تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة المؤمنون
سورة المؤمنون
[1- 11]
[سورة المؤمنون (23): الآيات 1 الى 11]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (2) وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (4)
وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (5) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (7) وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَ عَهْدِهِمْ راعُونَ (8) وَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (9)
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (11)
قَدْ أَفْلَحَ دخل في الفوز الأعظم الموقنون الَّذِينَ هُمْ في صلاة حضور القلب خاشِعُونَ باستيلاء الخشية و الهيبة عليهم لتجلي نور العظمة لهم وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ أي: الفضول مُعْرِضُونَ لاشتغالهم بالحق وَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ بالتجرّد عن صفاتهم وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ و أسباب لذّاتهم و شهواتهم حافِظُونَ بترك الحظوظ و الاقتصار على الحقوق فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ بالميل إلى الحظوظ فَأُولئِكَ هُمُ المرتكبون العدوان على أنفسهم وَ الَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ من أسراره التي أودعهم اللّه إياها في سرّهم وَ عَهْدِهِمْ الذي عاهدهم اللّه عليه في بدء الفطرة راعُونَ بالأداء إليه و الإحياء به وَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صلاة مشاهدة أرواحهم يُحافِظُونَ أُولئِكَ الموصوفون بهذه الصفات هُمُ الْوارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ فردوس جنة الروح في حظيرة القدس.
[12- 26]
[سورة المؤمنون (23): الآيات 12 الى 26]
وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (16)
وَ لَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَ ما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (17) وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَ إِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (18) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ (19) وَ شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَ صِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20) وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَ لَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ (21)
وَ عَلَيْها وَ عَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22) وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ (23) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (26)
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ غير هذا المتقلب في أطوار الخلقة بنفخ روحنا فيه و تصويره بصورتنا، فهو في الحقيقة خلق و ليس بخلق لَمَيِّتُونَ بالطبيعة.
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ الصغرى تُبْعَثُونَ في النشأة الثانية، أو ميتون بالإرادة، و يوم القيامة الوسطى تبعثون بالحقيقة، أو ميتون بالفناء و يوم القيامة الكبرى تبعثون بالبقاء فَوْقَكُمْ أي: فوق صوركم و أجسامكم سَبْعَ طَرائِقَ عن الغيوب السبعة المذكورة وَ ما كُنَّا عن خلقها غافِلِينَ فإنّ الغيب لنا شهادة وَ أَنْزَلْنا من سماء الروح ماء العلم اليقيني فَأَسْكَنَّاهُ فجعلناه سكينة في النفس وَ إِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ بالاحتجاب و الاستتار فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ من نخيل الأحوال و المواهب و أعناب الأخلاق و المكاسب لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ من ثمرات لذات النفوس و القلوب و الأرواح وَ مِنْها تقوتون و بها تتقون وَ شَجَرَةً التفكّر تَخْرُجُ مِنْ طُورِ الدماغ أو طور القلب الحقيقي بقوّة العقل تَنْبُتُ ما تنبت من المطالب ملتبسا بدهن استعداد الاشتغال بنور نار العقل الفعّال وَ صِبْغٍ لون نوريّ أو ذوق حاليّ للمستبصرين المتعلمين المستطعمين للمعاني وَ إِنَّ لَكُمْ فِي أنعام القوى الحيوانية لَعِبْرَةً تعتبرون بها من الدنيا إلى الآخرة نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها من المدركات و العلوم النافعة وَ لَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ في السلوك وَ مِنْها تَأْكُلُونَ تتقوّتون بالأخلاق وَ عَلَيْها وَ عَلَى فلك الشريعة الحاملة إياكم في البحر الهيولاني تُحْمَلُونَ إلى عالم القدس بقوّة التوفيق.
