تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سوره آل عمران آیه 126-200
[سورة آل عمران (3): آية 126]
وَ ما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَ مَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)
«وَ ما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ» فيحتمل لكونهم من الملائكة عامة، أوهم الملائكة الذين قالوا في حق آدم (أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ) فأنزلهم اللّه في يوم بدر، فسفكوا الدماء، حيث عابوا آدم بسفك الدماء، فلم يتخلفوا عن أمر اللّه، فنصرونا على الأعداء بما عابوه علينا.
«وَ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ» أي من عادة البشرية أن تسكن إلى الكثرة، إذ كان أهل بدر ثلاثمائة و المشركون ألفا، فلما رأوا الملائكة خمسة آلاف، اطمأنت قلوب المؤمنين بكثرة العدد مع وجود القتال منهم، فما اطمأنوا به برؤيتهم و حصل لهم من الأمان في قلوبهم حتى غشيهم النعاس، إذ كان الخائف لا ينام.
[سورة آل عمران (3): الآيات 127 الى 128]
لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (128)
يقول الحق تعالى لأكرم الناس عليه و أتمهم في الشهود و أعلاهم في الوجود
[ «لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ»]
«لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ» فإن الأمر يكون عنه التكوين، و التكوين للحق لا له، فما أراده كان، فأفلسه الحق حتى لا يخرج عن حقيقته.
[سورة آل عمران (3): الآيات 129 الى 133]
وَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَ اتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (131) وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)
[ «وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ»]
«وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ» و هي العبادة، فالمسارعة هي المبادرة إلى الصلاة مثلا بالتأهب المعتاد قبل دخول وقتها، فيأتيها بسكينة و وقار، فيجمع بين المسارعة و السكينة، فمن سارع إليها فقد سارع إلى المغفرة، و إنما أمر العبد بالمسارعة إلى الخيرات لتصرفه في المباحات لا غير، فمن كانت حالته أن لا يتصرف في مباح، فهو في خير على كل حال- تفسير من باب الإشارة-.
«وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ» المسارعة في الخير و إليه، و المغفرة لا ترد إلا على ذنب، و إن كانت في وقت تستر العبد عن أن تصيبه الذنوب، و هو المعصوم و المحفوظ، فلها الحكمان في العبد، محو الذنب بالستر عن العقوبة أو العصمة و الحفظ، و لا ترد على تائب، فإن التائب لا ذنب له، إذ التوبة أزالته، فما ترد المغفرة إلا على المذنبين في حال كونهم مذنبين غير تائبين، فهناك يظهر حكمها.
و هذا ذوق لم يطرق قلبك مثله قبل هذا، و هو من أسرار اللّه في عباده الخفية، من حكم أسمائه الحسنى، و مثل هذا يسمى التضمين، فإنه أمر بالمسابقة إلى المغفرة، و ما أمر بالمسابقة إلى الذنب، و لما كان العفو و الغفران يطلب الذنب، و هو مأمور بالمسابقة إلى المغفرة، فهو مأمور بما له يكون ليظهر حكمها، فما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب، و لكن من حيث ما هو فعل لا من حيث ما هو حكم، و إنما أخفى ذكره هنا و ذكر المغفرة لقوله (إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ) و الأمر من أقسام الكلام، فما أمر بالذنوب و إنما أمر بالمسابقة و الإسراع إلى الخير و فيه، و إلى المغفرة، جاء في الحديث [لو لم تذنبوا لجاء اللّه بقوم يذنبون فيغفر لهم] و لم يقل فيعاقبهم، فغلب المغفرة و جعل لها الحكم.
فأصل وجود الذنب بذاته لما يتضمنه من المغفرة و المؤاخذة، فيطلب تأثير الأسماء، و ليس أحد الاسمين المتقابلين في الحكم أولى من الآخر، لكن سبقت الرحمة الغضب في التجاري، فلم تدع شيئا إلا وسعته رحمته «وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ» العرض ينحصر في السموات و الأرض في سعة الجنة، و لم يذكر لطولها حد و لا انتهاء، فطولها روحاني معنوي، و عرضها جسماني، فطولها لا ينحصر، و أما من جهة التحقيق، فإن ذكر عرض الجنة فإن شكلها مستدير، و الطول لا يظهر إلا ببداية و غاية، فعرض الجنة قطرها إذا قدرته، و ليس لها طول لكونها كريّة.
[سورة آل عمران (3): آية 134]
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)
«وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ» لتعدي حدود اللّه، قال صلّى اللّه عليه و سلم: [من كظم غيظا و هو قادر على أن ينفذه ملأه اللّه أمنا و إيمانا] فمن الإيمان كظم الغيظ. «وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ» فإن للخلق أجرا على اللّه لأعمال عملوها له، و لأعمال عملوها للخلق رعاية للحق، كالعفو من العافين عن الناس؛ فإن الإنسان إذا رحم نفسه و زال الغضب بإطلاق الانتقام أعقبته الرحمة، و هي الندم الذي يجده الإنسان إذا عاقب أحدا، و يقول: لو شاء اللّه كان العفو عنه أحسن، لا بد أن يقول ذلك، إما دنيا و إما آخرة في انتقامه لنفسه، لئلا يتخيل أن إقامة الحدود من هذا القبيل، فإن إقامة الحدود شرع من عند اللّه، ما للإنسان فيها تعمّل. «وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» راجع الآية (148).
[سورة آل عمران (3): آية 135]
وَ الَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ (135)
الإصرار من الأعمال المنهي عن عملها، و لا يزيلها إلا التوبة، فإن مات خيف عليه و لم يقطع، و إذا زلّ العبد فقامت به الذلة و الحياء و الانكسار، كان ذلك عين الترقي، فإذا فقد الإنسان هذه الحالة في زلته، و لم يندم و لا انكسر و لا ذلّ و لا خاف مقام ربه، كان جليس إبليس، بل إبليس أحسن حالا منه، لأنه يقول لمن يطيعه في الكفر (إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ) و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [الندم توبة].
