تفسیر ابن عربی سوره النحل

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة النّحل

(16) سورة النّحل مكيّة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[سورة النحل (16): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

أَتى‏ أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)

«أَتى‏» بالماضي‏ «أَمْرُ اللَّهِ» يوم القيامة و إن كان لم يأت بعد و لكن تقطع النفس المؤمنة بإتيانه فلا فرق عندها بين حصوله و عدم حصوله و عبر بالماضي عن المستقبل لتحقق وقوعه و لا بد و زوال حكم الإمكان فيه إلى حكم الوجوب و كل ما كان بهذه المثابة فحكم الماضي فيه و المستقبل على السواء و سياقه بالماضي آكد في الوقوع و تحققه من بقائه على الاستقبال.

[سورة النحل (16): آية 2]

يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (2)

«يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ» لما كان العلم تحيا به القلوب كما تحيا بالأرواح أعيان الأجسام كلها سمي العلم روحا تنزل به الملائكة على قلوب عباده فهم المعلمون و الأستاذون في الغيب، يشهدهم من نزلوا عليه، فإذا نزل هذا الروح في قلب العبد بتنزيل الملك أو بإلقاء اللّه و وحيه، حيي به قلب المنزل عليه، فكان صاحب شهود و وجود، لا صاحب فكر و تردد و لا علم يقبل عليه دخلا فينتقل صاحبه من درجة القطع إلى حال النظر «مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ» و هي النبوة العامة لأن من نكرة «أَنْ أَنْذِرُوا» فما جاء إلا بالإعلام، و فيه ضرب من الزجر حيث ساق الإعلام بلفظة الإنذار، فهو إعلام بزجر فإنه البشير و النذير، و البشارة لا تكون إلا عن إعلام، فغلب في الإنزال الروحاني باب الزجر و الخوف، لما قام بالنفوس من الطمأنينة الموجبة إرسال الرسل ليعلموهم أنهم عن الدنيا إلى الآخرة منقلبون، و إلى اللّه من نفوسهم راجعون‏ «أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا» هذا هو التوحيد الخامس عشر في القرآن‏ و هو توحيد الإنذار، و هو توحيد الإناية (أَنَا) «فَاتَّقُونِ» و هي نبوة خاصة بنبوة التشريع، لأن الإنذار مقرون أبدا بنبوة التشريع، و يكون الروح صورة قوله‏ «لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ» فإنه لم يقل هو، فكان الروح هو الملقى-

وجه آخر- الملائكة هنا هي التي نزلت بالإنذار من أجل أمر اللّه لهم بذلك، فاستوى في هذا التنزل في التوحيد رسل البشر و المرسلون إليهم، و الروح هنا ما نزلوا به من الإنذار، ليحيى بقبوله من قبله من عباده كما تحيى الأجسام بالأرواح، فحييت بهذا الروح المنزل رسل البشر، فأنذروا بهذا التوحيد العظيم الذي نزل من جبار عظيم بتخويف و تهديد مع لطف خفي في قوله‏ «فَاتَّقُونِ» أي فاجعلوني وقاية تدفعون بي ما أنذرتكم به، هذا لطفه، ليس معناه فخافوني، لأنه ليس للّه وعيد و بطش مطلق شديد ليس فيه شي‏ء من الرحمة و اللطف، و مثل هذه الآية قوله تعالى‏ (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) نبوة عامة (لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ) نبوة تشريع لا نبوة عموم- بحث في نزول الملائكة على البشر- قال بعض أصحابنا كالإمام أبي حامد الغزالي و غيره بأن الفرق بين الولي و النبي نزول الملك، فإن الولي ملهم، و النبي ينزل عليه الملك مع كونه يكون ملهما، فإنه جامع بين الولاية و النبوة،