[27]
[سورة المؤمنون (23): آية 27]
فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَ وَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27)
فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ فلك الحكمة العملية و الشريعة النبوية بِأَعْيُنِنا على محافظتنا إياك عن الزلل في العمل وَ وَحْيِنا بالعلم و الإلهام فَإِذا جاءَ أَمْرُنا بإهلاك القوى البدنية و النفوس المنغمسة المادية وَ فارَ تنور البدن باستيلاء المواد الفاسدة و الأخلاط الرديئة فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ أي: من كل شيء صنفين من الصور الكلية و الجزئية أعني صورتين اثنتين إحداهما كلية نوعية و الأخرى جزئية شخصية وَ أَهْلَكَ من القوى الروحانية و النفوس المجرّدة الإنسانية ممن تشرّع بشريعتك إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بإهلاكه من زوجتك النفس الحيوانية و الطبيعة الجسمانية وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا من القوى النفسانية و النفوس المنغمسة الهيولانية بالاستيلاء على القوى الروحانية و النفوس المجرّدة الإنسانية و غصب مناصبهم إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ في البحر الهيولاني.
[28- 30]
[سورة المؤمنون (23): الآيات 28 الى 30]
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَ مَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَ قُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَ إِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ بالاستقامة في السير إلى اللّه، فاتّصف بصفات اللّه التي هي الحمد القلبي على نعمة الإنجاء من ظلمة الجنود الشيطانية وَ قُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً هو مقام القلب الذي بارك اللّه فيه بالجمع بين العالمين و إدراك المعاني الكلية و الجزئية و أمنه من طوفان بحر الهيولى و طغيان مائه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ دلائل و مشاهدات لأولي الألباب وَ إِنْ كُنَّا ممتحنين إياهم ببليّات صفات النفوس و التجريد عنها بالرياضة، أو ممتحنين العقلاء بالاعتبار بأحوالهم عند الكشف عن حالاتهم و حكاياتهم.
[31- 54]
[سورة المؤمنون (23): الآيات 31 الى 54]
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ (32) وَ قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَ أَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَ يَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَ لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (34) أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَ كُنْتُمْ تُراباً وَ عِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35)
هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَ ما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (39) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (40)
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (42) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَ ما يَسْتَأْخِرُونَ (43) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَ جَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (44) ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَ أَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَ سُلْطانٍ مُبِينٍ (45)
إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَ كانُوا قَوْماً عالِينَ (46) فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَ قَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49) وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَ أُمَّهُ آيَةً وَ آوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَ مَعِينٍ (50)
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَ اعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَ إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54)
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ في النشأة الثانية وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ القلب وَ أُمَّهُ النفس المطمئنة آيَةً واحدة باتحادهما في التوجه و السير إلى اللّه و حدوث القلب
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 68
منها عند الترقي وَ آوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ مكان مرتفع بترقي القلب إلى مقام الروح و ترقي النفس إلى مقام القلب ذاتِ استقرار و ثبات و تمكن يستقرّ فيها لخصبها وَ مَعِينٍ و علم يقين مكشوف ظاهر.
[55- 61]
[سورة المؤمنون (23): الآيات 55 الى 61]
أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ (55) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (56) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَ الَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59)
وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (60) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ (61)
أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَ بَنِينَ* نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ أي: ليس التمتيع باللذات الدنيوية و الإمداد بالحظوظ الفانية هو مسارعتنا لهم في الخيرات كما حسبوا، إنما المسارعة فيها هو التوفيق لهذه الخيرات الباقية و هي الإشفاق بالانفعال و القبول من شدّة الخشية عند تجلي العظمة و الإيقان العيني بآيات تجلي الصفات الربانية و التوحيد الذاتي بالفناء في الحق، و القيام بهداية الخلق و إعطاء كمالاتهم في مقام البقاء مع الخشية من ظهور البقية في الرجوع إلى عالم الربوبية من الذات الأحدية و هو السبق في الخيرات و إليها و لها.
[62]
[سورة المؤمنون (23): آية 62]
وَ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَ لَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (62)
وَ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي: لا نكلف كل أحد بمقامات السابقين فإنها مقامات لا يبلغها إلا الأفراد كما قيل: جلّ جناب الحق أن يكون شريعة لكل وارد، أو يطلع عليه إلا واحد بعد واحد، بل كل مكلف بما يقتضيه استعداده بهويته من كماله اللائق به. و هو غاية وسعه.