[سورة آل عمران (3): آية 136]
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (136)
[ «نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ»]
«أَجْرُ الْعامِلِينَ» بأمره، فإن اللّه تعالى أخبر أن أصحاب الأعمال الحافظين لحدود اللّه تعالى، الموفين ما عاهدوا اللّه عليه، المشتغلين بكل عمل توجه عليهم منه في أوقاتهم، أن لهم الآخرة و الأولى، و أعطاهم ملك الدارين، و نزههم في العالمين، و ذكرهم بلسان صدق فيمن عنده، و في كتابه العزيز منة منه و طولا، و اللّه ذو الفضل العظيم، و اعلم أن اللّه تعالى ما أثنى على أحد من عباده في كتابه العزيز، و لا على لسان نبيه في حديثه، إلا كان الثناء عملا من الأعمال؛ ما مدحهم إلا بأعمالهم، فأعمالهم هي التي ردها سبحانه عليهم، مع توليه لهم فيها، و هذا غاية الكرم و الجود أن يمنحك، و يعطيك، و يثني عليك بعد ذلك بما ليس لك، فإنه سبحانه آخذ بناصيتك، قائدك إلى كل فعل أراده منك أن يوجده فيك أو على يديك، فطائفة أثنى عليهم بالتقوى، و طائفة بالإيمان، و طائفة بالعلم و هو من جملة الأعمال، فقال تعالى: (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) ثم فصّل أعمالهم اعتناء بهم و شرفا و تعليما لنا و هداية و بيانا و موعظة، فقال تعالى (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعافِينَ عَنِ النَّاسِ) الآيات، و قال: (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ) فما وصفهم لما وصفهم إلا بأعمالهم التي خلق لهم، ثم أنه سبحانه ما نصّ على مقام يناله العبد عنده إلا قرنه بالعمل الصالح، كما قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ) و قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا) الآية، و قال: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) إلى أمثال هذه الآيات النيرات، فقد شاء سبحانه و تعالى أن لا تنال المقامات على تفاصيلها بتفاضل بعضها على بعض إلا بعمل، و الصبر و الرضى من جملة الأعمال و الأحوال المشروعة لنا، المأمور بها شرعا، كما قال تعالى: (وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) و لا يكون الصبر إلا على بلاء و مشقة. و أصل السعادة الجامعة لها موافقتنا للحق تعالى فيما أمر به و نهى شرعا، مع التوحيد في باطنه بنفي الأغيار، و تلك الموافقة عناية من اللّه تعالى ببعض عباده، و لكن ينبغي للعبد أن يعتقد أن أعماله لم توصله إلى نيل تلك المقامات، و إنما أوصله إلى ذلك رحمة اللّه تعالى به الذي أعطاه التوفيق للعمل و القدرة عليه و الثواب. فحصول السعادة أعني دخول دار الكرامة ابتداء إنما هو برحمة اللّه تعالى، كما قال صلّى اللّه عليه و سلم: [لا يدخل أحد الجنة بعمل، قيل له: و لا أنت يا رسول اللّه؟ قال: و لا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمته] فالدخول برحمة اللّه، و قسمة الدرجات بالأعمال، و الخلود بالنيات، و كذلك في دار الشقاوة، دخول أهلها فيها بعدل اللّه، و طبقات عذابهم بالأعمال. و خلودهم بالنيات.
و أصل ما استوجبوا به العذاب المؤبد المخالفة، كما كانت السعادة في الموافقة. و كذلك من دخل من العاصين النار، لو لا المخالفة ما عذبهم اللّه شرعا. و أول ما يجب عليك، إن رزقت الموافقة و التوفيق، العلم بالأمور التي مهدناها لك، فإذا علمتها توجه عليك العمل بها، و إن كان طالب العلم في عمل من حيث طلبه، و لكن يعطيك العلم العمل بأمور أخر، توجه عليك بها خطاب الشارع، كما أن العلم لم يصح طلبه إلا بالعلم.
فمن حصل له العلم بالأحكام التي يحتاج إليها في مقامه، فلا يكثر مما لا يحتاج إليه، فإن التكثير مما لا حاجة فيه سبب في تضييع الوقت عما هو أهم، فيأخذ منها ما توجه عليه في الوقت من علم تكليف ذلك الوقت، فإذا عرفت هذا، و لازمت العمل، فأنت الموفق السعيد.
و اعلم أن عدد الأعضاء المكلفة ثمانية: و هي العين و الأذن و اللسان و اليد و البطن و الفرج و الرجل و القلب، فعلى كل واحد من هذه الأعضاء تكليف، يخصه من أنواع الأحكام الشرعية، ثم تصرفها على الوجه الشرعي في محلين خاصة إما في ذاتك و إما في غير ذاتك. فالذي في ذاتك منه ما يلحقك عليه المذمة الشرعية و المحمدة عند اللّه تعالى، فالمحمدة كالصوم و الصلاة و ما أشبه ذلك، و المذمة كضربك نفسك بالسكين لتقتلها. و منها ما لا يلحقك فيه مذمة و لا محمدة، كصنف المباح، و لا يجوز لك هذا الفعل إلا في ذاتك. و أما في غير ذاتك فلا إلا بشرط ما.
و الذين هم غيرك ثمانية أصناف خارجون عنك: الولد و الوالدان و الزوجة و ملك اليمين و البهيمة و الجار و الأجير و الأخ الإيماني و الطيني. و كل فعل حسن للجوارح أسه انتباه القلب، و هذه الأعمال كلها ليس لها زوال عن شخص حتى يموت، فإن عدمها في أحواله و طريقه فهو مخدوع، و الواصل لا يتصور منه ترك لها أصلا، و إن ادعى الوصول، و فارق المعاملات استصحابا، فدعواه كاذبة.
و لو فتح له في علم الكونين و سر العالم فمكر و استدراج. فلا سبيل إلى الوصول إلى نهاية صحيحة عن الشوب الإبليسي، خالصة عن الغرض النفسي، ما لم يزل المريد أوّلا عن رعونة النفس و كدورة البشرية. و من لم يتخلق لم يتحقق. و علامة من صح وصوله الخروج عن الطبع و الأدب مع الشرع و اتباعه حيث سلك، و الشفاء الشافي و الدواء الكافي لهذا الداء العضال العلم بشرط التوفيق، فإذا اجتمعا فلا حائل بينك و بين التحقيق.
[سورة آل عمران (3): الآيات 137 الى 138]
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)
قال صلّى اللّه عليه و سلم: [تركت فيكم واعظين، صامت و ناطق، فالصامت الموت و الناطق القرآن] ليست الموعظة من الشعر فترمز، و لا من الخطابة فتلغز، و إنما هي من النعم المبسوطة على الدوام، على مر الليالي و الأيام، كما قال المهيمن العلام: (وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ).
[سورة آل عمران (3): آية 139]
وَ لا تَهِنُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)
فهم الأعلون بإعلاء كلمة اللّه على كلمة أعدائه.