و هذا غلط عندنا من القائلين به، و دليل عدم ذوق القائلين به، و إنما الفرقان إنما هو فيما ينزل به الملك لا في نزول الملك، فالذي ينزل به الملك على الرسول و النبي خلاف الذي ينزل به الملك على الولي التابع، فإن الملك قد ينزل على الولي التابع بالاتباع، و بإفهام ما جاء به النبي مما لم يتحقق هذا الولي العلم به و إن كان متأخرا عنه بالزمان، أعني متأخرا عن زمان وجوده، فقد ينزل عليه بتعريف صحة ما جاء به النبي و سقمه مما قد وضع عليه، أوتوهم أنه صحيح عنه، أو ترك لضعف الراوي و هو صحيح في نفس الأمر، و قد ينزل عليه الملك بالبشرى من اللّه بأنه من أهل السعادة و الفوز و بالأمان، كل ذلك في الحياة الدنيا، فإن اللّه عزّ و جل يقول: (لَهُمُ الْبُشْرى‏ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) و قال في أهل السعادة القائلين بربوبية اللّه أن الملائكة تنزل عليهم، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا)

[بحث في نزول الملائكة على البشر]

من أولياء اللّه من يكون له ذوق الإنزال في التنزيل، فما طرأ ما طرأ على القائلين بخلاف هذا إلا من اعتقادهم في نفوسهم أنهم قد عموا بسلوكهم جميع الطرق و المقامات، و أنه ما بقي مقام إلا و لهم فيه‏ ذوق، و ما رأوا أنهم نزل عليهم ملك، فاعتقدوا أن ذلك مما يختص به النبي، فذوقهم صحيح و حكمهم باطل، فمن هناك وقع الغلط، و لو وصل إليهم ممن تقدمهم أو كان معهم في زمانهم من أهل اللّه القول بنزول الملك على الولي قبلوه و ما ردوه.

[سورة النحل (16): آية 3]

خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ (3)

[ «خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ»]

«خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ» الحق هنا ليس عينا موجودة، بل الباء هنا بمعنى اللام، و لهذا قال تعالى في تمام الآية «تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ» من أجل الباء، و الأمر في نفسه في حق السماء و الأرض، و ما أنزل‏ (ما بَيْنَهُما) حتى يعم الوجود كله، مثل قوله‏ (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) كذلك ما خلق السموات و الأرض إلا بالحق، أي للحق، فاللام التي نابت الباء هنا منابها عين اللام في قوله‏ «لِيَعْبُدُونِ» فخلق السموات و الأرض للحق، و الحق أن يعبدوه، و لهذا قال: «تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ» فالحق تعالى لا يخلق شيئا بشي‏ء، لكن يخلق شيئا عند شي‏ء، فكل ما يقتضي الاستعانة و السببية فهي لام الحكمة، فما خلق اللّه شيئا إلا للحق، و الحق أن يعبدوه، فعلى الحقيقة إن اللّه لا يخلق شيئا بشي‏ء، و إن خلقه لشي‏ء فتلك لام الحكمة، و عين خلقه عين الحكمة، إذ خلقه تعالى لا يعلل، فالخلق عبد بالذات أثرت فيه العوارض، و لا سيما الشخص الإنساني، بل ما أثرت العوارض إلا في الشخص الإنساني وحده دون سائر الخلق، و ما سواه فعلى أصله من التنزيه، تنزيه خالقه عن الشريك، من هذا يتضح خطأ من جعل هذا الحق المخلوق به عين علة الخلق، و الحق تعالى لا يعلل خلقه، هذا هو الصحيح في نفسه، حتى لا يعقل فيه أمر يوجب عليه ما ظهر من خلقه، بل خلقه الخلق منة منه على الخلق ابتداء فضل و هو الغني عن العالمين،