وَ لَدَيْنا كِتابٌ هو اللوح المحفوظ أو أمّ الكتاب يَنْطِقُ بمراتب استعداد كل نفس و حدود كمالاتها و غاياتها، و ما هو حق كل منها وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ بمنعهم عنه و حرمانهم إذا جاهدوا فيه وسعوا في طلبه بالرياضة، بل يعطي كل ما أمكنه الوصول إليه و ما يشتاقه في السلوك إليه.
[63- 70]
[سورة المؤمنون (23): الآيات 63 الى 70]
بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَ لَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (63) حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ (67)
أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَ أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (70)
بَلْ قلوب المحجوبين فِي غَمْرَةٍ غشاوات الهيولى و غفلة غامرة مِنْ هذا السبق و طلب الحق وَ لَهُمْ أَعْمالٌ على خلاف ذلك موجبة للبعد عن هذا الباب و تكاثف الحجاب، أي: كما أن أعمال السابقين موجبة للترقي في التنوّر كشف الغطاء و الوصول إلى الحق، فأعمالهم موجبة للتسفل و التكدّر و غلظ الحجاب و الطرد عن باب الحق لكونها في طلب الدنيا و شهواتها و هوى النفس و لذاتها. هُمْ لَها عامِلُونَ دائبون عليها مواظبون. و كلما سمعوا ذكر الآيات و الكمالات ازدادوا عتوّا و انهماكا في الغيّ، و استكبارا و تعمقا في الباطل، و هو النكوص على الأعقاب إلى مهاوي جحيم الطبيعة. و لما أبطلوا استعداداتهم و أطفؤوا أنوارها بالرين و الطبع على مقتضى قوى النفس و الطبع و اشتدّ احتجابهم بالغواشي الهيولانية و الهيئات الظلمانية عن نور الهدى و العقل، لم يمكنهم تدبّر القول و لم يفهموا حقائق التوحيد و العدل، فنسبوه إلى الجنة و لم يعرفوه للتقابل بين النور و الظلمة و التضادّ بين الباطل و الحق و أنكروه و كرهوا الحق الذي جاء به.
[71- 72]
[سورة المؤمنون (23): الآيات 71 الى 72]
وَ لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72)
وَ لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُ الذي هو التوحيد و العدل، أيّ الدعوة إلى الذات و الصفات أَهْواءَهُمْ المتفرّقة في الباطل، الناشئة من النفوس الظالمة، المظلمة، المحتجبة بالكثرة عن الوحدة لصار باطلا لانعدام العدل الذي قامت به السموات و الأرض و التوحيد الذي قامت به الذوات المجرّدة، إذ بالوحدة بقاء حقائق الأشياء، و بظلها الذي هو العدل و نظام الكثرات قوام الأرض و السماء فلزم فساد الكل.
[73- 95]
[سورة المؤمنون (23): الآيات 73 الى 95]
وَ إِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) وَ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (74) وَ لَوْ رَحِمْناهُمْ وَ كَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) وَ لَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَ ما يَتَضَرَّعُونَ (76) حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77)
وَ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (78) وَ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) وَ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ لَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (80) بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (81) قالُوا أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً وَ عِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82)
لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَ آباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83) قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَ مَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَ فَلا تَتَّقُونَ (87)
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ يُجِيرُ وَ لا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (90) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَ لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92)
قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (93) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) وَ إِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (95)
الصراط المستقيم الذي يدعوهم إليه هو طريق التوحيد المستلزم لحصول العدالة في النفس و وجود المحبة في القلب و شهود الوحدة في الروح. و الذين يحتجبون عن عالم النور بالظلمات و عن العقل بالحس و عن القدس بالرجس إنما هم منهمكون في الظلم و البغضاء و العداوة و الركون إلى الكثرة، فلا جرم أنهم عن الصراط ناكبون منحرفون إلى ضدّه، فهو في واد و هم في واد.