[سورة آل عمران (3): آية 140]
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَ تِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)
[سورة آل عمران (3): آية 141]
وَ لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ الْكافِرِينَ (141)
و هذا كله ابتلاء من اللّه لعباده الذين ادعوا الإيمان به بألسنتهم.
[سورة آل عمران (3): آية 142]
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)
فميّز بينهما، فيجازي المجاهد بجزاء معين، و يجازي الصابر عليه بجزاء معين.
[سورة آل عمران (3): الآيات 143 الى 144]
وَ لَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) وَ ما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)
ما بقي أحد يوم مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إلا ذهل في ذلك اليوم، و خولط في عقله، و تكلم بما ليس الأمر عليه، إلا أبو بكر الصديق، فما طرأ عليه من ذلك أمر، بل رقي المنبر، و خطب الناس، و ذكر موت النبي صلّى اللّه عليه و سلم، فقال: من كان منكم يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، و من كان يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت، ثم تلا «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ، وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ»– الآية، فسكن جأش الناس، حتى قال عمر: و اللّه ما كأني سمعت بهذه الآية إلا في ذلك اليوم، فإنه ما بقي أحد حين مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إلا اضطرب و قال:ما لا يمكن أن يسمع، و شهد على نفسه في ذلك اليوم بقصوره و عدم معرفته برسوله الذي اتبعه إلا أبا بكر، فإنه ما تغير عليه الحال لعلمه بما ثم و ما هو الأمر عليه، فلما قرأ الآية تراجع من حكم عليه و همه، و عرف الناس حينئذ فضل أبي بكر على الجماعة، فاستحق الإمامة و التقديم، فما بايعه من بايعه سدى، و ما تخلّف عن بيعته إلا من جهل منه، ما جهل أيضا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، أو من كان في محل نظر في ذلك، أو متأولا،
فإنه قد شهد له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في حياته بفضله على الجماعة بالسر الذي وقر في صدره، فظهر حكم ذلك السر في ذلك اليوم، و هو استيفاء مقام العبودة، بحيث أنه لم يخل منه بشيء في حقه و في حق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فعلم محمد صلّى اللّه عليه و سلم أن أبا بكر الصديق مع من دعاه إليه،
و هو اللّه تعالى، ليس معه إلا بحكم أنه يرى ما يخاطبه الحق سبحانه على لسان رسوله صلّى اللّه عليه و سلم في كل خطاب يسمعه منه، بل من جميع من يخاطبه، و قد علّمه الحق في نفسه ميزان ما يقبل من خطابه و ما يرد، فكان أبو بكر رضي اللّه عنه أحكم أولياء اللّه في مقام الرضا و الاستسلام و التفويض و الصبر و الاعتماد على اللّه، فإنه رضي اللّه عنه ما ظهر قط عليه مما كان عليه في باطنه من المعرفة شيء لقوته إلا يوم مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و ذهلت الجماعة، و قالوا ما حكي عنهم إلا الصديق، فإن اللّه تعالى وفقه لإظهار القوة التي أعطاه، لكون اللّه أهله دون الجماعة للإمامة و التقدم، و الإمام لا بد أن يكون صاحيا، لا يكون سكرانا، فقامت له تلك القوة في الدلالة على أن اللّه قد جعله مقدّم الجماعة في الخلافة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في أمته، كالمعجزة للنبي صلّى اللّه عليه و سلم في الدلالة على نبوته، فلم يتقدم و لا حصل الأمر له إلا عن طوع من جماعة و كره من آخرين، و ذلك ليس نقصا في إمامته، و من كره إمامته من الصحابة رضي اللّه عنهم، ما كان عن هوى نفس، نحاشيهم من ذلك على طريق حسن الظن بالجماعة، و لكن كان لشبهة قامت عندهم، رأى من رأى أنه أحق بها منه في رأيه، و ما أعطته شبهته لا في علم اللّه، فإن اللّه قد سبق علمه بأن يجعله خليفة في الأرض،
و كذلك عمر و عثمان و علي و الحسن، و لو تقدم غير أبي بكر لمات أبو بكر في خلافة من تقدمه، و لا بد في علم اللّه أن يكون خليفة، فتقدمهم بالزمان بأنه أولهم لحوقا بالآخرة، فكان سبب هذا الترتيب في الخلافة ترتيب أعمارهم، فلا بد أن يتأخر عنها من يتأخر مفارقته للدنيا، ليلي الجميع ذلك المنصب، فكل لها أهل في وقت أهلية الذي قبله، و لا بد من ولاية كل واحد منهم، و خلع المتأخر لو تقدم لا بد منه، حتى يلي من لا بد له عند اللّه في سابق علمه من الولاية، فرتب اللّه الخلافة ترتيب الزمان للأعمار، حتى لا يقع خلع مع الاستحقاق في كل واحد من متقدم و متأخر، و ما علم الصحابة ذلك إلا بالموت، و فضل بعضهم على بعض مصروف إلى اللّه، هو العالم بمنازلهم عنده، فإن المخلوق ما يعلم ما في نفس الخالق إلا ما يعلمه به الخالق سبحانه، و ما أعلم بشيء من ذلك، فلا يعلم ما في نفسه، إلا إذا أوجد أمرا، علمنا أنه لو لا سبق في علم اللّه كونه ما كان، فاللّه يعصمنا من الفضول، إنه ذو الفضل العظيم، و مع هذا البيان الإلهي، فبقي أهل الأهواء في خوضهم يلعبون مع إبانة الصبح لذي عينين، بلسان و شفتين، نسأل اللّه العصمة من الأهواء و أمراض التعصب و حمية الجاهلية.
من هذا نعلم أنه إذا عرف التلميذ من الشيخ أنه محل لظهور آثار الربوبية، و هو في نفسه على خلاف ما يظهر للعالم، مشاهد عبودته، فقد فتح اللّه على ذلك التلميذ بما فيه سعادته، فإنه يتجرد إلى جانب الحق تجرد الشيخ، فإنه عرف منه و اتكل على اللّه لا عليه، و بقي ناظرا في الشيخ ما يجري اللّه عليه من الحال في حق ذلك التلميذ، من نطق بأمر يأمره به أو ينهاه، أو بعلم يفيده، فيأخذه التلميذ من اللّه على لسان هذا الشيخ، و يعلم التلميذ في نفسه من الشيخ ما يعلمه الشيخ من نفسه، أنه محل جريان أحكام الربوبية، حتى لو فقد الشيخ لم يقم فقده عند ذلك التلميذ ذلك القيام، لعلمه بحال شيخه، كأبي بكر الصديق مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم حين مات. «وَ سَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» لما أسداه من آلائه.