و كذلك خطأ من جعل هذا الحق المخلوق به عينا موجودة بها خلق اللّه ما سواها، و هو صدور معلول عن علة أوجبت العلة صدوره، و هذا فيه ما فيه‏ «تَعالى‏ عَمَّا يُشْرِكُونَ» اعلم أن اللّه هو اللطيف الخبير العلي القدير الحكيم العليم، الذي ليس كمثله شي‏ء و هو السميع البصير، لما خلق الأشياء و ذكر أن له الخلق و الأمر تبارك اللّه رب العالمين، وضع الأسباب و جعلها له كالحجاب فهي توصل إليه تعالى كل من علمها حجابا، و هي تصد عنه كل من اتخذها أربابا، فذكرت الأسباب في أنبائها أن اللّه من ورائها، و أنها غير متصلة بخالقها- فإن الصنعة لا تعلم صانعها- و لا منفصلة عن رازقها فإنها تأخذ عنه مضارها و منافعها، فخلق الأرواح و الأملاك و رفع السموات قبة فوق قبة على عمد الإنسان، و أدار الأفلاك، و دحى الأرض ليميز بين الرفع و الخفض، و عيّن الدنيا طريقا للآخرة، و أرسل بذلك رسله تترى، لما خلق في العقول من العجز و القصور عن معرفة ما خلق اللّه من أجرام العالم و أرواحه و لطائفه و كثائفه، فإن الوضع و الترتيب ليس العلم به من حظ الفكر، بل هو موقوف على خبر الفاعل لها و المنشئ لصورها، و متعلق علم العقل من طريق الفكر إمكان ذلك خاصة لا ترتيبه، ثم إن اللّه تعالى قدّر في العالم العلوي المقادير و الأوزان و الحركات و السكون في الحال و المحل و المكان و المتمكن، فخلق السموات و جعلها كالقباب على الأرض قبة فوق قبة، و جعل هذه السموات ساكنة، و خلق فيها نجوما، و جعل في سيرها و سباحتها في هذه السموات حركات مقدّرة لا تزيد و لا تنقص، و جعلها عاقلة سامعة مطيعة، ثم إن اللّه تعالى يحدث عند هذه الحركات الكوكبية في الطرق السماوية في عالم الأركان و في المولدات أمورا مما أوحى في أمر السماء، و جعل ذلك عادة مستمرة ابتلاء من اللّه ابتلى بها عباده، فمن الناس من جعل ذلك الأثر عند هذا السير للّه تعالى، و من الناس من جعل ذلك لحركة الكوكب و شعاعه، لما رأى أن عالم الأركان مطارح شعاعات الكواكب، فأما الذين آمنوا باللّه فزادتهم إيمانا باللّه، و أما الذين آمنوا بالباطل فزادتهم إيمانا بالباطل و كفروا، و هم الخاسرون الذين ما ربحت تجارتهم و ما كانوا مهتدين.

[سورة النحل (16): الآيات 4 الى 5]

خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) وَ الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْ‏ءٌ وَ مَنافِعُ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ (5)

الأنعام من الإنعام، تحمل الأثقال و الرحال، و عليها تمتطي الرجال، و من أعجب ما يكون أن الوضوء من أكل لحومها مسنون، لشربها من بئر شطون.

[سورة النحل (16): الآيات 6 الى 7]

وَ لَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَ حِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَ تَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى‏ بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (7)

«لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ» و هو نصف ذاتك، أي ما كنت تصل إليه إلا بالوهم و التخيل لا بالحس إلا بواسطة هذه المراكب.

[سورة النحل (16): آية 8]

وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَ زِينَةً وَ يَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (8)

فهي من زينة اللّه التي قال فيها (مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ).

[سورة النحل (16): آية 9]

وَ عَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَ مِنْها جائِرٌ وَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (9)

[ «وَ عَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَ مِنْها جائِرٌ» الآية]