[96- 111]
[سورة المؤمنون (23): الآيات 96 الى 111]
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (96) وَ قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (97) وَ أَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ (101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَ هُمْ فِيها كالِحُونَ (104) أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (105)
قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَ كُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (106) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (107) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَ كُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110)
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (111)
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ أي: إذا قابلك أحد بسيئة فتثبت في مقام القلب و انظر أيّ الحسنات أحسن في مقابلتها لتنقمع بها نفس صاحبك و تنكسر فترجع عن السيئة و تندم و لا تدع نفسك تظهر و تقابله بمثلها فتزداد حدة نفسه و سورتها و تزيد في السيئة، فإنك إن قابلته بحسن الحسنات، ملكت نفسك، و غلبت شيطانك، و ثبت قلبك، و استقمت على ما أمرك اللّه به، و حصلت على فضيلة الحلم، و تمكنت على مقتضى العلم، و استقررت في طاعة الرحمن و معصية الشيطان، و أضفت إلى حسنتك إصلاح نفس صاحبك و ملكتها إن كان فيه أدنى مسكة و قوّمتها و شددتها، و تلك حسنة أخرى لك، فكنت حائزا للحسنيين و إن عكست كنت جامعا للسوأيين نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ أي: كل المسيئ إلى علم اللّه. و اعلم أن اللّه عالم به، فيجازيه عنك إن كان مستحقا للعقوبة و هو أقدر منك عليه أو يعفو عنه إن أمكن رجوعه و علم صلاحه بالعفو عنه. و استعذ باللّه من سورة الغضب و ظهور النفس بنخس الشيطان و همزه إياها و من حضوره و قربه، أي: توجه إلى ربّك مستعيذا به قائلا: رَبِّ أَعُوذُ بِكَ منخرطا في سلك التوجه إلى جنابه بالقلب و اللسان و الأركان لائذا ببابه من تحريضات اللعين و دواعيه و حضوره، فيصير مقهورا مرجوما مطرودا.
و الموصوف بالسيئة الواصف لك بها، الذاكر لك بالسوء، إن بقي على حاله حتى إذا احتضر و شاهد أمارات العذاب و عاين وحشة هيئات السيئات تمنى الرجوع و أظهر الندامة و نذر العمل الصالح في الإيمان الذي ترك و لم يحصل إلا على الحسرة و الندامة و التلفظ بألفاظ التحسر و الندم، و الدعوة دون المنفعة و الفائدة و الإجابة وَ مِنْ وَرائِهِمْ أي: أمام رجوعهم حائل من هيئات جرمانية ظلمانية مناسبة لهيئات سيئاتهم من الصور المعلقة، مانعة من الرجوع إلى الحق و إلى الدنيا، و هو البرزخ بين بحري النور و الظلمة و عالم الأرواح المجرّدة و الأجساد المركبة يتعذبون فيه بأشد أنواع العذاب، و أفحش أصناف العقاب إلى وقت البعث في الصورة الكثيفة عند النفخ في الصور و وقوع القيامة و حشر الأجساد، و حينئذ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ لاحتجاب بعضهم عن بعض بالهياكل المناسبة لأخلاقهم و أعمالهم و هيئاتهم الراسخة في نفوسهم المكتوبة عليهم، فلا يتعارفون وَ لا يَتَساءَلُونَ لشدّة ما بهم من الأهوال و ذهولهم عما كان بينهم من الأحوال، و تنقطع العلائق و الوصل التي كانت بينهم لتفرّقهم بأنواع العذاب و أسباب الحجاب، و تتغير صورهم و جلودهم و تتبدّل أشكالهم و وجوههم على حسب اقتضاء معايبهم و صفات نفوسهم، و هو معنى قوله: تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَ هُمْ فِيها كالِحُونَ و ذلك غلبة الشقوة و سوء العاقبة الموجبة للخسء و الطرد و البعد و اللعن كخسء الكلاب.
[112- 118]
[سورة المؤمنون (23): الآيات 112 الى 118]
قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (113) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)
وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (117) وَ قُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَ ارْحَمْ وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)
لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قال ابن عباس: أنساهم ما كانوا فيه من العذاب بين النفختين: الاحتجاب في البرزخ المذكور، فالصور المذكور أنساهم مدّة اللبث و إنما استقصروها لانقضائها و كل منقض فهو ليس بشيء، و لهذا صدّقهم بقوله: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا و معنى: لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إنكم حسبتموها كثيرا فاغتررتم بها و فتنتم بلذاتها و شهواتها، و لو علمتموها قليلا لتزودتم و تجرّدتم عن تعلقاتها.
رَبِّ اغْفِرْ هيئات المعلقات وَ ارْحَمْ بإفاضة الكمالات وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