[سورة آل عمران (3): الآيات 145 الى 146]
وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَ سَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) وَ كَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ما ضَعُفُوا وَ مَا اسْتَكانُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)
«فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ما ضَعُفُوا» عن حمل ما ابتلوا به، لأنهم حملوه باللّه، و إن شق عليهم «وَ مَا اسْتَكانُوا» لغير اللّه في إزالته، و لجئوا إلى اللّه في إزالته: «وَ اللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ» و هم الذين ابتلاهم اللّه، فحبسوا نفوسهم عن الشكوى إلى غير اللّه الذي أنزل بهم هذا البلاء، و ما وهنوا لما أصابهم في سبيل اللّه، و ما ضعفوا عن حمله، فما ابتلى اللّه عباده إلا ليلجئوا في رفع ذلك إليه، و لا يلجئوا في رفعه إلى غيره، فإذا فعلوا ذلك كانوا من الصابرين، و هو محبوب للّه، و من أسمائه تعالى النعتية الصبور، فما أحب إلا من رأى خلعته عليه.
فعليك بمراقبة اللّه عزّ و جل فيما أخذ منك و فيما أعطاك، فإنه تعالى ما أخذ منك إلا لتصبر فيحبك، فإنه يحب الصابرين، و إذا أحبك عاملك معاملة المحب محبوبه،فكان لك حيث تريد إذا اقتضت إرادتك مصلحتك، و إن لم تقتض إرادتك مصلحتك فعل بحبه إياك معك ما تقتضيه المصلحة في حقك، و إن كنت تكره في الحال فعله معك، فإنك تحمد بعد ذلك عاقبة أمرك، فإن اللّه غير متهم في مصالح عبده إذا أحبه، فميزانك في حبه إياك أن تنظر إلى ما رزقك من الصبر على ما أخذه منك و رزأك فيه، من مال أو أهل أو ما كان مما يعز عليك فراقه، فما من شيء يزول عنك من المألوفات إلا و لك عوض منه عند اللّه.
[سورة آل عمران (3): الآيات 147 الى 148]
وَ ما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ إِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَ ثَبِّتْ أَقْدامَنا وَ انْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (147) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَ حُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)
سمي جزاء الخير ثوابا لثورانه و عجلته، فيكون في نفس الخير المستحق له، لأنه من ثاب إلى الشيء إذا ثار إليه بالعجلة و السرعة. «وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» الإحسان صفة اللّه تعالى و هو المحسن، فصفته أحب، و الإحسان الذي به يسمى العبد محسنا هو أن يعبد اللّه كأنه يراه، أي يعبده على المشاهدة، كما أن شهود الحق لكل شيء هو إحسانه، فإنه بشهوده يحفظه من الهلاك.
فكل حال ينتقل فيه العبد، فهو من إحسان اللّه، إذ هو الذي نقله تعالى، و لهذا سمي الإنعام، إحسانا، فإنه لا ينعم عليك بالقصد إلا من يعلمك، و من كان علمه عين رؤيته، فهو محسن على الدوام، فإنه يراك على الدوام لأنه يعلمك دائما، و ليس الإحسان في الشرع إلا هذا، و قد قال: فإن لم تكن تراه فإنه يراك، أي فإن لم تحسن فهو المحسن.
[سورة آل عمران (3): الآيات 149 الى 150]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَ هُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150)
«وَ هُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ» أهل دينه على من ناواهم فيه ابتغاء منازعته.
[سورة آل عمران (3): آية 151]
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَ مَأْواهُمُ النَّارُ وَ بِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)
[نصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بالرعب]
نصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بالرعب بين يديه مسيرة شهر، و الشهر قدر قطع القمر درجات الفلك المحيط، فهو أسرع قاطع، و الحساب به للعرب، و هو عربي، فإذا نصر بين يديه بالرعب مسيرة شهر بسير القمر، لأنه ما ذكر السائر و ذكر الشهر، و لا يعين الشهر عند أصحاب هذا اللسان إلا سير القمر، فقد عم نصره صلّى اللّه عليه و سلم بالرعب ما قطعه من المسافة هذا القمر في شهر، فعمّ حكم كل درجة للفلك الأقصى، لها أثر في عالم الكون و الفساد، بقطع القمر تلك المسافة، فلا يقبل الرعب إلا عدو مقصود، يعلم أنه مقصود، فما قابله صلّى اللّه عليه و سلم أحد في قتال إلا و في قلبه رعب منه، و لكنه يتجلد عليه بما أشقاه اللّه، ليتميز السعيد من الشقي، فيوهن ذلك الرعب من جلادة عدوه على قدر ما يريد اللّه، فما نقص من جلادة ذلك العدو بما وجده من الرعب، كان ذلك القدر نصرا من اللّه.
[سورة آل عمران (3): الآيات 152 الى 153]
وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَ تَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَ عَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَ لَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا ما أَصابَكُمْ وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (153)
[سورة آل عمران (3): آية 154]
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَ طائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَ لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَ لِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (154)
«قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ» لا إيجاد لمخلوق في عقدنا، بل الأمر كله للّه، فإنه هو الفاعل و الموجد للعمل، الذي له خلق الأعمال من الأحوال و القدرة عليها.