أوجب الحق على نفسه أن يعرّف طريق سعادة العباد- و هو الإيمان باللّه، و بما جاء من عند اللّه، مما ألزمنا فيه الإيمان به، فإن العالم في حال جهل بما في علم اللّه من تعيين تلك الطريق- عن طريق الرسول، لذلك قال تعالى: «وَ عَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَ مِنْها جائِرٌ» أي هذا الذي أوجبته على نفسي، كأن اللّه يقول: الذي يلزم جانب الحق منكم أن يبيّن لكم السبيل الموصل إلى سعادتكم، و قد فعلت، فإنكم لا تعرفونه إلا بإعلامي لكم به و تبييني، و جاء بالألف و اللام للشمول في السبيل، فإنها كلها سبل يراها من جاهد في اللّه، فأبان له ذلك الجهاد السبل الإلهية، فسلك منها الأسدّ في نفسه، و عذر الخلق فيما هم عليه من السبل و انفرد باللّه، فهو على نور من ربه‏ «وَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» أي أنتم قابلون لذلك، و لكن حقت الكلمة و سبق العلم و نفذت المشيئة، فلا راد لأمره و لا معقّب لحكمه، إن اللّه فعال لما يريد.

[سورة النحل (16): الآيات 10 الى 12]

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَ مِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَ الزَّيْتُونَ وَ النَّخِيلَ وَ الْأَعْنابَ وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12)

اعلم أن اللّه تعالى لما رفع السماء و وضع الميزان في سباحة الكواكب في أفلاكها التي هي طرق السموات، لتجري بالمقادير الكائنة في العالم على قدر معلوم لا تتعداه، فهي تعطي و تمنع بذلك الميزان الذي وضع الحق لها، لأنها تشاهد الميزان الذي بيد الحق حين يخفض به و يرفع، فإذا نظرت إلى من رفعه الحق بميزانه أعطته ما يستحقه مقام الرفع، و إذا رأت الحق يضع بميزانه من شاء أعطته ما يستحقه مقام الوضع، و ذلك هو التسخير الذي ورد في القرآن في النجوم أنها مسخرات بأمره، فيقول العالم و المؤمن:

مطرنا بفضل اللّه و رحمته، بالوزن الذي جعله في سباحة كوكب من الكواكب و ما قدره اللّه له من المنازل التي ينزل فيها، و المحجوب و الكافر يقول: مطرنا بنوء كذا و كذا، فيذكر الكوكب المجبور في ذلك، و يضيف ما ظهر من المطر الصائب إليه‏ «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»* الذين يعقلون عن اللّه كل شي‏ء في العادة عندهم فيه تعجب، و أما أصحاب العوائد فإنهم لا تعجب عندهم إلا فيما ظهر فيه خرق العادة.

[سورة النحل (16): الآيات 13 الى 15]

وَ ما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَ تَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَ أَلْقى‏ فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ أَنْهاراً وَ سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15)

فالأرض هي الثابتة الراسية، سكّن ميدها جبالها التي جعلها اللّه أوتادها، لما تحركت من خشية اللّه آمنها اللّه بهذه الأوتاد، فسكنت سكون الموقنين.

[سورة النحل (16): آية 16]

وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16)

العامة لا ترى الأنوار التي في كواكب السماء إلا زينة خاصة، و يراها العلماء بمنازلها و سيرها و سباحتها في أفلاكها موضوعة للاهتداء بها، فاتخذوها علامات على ما يبغونه في سيرهم في ظلمات البر و البحر.

[سورة النحل (16): آية 17]

أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ (17)

