّا يُشْرِكُونَ‏ من الأكوان التي أثبتوا لها وجودا و تأثيرا إذ لا يبقى بعد الكمال المطلق و القبول المطلق الذي هو اسم السلام المطلق باعتبار الفيض الأقدس إلا العدم البحت، و الشرّ الصرف المطلق الذي يقابل الخير المحض المطلق فكيف يكون خيرا.

 

 

 

[60- 63]

[سورة النمل (27): الآيات 60 الى 63]

أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَ جَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَ جَعَلَ لَها رَواسِيَ وَ جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ وَ يَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ مَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63)

أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ‏ أي: المؤثر المطلق الموجد للكل من الأعيان الممكنة و صفاتها خير في التأثير و الإيجاد، أم ما لا وجود له، فكيف بالتأثير و الإيجاد. أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ‏ في التأثير و الإيجاد بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ‏ عن الحق، فيثبتون الباطل بالتوهم. أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ‏ إلى نور ذاته‏ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ أي: حجب الأكوان و الأفعال‏ وَ الْبَحْرِ أي:حجب الصفات‏ وَ مَنْ يُرْسِلُ‏ رياح النفحات محيية للقلوب من يدي رحمة التجليات.

 

 

 

[64- 81]

[سورة النمل (27): الآيات 64 الى 81]

أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (64) قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (66) وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَ آباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68)

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) وَ يَقُولُونَ مَتى‏ هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (71) قُلْ عَسى‏ أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72) وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (73)

وَ إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَ ما يُعْلِنُونَ (74) وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (75) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَ إِنَّهُ لَهُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78)

فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى‏ وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَ ما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81)

أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ‏ باختفائه بأعيانهم و احتجابه بذواتهم‏ ثُمَّ يُعِيدُهُ‏ بإفنائهم في عين الجمع و إهلاكهم في ذاته بالطمس أو بإظهارهم في النشأة و إعادتهم إلى الفطرة وَ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ الغذاء الروحاني‏ وَ من‏ الْأَرْضِ‏ الجسماني إذ من السماء المعارف و الحقائق و من الأرض الحكم و الأخلاق.

 

 

 

[82- 87]

[سورة النمل (27): الآيات 82 الى 87]

وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (82) وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَ لَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَ وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (85) أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَ النَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86)

وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَ كُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (87)

وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ‏ أي: و إذا تحقق وقوع ما سبق في القضاء حكمنا به من‏ الشقاوة الأبدية عليهم‏ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً من صورة نفس كل شقيّ مختلفة الهيئات و الأشكال هائلة، بعيدة النسبة بين أطرافها و جوارحها على ما ذكر من قصتها بحسب تفاوت أخلاقها و ملكاتها من أرض البدن قدّام القيامة الصغرى التي هي من أشراطها تُكَلِّمُهُمْ‏ بلسان حياتها و صفاتها أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا قدرتنا على البعث‏ لا يُوقِنُونَ‏.

وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ النفخة الأولى نفخة الإماتة في القيامة الصغرى‏ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ‏ من العقلاء المجرّدين و الجهال البدنيين، أو من القوى الروحانية و الجسمانية إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ‏ من الموحدين الفانين في اللّه، و الشهداء القائمين باللّه‏ وَ كُلٌّ أَتَوْهُ‏ إلى المحشر للبعث، صاغرين، أذلاء، لا قدرة لهم و لا اختيار، أو أتوه منقادين قابلين لحكمه بالموت.

 

 

[88- 90]

[سورة النمل (27): الآيات 88 الى 90]

وَ تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (88) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89) وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90)

وَ تَرَى‏ جبال الأبدان‏ تَحْسَبُها جامِدَةً ثابتة في مكانها وَ هِيَ تَمُرُّ و تذهب و تتلاشى بالتحليل كالسحاب لتجتمع أجزاؤها عند البعث في اليوم الطويل‏ صُنْعَ اللَّهِ‏ أي:

صنع هذا النفخ و الإماتة و الإحياء لمجازاة العباد بالأعمال صنعا متقنا يليق به‏ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ‏ مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ أي: بمحو صفة من صفات نفسه بالتوبة إلى اللّه عنها من قيام صفة إلهية مقامها.

وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ باحتجابه بصفة من صفات نفسه‏ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ‏ بتنكيس بنائهم لشدّة ميلهم إلى الجهة السفلية في نار الطبيعة هَلْ تُجْزَوْنَ‏ إلا بصور أعمالكم و جعل هيئاتها صوركم.

 

 

 

[91- 93]

[سورة النمل (27): الآيات 91 الى 93]

إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَ لَهُ كُلُّ شَيْ‏ءٍ وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَ أَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى‏ فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)

إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ‏ لا ألتفت إلى غير الحق و أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ أي: القلب‏ الَّذِي حَرَّمَها حماها عن استيلاء صفات النفس و منعها من دخول أهل الرجس و آمنها و آمن من فيها لئلا ينكبّ وجهي في نار الطبيعة وَ لَهُ كُلُّ شَيْ‏ءٍ أي: تحت ملكوته و ربوبيته يعطي عابده ما شاء أن يعطيه و يمنعه ما شاء أن يمنعه و يدفع من غالبه‏ وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ‏ الذين أسلموا وجوههم بالفناء فيه‏ وَ أَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ‏ أفصل الكمالات المجموعة في إبرازها و إخراجها إلى الفعل في مقام البقاء وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ‏ بالاتّصاف بصفاته الحميدة سَيُرِيكُمْ‏ صفاته في مقام القلب‏ فَتَعْرِفُونَها أو آيات أفعاله و آثارها بالقهر في مقام النفس فتعرفونها عند التعذب بها أو يوم ينفخ في الصور بتجلي الذات في القيامة الكبرى، ففزع من في السموات و من في الأرض بصعقة الفناء و القهر الكليّ إلا من شاء اللّه من أهل البقاء الذين أحيوا لحياته و أفاقوا بعد صعقة الفناء به‏ وَ كُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ‏[1] ساقطين عن درجة الحياة و الوجود، مقهورين. و ترى جبال الوجودات تحسبها جامدة ثابتة على حالها ظاهرا و هي تمرّ مرّ السحاب في الحقيقة زائلة.


[1] ( 1) سورة النمل، الآية: 87.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=