[سورة آل عمران (3): الآيات 155 الى 159]
إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَ ما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَ اللَّهُ يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَ لَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَ لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)
«فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ» أي إنما كان برحمة اللّه «لِنْتَ لَهُمْ» فإن النفوس مجبولة على حبّ من أحسن إليها، فإياك أن تصلح رعيتك بالخوف الشديد فتزيدهم نفورا، فإنه يأتي باللين ما يأتي بالقهر و الفظاظة، و لا يأتي بالقهر ما يأتي باللين، فإن القهر لا يأتي بالرحمة و المودة في قلب المقهور، و باللين ينقضي المطلوب و تأتي بالمودة، فتلقيها في قلب من استملته باللين، و صاحب اللين لا يقاوم، فإنه لا يقاوم لما يعطيه اللين من الحكم، فالرخاوة في الدين من الدين، و لهذا امتن اللّه فجعل نبيه من أهل اللين فقال «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ» و بهذا فضلهم، و اللين خفض الجناح و المداراة و السياسة، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [مداراة الناس صدقة] و الدعوة إلى اللّه تحتاج إلى علم السياسة، فإن صورتها من الداعي تختلف باختلاف صورة المدعو، فثم دعاء بصفة غلظة و قهر، و ثمّ دعاء بصفة لين و عطف «وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» فلو كان فظا غليظا في فعله و قوله لانفضوا من حوله، فهم مع العفو و اللين لا يقبلون، فكيف مع الشدة و الفظاظة، لن يزالوا مدبرين «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» ليس للرسول من حيث رسالته المشاورة، فمشاورته لأصحابه في غير ما شرع له، و ذلك من مقام الخلافة لا الرسالة. فلما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم من الخلفاء قيل له «وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» فأمر الحق نبيه صلّى اللّه عليه و سلم بمشاورة أصحابه في الأمر الذي يعنّ له إذا لم يوح إليه فيه شيء، لأن للحق وجها خاصا في كل موجود، لا يكون لغير ذلك الموجود.
فقد يلقي إليه الحق سبحانه في أمر ما ما لا يلقيه لمن هو أعلى منه طبقة، كعلم الأسماء لآدم مع كون الملأ الأعلى عند اللّه أشرف منه، و مع هذا كان عند آدم ما لم يكن عندهم.
و اللّه تعالى يعطي بسبب، و هو الذي كتبه القلم من علم اللّه في خلقه، و يعطي بغير سبب، و هو ما يعطيه من ذلك الوجه، فلا تعرف به الأسباب و لا الخلق، فوقعت المشورة ليظهر عنها أمر يمكن أن يكون من علم ذلك الوجه، فيلقي إليه من شاوره في تدبيره علما قد حصل له من اللّه، من حيث ذلك الوجه الذي لم يكتب علمه و لا حصل في خلقه، و لهذا قال اللّه لرسوله «فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» يعني على إمضاء ما اتفقتم عليه في المشورة، أو ما انفردت به دونهم.
و قوله تعالى: «فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» في مثل هذا ما لم يقع الفعل، فإن العزم يتقدم الفعل، فقيل له: توكل على اللّه، فإنه ما يدري ما لم يقع الفعل ما يلقي اللّه في نفسك من ذلك الوجه الخاص الإلهي، فلا يطلع على مراتب العقول إلا أصحاب المشاورة، و لا سيما في المسامرة، فإنها أجمع للهمّ و الذكر، و أقدح لزناد الفكر.
فعرض الإنسان ما يريد فعله على الآراء دليل على عقله التام، ليقف على تخالف الأهواء، فيعلم مع أحدية مطلوبه أنه و إن تفرد فله وجوه متعددة. و اعلم أن هذا موطن، يجب أن تكون المعاملة فيه كما ذكر و أنه قال في موطن آخر (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ)* فإن للمواطن أحكاما، فافعل بمقتضاها تكن حكيما
[الفرق بين النية و الإرادة و القصد و الهمة و العزم و الهاجس]
– تحقيق- الفرق بين النية و الإرادة و القصد و الهمة و العزم و الهاجس، اعلم أن اللّه تعالى إذا أراد إيجاد فعل ما، بمقارنة حركة شخص ما، بعث إليه رسوله المعصوم، و هو الخاطر الإلهي المعلوم، و لقربه من حضرة الاصطفاء، هو في غاية الخفا، فلا يشعر بنزوله في القلب إلا أهل الحضور و المراقبة في مرآة الصدق و الصفا، فينقر في القلب نقرة خفية، تنبه لنزول نكتة غيبية، فمن حكم به فقد أصاب في كل ما يفعله، و نجح في كل ما يعمله، و ذلك هو السبب الأول عند الشخص الذي عليه يعول، و هو نقر الخاطر عند أرباب الخواطر، و هو الهاجس عند من هو للقلب سائس، فإن رجع عليه مرة أخرى فهو الإرادة، و قد قامت بصاحبه السعادة، فإن عاد ثالثة فهو الهمّ، و لا يعود إلا لأمر مهم، فإن عاد رابعة فهو العزم، و لا يعود إلا لنفوذ الأمر الجزم، فإن عاد خامسة فهو النية، و هو الذي يباشر الفعل الموجود عن هذه البنية، و بين التوجه إلى الفعل و بين الفعل يظهر القصد، و هو صفة مقدسة يتصف بها الرب و العبد.
[سورة آل عمران (3): آية 160]
إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)
إن لم تنصروه يخذلكم، و إن خذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، فنصرته من جملة ما أخذ عليكم من عهده.
[سورة آل عمران (3): آية 161]
وَ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (161)
ثم توفى كل نفس ما كسبت أي ما عملت و هم لا يظلمون.
[سورة آل عمران (3): الآيات 162 الى 163]
أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (163)
«هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ» و لم يقل تعالى: لهم درجات عند اللّه، فجعلهم أعيان الدرجات، لأنهم عين الكمال الذاتي، و بالكمال العرضي لهم الدرجات الجنانية، فيقع التفاضل في الكمال العرضي، و لا يقع في الكمال الذاتي.
[سورة آل عمران (3): الآيات 164 الى 167]
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164) أَ وَ لَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) وَ ما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَ لِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَ قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (167)
المنافقون هم أحد الطوائف الأربعة الذين هم أهل النار و ما هم منها بمخرجين، و هم الذين أظهروا الإسلام للقهر الذي حكم عليهم، فخافوا على دمائهم و أموالهم و ذراريهم، و هم في نفوسهم على ما هم عليه من اعتقاد، إما تكبر على اللّه، أو يجعلون من اللّه إلها آخر، أو يعطلون الألوهية، فينفون الإله جملة واحدة، فلم يثبتوا إلها للعالم.