لما كانت القدرة الحادثة التي للمخلوق الذي اتّخذ إلها، لا تزيد على قدرة العابد إياه، فهي قاصرة عن سريانها في جميع الأفعال، فإن القدرة الحادثة لا تخلق المتحيزات من أعيان الجواهر و الأجسام، فعبدوا من لم يخلق أعيانهم، لهذا وبخهم تعالى بقوله: «أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ» فالخلق هنا بمعنى الإيجاد، و لذلك تمدح به تعالى، و جعله فرقانا بين من ادعى الألوهية أو ادعيت فيه، و فيه رد على عبدة الأوثان، فنفى الخلق عن الخلق، فلو لم يرد عموم نفي الخلق عن الخلق لم تقم به حجة على من عبد فرعون و أمثاله ممن أمر من المخلوقين أن يعبد من دون اللّه، فإن الخلق من خصوص وصف الإله، فلو وقعت المشاركة في الخلق لما صح أن يتخذها تمدحا و لا دليلا مع الاشتراك في الدلالة، هذا لا يصح فيعلم قطعا أن الخالق صفة أحدية للّه لا تصح لأحد غير اللّه، و ما جعل اللّه الخلق دليلا عليه من جملة الأدلة على توحيده إلا لانفراده بالخلق، فيقول تعالى لمن يدعي الخلق أو ينسب الفعل إلى نفسه‏ «أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ» فلما تمدح بالخلق دل من مضمون الكلام أن لا خالق للأشياء كلها إلا هو، من أفعال العباد و غيرها، و لو كانت أفعال العباد خلقا لهم، لم يكن ذكره للخلق تمدحا خاصا لوقوع الاشتراك، فتحقق مذهب أهل الحق في أن لا موجد و لا فاعل إلا هو، فنسبة الأفعال إلى نفس الإنسان ألوهية خفية في نفس كل إنسان، و هو الشرك الخفي المعفو عنه.

[سورة النحل (16): آية 18]

وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18)

[ «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها»]

اتبع الحق الخلق الذي هو الإيجاد بقوله تعالى‏ «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها» فإن أول نعمة عقلتها من ربك إخراجك من العدم إلى الوجود، و قد عدد هذا المقام عليك من‏ جملة نعمه فقال: (أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً) فهذه أول نعمة أنعم بها عليك، لو كلّفك اللّه شكر هذه النعمة وحدها، و جعل معك أهل السموات و الأرض بعبادتهم مؤيدين لك عمرك الأخروي الذي لا نهاية له، ما قمت بشكرها، كيف و قد انضاف إليها نعم كثيرة؟!

منها كونه أوجدك متغذيا ناميا، و لم يجعلك جمادا صلدا، فكانت القدرة ممكنة لما أوجدتك و لم تك شيئا، أن تنزلك في أمة الجمادات، و لكن مقام النبات أعلى، و أمته أفضل، فجعلك متغذيا و لم يجعلك جمادا، و هذه نعمة كبيرة و لا يؤدى شكرها و لا يقدّر قدرها، ثم زادك اللّه نعمة على هذه النعمة بأن نقلك من أمة النبات و الشجر، إلى أمة الحيوان، فجعلك حساسا، فوجب عليك من الشكر و العبادة ما وجب على الجماد و النبات و الحيوان، فإنك قد جمعت حقائقهم و زدت على كل واحد منهم، ثم زادك اللّه تبارك و تعالى، نعمة أخرى إلى هذه النعم، فجعلك ناطقا، و فضلك على الحيوان الحساس خاصة، فزدت معرفة بما لا يعرفه الحيوان، فأعطاك بنطقك حقيقة الملك، و هو الاشتراك في العقل الإلهي، فوجب عليك ما وجب على الملك من جهة روحك، فأنت مطالب بالحضور الدائم، ثم أنعم اللّه عليك بنعمة الاختصاص، فجعلك موحدا و لم يجعلك مشركا، لا ليد تقدمت لك عليه، فهذا اختصاص، إذ قد قسّم جنسك إلى موحد و إلى مشرك و جعلك من حزب الموحدين، ثم زادك إلى هذه النعمة نعمة أخرى،