[سورة آل عمران (3): آية 168]
الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَ قَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (168)
[سورة آل عمران (3): آية 169]
وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)
[الشهيد حى]
النقلة من الدار الدنيا على ضربين، فمن الناس من ينتقل بموت، و هو مفارقة الحياة الدنيا، فيحيى بحياة الآخرة، و من الناس من ينتقل بالحياة الدنيا من غير موت، و هو الشهيد في سبيل اللّه خاصة، فهو في نفس الأمر حي يرزق و يأكل، يدركه المؤمن بإيمانه و المكاشف ببصره، فهو منتقل عن هذه الدار، و إن لم يتصف بالموت، و قد نهانا اللّه أن نقول لمن يقتل في سبيل اللّه، إنه ميت، و لا نحسب أنه ميت، بل هو حي عند ربه، و في إيماني يرزق، فإن اللّه تعالى وصف القتلى في سبيل اللّه بأنهم أحياء يرزقون، و نهى أن يقال فيهم أموات، و نفى العلم عمن يلحقهم بالأموات للمشاركة في صورة مفارقة الإحساس و عدم وجود الأنفاس، و ما يقال فيه إنه أفضل من الميت، إلا أنه أفضل من بعض الموتى، و هذه الآية أدلّ دليل على إبطال القياس، لأن المعتقدين موت المجاهدين المقتولين في سبيل اللّه إنما اعتقدوه قياسا على المقتول في غير سبيل اللّه، بالعلة الجامعة في كونهم رأوا كل واحد من المقتولين على صورة واحدة، من عدم الأنفاس و الحركات الحيوانية، و عدم الامتناع مما يراد من الفعل بهم، من قطع الأعضاء، و تمزيق الجلود، و أكل سباع الطير و السباع، و استحالة أجسامهم إلى الدود و البلى، فقاسوا فأخطئوا القياس، و لا قياس أوضح من هذا، أولا أدل في وجود العلة منه، و مع هذا أكذبهم اللّه و قال لهم: ما هو الأمر في المقتول في سبيلي كالمقتول في غير سبيلي، و نفى عنهم العلم الذي أعطاهم القياس في قوله في الآية الثانية (وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ) فإنه لما كان التقرب بالنفس إلى اللّه أسنى القربات، لذلك كان للشهداء لما تقربوا بأنفسهم إلى اللّه في قتال أعداء اللّه الحياة الدائمة، و الرزق الدائم و الفرح بما أعطاهم اللّه فلا يقال في الشهداء أموات لنهي اللّه عن ذلك، لأن اللّه أخذ بأبصار الخلق عن إدراك حياتهم، كما أخذ بأبصارهم عن إدراك الملائكة و الجن، مع معرفتنا أنهم معنا حضور، و لا نعتقد أيضا في الشهداء أنهم أموات بقوله: «وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ».
و خبر اللّه صدق، فثبت لهم الحياة لما قصدوا القربة إلى اللّه بنفوسهم، و الشهيد هو الحاضر عند اللّه، و لهذا قال: «عِنْدَ رَبِّهِمْ» فالشهيد حاضر عند ربه بمجرد الشهادة التي هي القتل في سبيل اللّه، فلا يغسل و هو عند ربه- مسئلة- الشهيد بالنص حي فكيف يورث ماله و تنكح عياله؟- الجواب- ما تفسد في الوجود صورة إلا و عين فسادها أيضا ظهور صورة، فما نزال في الصور، في حال النفع و الضرر، فالجهاد صلاح و فساد، لأن فيه حزّ الرءوس و مفارقة الحس المحسوس، فالشهيد يشبه الميت، فيما اتصف به من الفوت، و لذلك يورث ماله و ينكح عياله، فطلاق الشهيد يشبه تطليق الحاكم على الغائب، و إن كان حيا إذا أبعد في المذاهب، و قد ثبت عن سيد البشر لا ضرر و لا ضرار، و قد علم أن الشهيد هو سعيد بدار الخلود، و إن حصل تحت الصعيد، و لا سبيل إلى رجعته و لا إنزاله من رفعته، مع كونه حيا بفرح و يرزق، و ما هو عند أهله و لا طلّق، و هذه حالة الأموات، و الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون فرحين و هم عندنا رفات، و ما لنا إلا ما نراه، و لكل امرئ ما نواه، و لا نحكم إلا بما شهدناه، فاستمع تنتفع.
[سورة آل عمران (3): آية 170]
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)
فرحين ببيعهم لما رأوا فيه الربح، حيث انتقلوا إلى الآخرة من غير موت «وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ» أتى سبحانه بفعل الحال في قوله «وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ» فإن هذا الفعل يرفع الحزن في الحال و الاستقبال، بخلاف الفعل الماضي و المخلص للاستقبال بالسين أو سوف.
[سورة آل عمران (3): الآيات 171 الى 173]
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ (173)
«وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ» أي في اللّه الكفاية «وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ».
[سورة آلعمران (3): آية 174]
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَ اتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)
فمن كان اللّه حسبه انقلب بنعمة من اللّه و فضل لم يمسسه سوء، و جاء في ذلك بما يرضي اللّه «وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ» على من جعله حسبه، و الفضل الزيادة أي ما يعطيه على موازنة عمله بل أزيد من ذلك مما يعظم عنده إذا رآه ذوقا.
[سورة آل عمران (3): آية 175]
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)
الخوف من مقام الإيمان، و لكل موطن خوف يخصه إذا حققت، فما متعلق كل خوف إلا ما يكون من اللّه، و هو محدث، فما الخوف إلا من المحدثات، و اللّه يوجد في ذلك، فتعلق خوفنا بالموجد لذلك، و هذا قوله: «وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» فجعل الخوف نتيجة الإيمان، فإنه موقوف على العلم الإلهي الذي يأتي به الصادق من عند اللّه، فإن العلم من غير إيمان لا يعطيه، و حصل الخوف عند الرجال من اللّه لأنهم لا يعرفون مراد اللّه فيهم، و لا إلى أين ينقلهم، و لا في أي صفة و طبقة يميزهم، فلما أبهم الأمر عليهم عظم خوفهم منه.
| خف اللّه يا مسكين إن كنت مؤمنا | إذا جاء سلطان المنازع في الأمر |
| فإن جنحوا للسلم فاجنح لها تنل | بها رتب العلياء في عالم الأمر |
| و ما قلته بل قاله اللّه معلما | كما جاء في القرآن في محكم الذكر |
فخوف اللّه هو الخوف الأعظم، فإنه هو المسلّط و بيده ملكوت كل شيء، فأين الأمان؟ و من خافه التحق بالملإ الأعلى فيما وصفهم اللّه به في قوله تعالى: (يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ).
[سورة آل عمران (3): الآيات 176 الى 177]
وَ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (177)
[سورة آلعمران (3): آية 178]
وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (178)
و هذا من مكر اللّه الخفي بإرداف النعم على المخالف، فيطيل لهم ليزدادوا إثما، و الإملاء بسط في العمر و الدنيا، فيتصرفون فيهما بما يكون فيه شقاؤهم، قال تعالى: (وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) يقول يملي لهم مما هم فيه.
[سورة آل عمران (3): آية 179]
ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)
«فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ» هذا الأمر من الحق تقرير لصحة ما نسب من الأفعال إلى العبد شرعا، و لذلك قالوا: (رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ) فأضافوا الإيمان إليهم إيجادا «وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ». فاجعل أساس أمرك كله على الإيمان و التقوى حتى تبين لك الأمور، فإنه ما ثمّ إلا الإيمان فلا تعدل عنه.
[سورة آل عمران (3): آية 180]
وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)
«سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ» و ذلك في حق مانع الزكاة، قال عليه السلام:
[يمثل له ماله شجاعا أقرع- الحديث-] و فيه يقول: أنا كنزك، فيطوق به «وَ لِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» و اللّه تعالى ما يرث الأرض إلا بعد موت الإنسان الكامل، فإن بيننا و بين الحق نسبا و دينا، فلا يقع الميراث إلا في مستحق له، كما يرث السماء لما فيها من حكم أرواح الأنبياء عليهم السلام، لا من كونها محلّا للملائكة، فإذا صعقوا بالنفخة ورث اللّه السماء،
[كيف يرث اللّه السموات و الأرض و هي ملكه؟]
فإن قلت: كيف يرث اللّه السموات و الأرض و هي ملكه؟ قلنا: يرثها الاسم الإلهي الوارث من الأسماء الإلهية التي لها التصرف فيها، فإذا انقضت مدتها بالحكم فيها ما دامت على هذه الصورة و النظم الخاص و كانت المدبرة لها، فلما زال تدبيرها و انقضى حكمها الخاص لانقضاء أمد مدة القبول لذلك، سمى ذلك موتا، و صارت السموات و الأرض ورثا، فتولاها الاسم الوارث «و الله خبير بما تعملون».
[سورة آل عمران (3): آية 181]
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَ قَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ نَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (181)
لما نزل اللّه تعالى من مقام غناه عن العالمين إلى طلب القرض من عباده بقوله تعالى:
(وَ أَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً)* قالت اليهود: إن رب محمد يطلب منا القرض، و قالت اليهود: «إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ» و هو الغني «وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ» و هم الفقراء، فانعكست عندهم القضية، و هذا من المكر الإلهي الذي لا يشعر به، فكفرت اليهود فإنهم ليسوا بأغنياء عن اللّه و لا عن إسباغ النعم عليهم فضلا من اللّه و منّة، فالحق غناه مطلق بالنظر إلى ذاته و الخلق مفتقر على الإطلاق بالنظر أيضا إلى ذاته، فتميز الحق من الخلق، و هذا التمييز لا يرتفع أبدا لأنه تميز ذاتي في الموصوف به من حق و خلق، فالحق منفرد بالغنى كما وصف نفسه، فهو غني نفسه، و نحن أغنياء به في عين افتقارنا فيما لا نستغني عنه، فالفقر إلى اللّه تعالى الذي بيده ملكوت كل شيء ثابت و موجود، بقوله: «سَنَكْتُبُ ما قالُوا» أي سنوجب ما قالوه فيما يرجع ضرره عليهم، أي سيعلمون أن الفقر نعت واجب، لا يشكون فيه وجوبا ذاتيا من أجل قولهم: «وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ» لأنهم انحجبوا عما هو الأمر عليه من فقرهم.
(يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ) و لذلك كانوا كافرين، فستروا ما هم به عالمون ذوقا من أنفسهم، لا يقدرون على إنكاره، و لو باهتوا فالحال يكذبهم في قولهم: «وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ» و ليسوا بأغنياء و قولهم: «إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ» و ليس بفقير من حيث ذاته، فإنه غني عن العالمين، فألحقهم في العقاب بالكفار، و هم الذين ستروا ما يجب للحق عليهم من التنزيه، لذلك قال في تمام الآية «وَ نَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ» عقوبة لقولهم و فعلهم، فإن اليهود قالت: «إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ» أي من أجل فقره طلب القرض منا، فإن في القرض سد الخلة.
و غابوا عن الذي أراده الحق تعالى من ذلك من غاية الوصلة بخلقه، كما جاء في الصحيح [جعت فلم تطعمني] و هذه الآية تصديق لقوله تعالى: (وَ لَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ)
[الزم استحضار الفقر في كل نفس و على كل حال]
– نصيحة- الزم استحضار الفقر في كل نفس و على كل حال، و علق فقرك باللّه مطلقا من غير تعيين، فهو أولى بك، و إن لم تقدر على تحصيل عدم التعيين فلا أقل أن تعلقه باللّه تعالى مع التعيين، أوحى اللّه تعالى إلى موسى: يا موسى لا تجعل غيري موضع حاجتك، و سلني حتى الملح تلقيه في عجينك.
[سورة آل عمران (3): الآيات 182 الى 184]
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (182) الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (183) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ وَ الْكِتابِ الْمُنِيرِ (184)
الزبر معناه الكتابة.
[سورة آل عمران (3): آية 185]
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (185)
«كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» و هو عزلها عن تدبير هذا الهيكل الطبيعي الذي كانت تدبره في الدنيا في حال إقامتها فيها «فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ» الجنة فيها معنى الستر و بذلك سميت جنة، لأنها ستر عن النار لمن دخل فيها، «وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ».
| ألا إلى اللّه تصير الأمور | ما أنت يا دنياي إلا غرور |
| أهل التقى لم يأمنوا مكرها | مع التلقي فكيف أهل الفجور |
| لها صفات الحق في مكرها | و ما لنا في مكره من شعور |
| لو أنها تنصف في حالها | كانت لهم نعم البشير النذير |
| من صدقها في حالها أنها | أرت رحى الموت علينا تدور |
| و كان لي فيها و ما عندها | موعظة مذكرة للخبير |
| بها ينال العبد في كونها | كمال نعت الحق يوم النشور |
| و هي على النص إذا ما مضى | عنها و من يجحد هذا يجور |
| ميزانها قام بها و الذي | يعلمه هو العليم القدير |
فالموت للمؤمن تحفة، و النعش له محفة، ينقله من العدوة الدنيا إلى العدوة القصوى، حيث لا فتنة و لا بلوى.
[سورة آل عمران (3): الآيات 186 الى 187]
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (187)
«فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ» فلم يتذكروه لعدم شهودهم إياه، و ليس أولئك إلا الأئمة الضلال المضلّون، الذين ضلوا و أضلوا.
[سورة آل عمران (3): الآيات 188 الى 189]
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (188) وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)
[سورة آل عمران (3): آية 190]
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (190)
و هم الذين يعقلون معانيها بما ركب فيهم سبحانه من القوة العقلية، فهذه آيات دلالتها مشروطة بأولي الألباب، و هم العقلاء الناظرون في لب الأمور لا في قشورها، فهم الباحثون عن المعاني، و إن كانت الألباب و النهى العقول، فلم يكتف سبحانه بلفظة العقل حتى ذكر الآيات لأولي الألباب، فما كل عاقل ينظر في لبّ الأمور و بواطنها، فإن أهل النظر لهم عقول بلا شك، و ليسوا بأولي الألباب، و لا شك أن العصاة لهم عقول و لكن ليسوا بأولي نهى.
[سورة آل عمران (3): آية 191]
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (191)
الذاكرون ثلاثة: ذاكر قائم، و هو الذي له مشاهدة قيومية الحق، فيراه قائما على كل نفس بما كسبت، فلا يشهده إلا هكذا في ذكره، و ذاكر قاعد، و هو الذي يشهد من الحق استواءه على العرش، و ذاكر على الجنوب، و هو يقرب من الغيوب، لأنها حالة النائم أو المريض، و هو قريب من حضرة الخيال و هي محل الغيوب، و إنما قلنا ذلك لأن العالم مرآة الحق، و الحق مرآة الرجل الكامل، و ينعكس النظر في المرآة، فيظهر في المرآة ما هو في المرآة الأخرى، لا يعرف ذلك إلا من رأى ذلك «وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» التفكر بمعنى الاعتبار لا يكون في أحد من المخلوقين سوى هذا الصنف البشري، و هو لأهل العبر الناظرين في الموجودات من حيث ما هي دلالات، لا من حيث أعيانها و لا من حيث ما تعطي حقائقها، لذلك قال تعالى: «وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» فإذا تفكروا أفادهم ذلك التفكر علما لم يكن عندهم، فهم أصحاب البصر الذي يعتبر، و صاحب الأذن التي تعي و صاحب القلب الذي يعقل، فيعطيهم التفكر مما سمعوا و أبصروا و تقليب الأحوال عليهم أن يقولوا «رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ» فسبحوه، أي جعلوه منزها عن إيجاب العلة عليه في خلقه، لأنه إذا خلقها لحكمة فكأن تلك الحكمة أوجبت الخلق عليه، و ما ثم موجب عليه إلا ما يوجبه بنفسه على نفسه لخلقه امتنانا منه لصدق وعده لا غير،و تمم بالتعريف بقوله: «فَقِنا عَذابَ النَّارِ» و ليست إلا الطبيعة في هذه الدار، كما هي النار الحسية في الدار الآخرة، فما عدلوا إلى الاستجارة به من عذاب النار، إلا و قد أعطاهم الفكر في خلق السموات و الأرض علما، أشهدهم النار ذلك العلم، فطلبوا من اللّه أن يحول بينهم و بين عذاب النار. و هكذا فائدة كل مفكّر فيه إذا أعطى للمفكّر علما ما يسأل اللّه منه بحسب ما يعطيه
[نصيحة- «وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ»]
– نصيحة- «وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» و أمثال ذلك، هاهنا ننظر امتثالا لهذا الأمر، و إذا وفيت هذا الأمر حقه، حينئذ تطلب من الحق الفائدة التي ينتجها الحق منه سبحانه لا من الفكر.
[سورة آل عمران (3): الآيات 192 الى 193]
رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (192) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَ تَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193)
اعلم أنه لا يعتمد على سبب محدث عادي إلا بإعلام من اللّه أنه يثبت حكمه، كالإيمان الذي ثبت معه السعادة فيعتمد عليه، فالسعادة مرتبطة بالإيمان باللّه و بما جاء من عنده لإعلام الحق بذلك، و أما قولهم «وَ تَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ» الذين غمرتهم بإحسانك.
[سورة آل عمران (3): الآيات 194 الى 195]
رَبَّنا وَ آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَ لا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (194) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَ قاتَلُوا وَ قُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ لَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (195)
«فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ» كان العمل ما كان، فإن كان خيرا فلا يضيع أجره، و إن لم يكن خيرا فإن اللّه لا يضيعه، لأنه لا بد أن يبدل اللّه سيئات التائب حسنات، فإن لم يكن العمل غير مضيع و إلا ففي أي أمر يقع التبديل، لأن الأعمال صور أنشأها العامل، لا بل أنشأها اللّه، فإنه العامل و العبد محل ظهور ذلك العمل، فكيف يضيع عنه أو يضيعه، و هو خلق خلقه يسبح بحمده.
[سورة آل عمران (3): الآيات 196 الى 199]
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمِهادُ (197) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (198) وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (199)
الخشوع لا يكون حيث كان إلا عن تجل إلهي على القلوب، ففي قلب المؤمن يكون عن تعظيم و إجلال، فإذا وقع التجلي حصل الخشوع، و أورث التجلي العلم، و العلم يورث الخشية، و الخشية تعطي الخشوع، و الخشوع يعطي التصدع، و هو انفعال الطبع للخشوع.
[سورة آل عمران (3): آية 200]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)
الرباط أن يلزم الانسان نفسه دائما من غير حد ينتهي إليه، أو يجعله في نفسه، فإذا ربط نفسه بهذا الأمر، فهو مرابط، و الرباط ملازمة، و هو من أفضل أحوال المؤمن، فكل إنسان إذا مات يختم على عمله إلا المرابط، فإنه ينمّى له إلى يوم القيامة، و يأمن فتان القبر، ثبت هذا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و الرباط في الخير كله، ما يختص به خير من خير، فالكل سبيل اللّه، فإن سبيل اللّه ما شرعه اللّه لعباده أن يعملوا به، فما يختصّ بملازمة الثغور فقط و لا بالجهاد، فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال في انتظار الصلاة بعد الصلاة: إنه رباط. «وَ اتَّقُوا اللَّهَ) يعني في ذلك كله، أي اجعلوه وقاية تتقوا به هذه العزائم، و ذلك معونته في قوله (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ)* (و استعينوا باللّه) فهذا معنى قوله «اتَّقُوا اللَّهَ»* «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» أي تكون لكم النجاة من مشقة الصبر و الرباط.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 490