و هي إيمانك بالرسول صلّى اللّه عليه و سلم، و لم يجعلك مكذبا برسوله كما فعل بغيرك من أبناء جنسك حيث كفر برسوله، فقد حبانا اللّه بالإيمان بالنبي صلّى اللّه عليه و سلم حين خذل غيرنا، ثم نعمة أخرى لما جعلك مؤمنا بنبي جعلك من أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم، و لم يجعلك من أمة غيره من الأنبياء، و هنا نعم منها أن ألحق هذه الأمة بدرجة الأنبياء باتباعهم محمدا صلّى اللّه عليه و سلم، و عيسى عليه السلام من جملة أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم، و هو رسول اللّه و روحه و كلمته، و النعمة الأخرى أن جعلك شهيدا على سائر الأمم، و هي مرتبة النبوة، فإنهم الشهداء على أممهم، فهذه مواطن تحشر فيها غدا مع النبيين، و نعمة أخرى لم يعطها أحدا قبلك من الأمم، فإنك مؤمن بنبيك آخر الأنبياء و بمن تقدم إلى آدم، و لكل نعمة شكر يخصها و عمل يطابقها، ثم أنه حفظك من البدعة و ميزك في ديوان السنة، فهذا اختصاص، ثم أهل السنة قسمهم قسمين: عالم و جاهل، فجعلك عالما بما تعبدك به من شريعته و لم يجعلك جاهلا بذلك، فهذه نعمة يجب أيضا شكرها،ثم جعل العالمين على قسمين: طائع و عاصي، فجعلك من الطائعين و لم يجعلك من العاصين، فهذه نعمة عظيمة، فقد غمرتك النعم، و لا يتسع الليل و النهار لأداء شكر واجبات هذه النعم، و أنه إن اشتغلنا بواحدة منها، فغايتنا أن نقطع ضياءنا و ظلامنا ببعض ذرة من واحدة، فعلى هذا يجب علينا الذي يمكننا أن نفعله أن لا يرانا اللّه وقتا واحدا بطالين و لا متصرفين في مباح إلا حاضرين بقلوبنا على الدوام، مكفوفي الجوارح عن التصرف المحظور علينا، مطلوقي الألسنة بالذكر، و بإظهار العلم و الشكر عليه، و الاعتراف بالتقصير دائما، و توبيخ النفوس الذي أراده الحق منا، لا تعديلها و تزكيتها، و عطايا الحق كلها نعم، إلا أن النعم في العموم موافقة الغرض و عوارف الحق مننه و نعمه على عباده، فما أطلعك منها على شي‏ء إلا ليردك ذلك الشي‏ء منك إليه، فهو دعاء الحق في معروفه، لما رأى عندك من الغفلة عنه، فتحبب إليك بالنعم‏ «إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ».

[سورة النحل (16): الآيات 19 الى 22]

وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَ ما تُعْلِنُونَ (19) وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22)

«وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ» فنؤمن به من حيث ما جاء به الخبر، لا من حيث الدليل، فذلك التصديق هو الإيمان.

[سورة النحل (16): الآيات 23 الى 29]

لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23) وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24) لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ مِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (25) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ أَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (26) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَ يَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَ السُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (27)

الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى‏ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29)

[سبب تكبر الثقلين دون سائر الموجودات‏]

اعلم أنه ما تكبر أحد من خلق اللّه على أمر اللّه غير الثقلين، و لا عصى اللّه أحد من خلق اللّه سوى الثقلين، و اعلم أن السبب الموجب لتكبر الثقلين دون سائر الموجودات، أن سائر الموجودات توجه على إيجادهم من الأسماء الإلهية أسماء الجبروت و الكبرياء و العظمة و القهر و العزة، فخرجوا أذلاء تحت هذا القهر الإلهي، و تعرف إليهم حين أوجدهم بهذه الأسماء، فلم يتمكن لمن خلق بهذه المثابة أن يرفع رأسه و لا أن يجد في نفسه طعما للكبرياء على أحد من خلق اللّه، فكيف على من خلقه؟

و قد أشهده أنه في قبضته و تحت قهره، و شهدوا كشفا نواصيهم و نواصي كل دابة بيده، فمن كان حاله في شهوده نظره إلى ربه كيف يتصور منه عزّ و كبرياء على خالقه مع هذا الكشف؟ و أما الثقلان فخلقهم بأسماء اللطف و الحنان و الرأفة و الرحمة و التنزل الإلهي، فعند ما خرجوا لم يروا عظمة و لا عزا و لا كبرياء، و رأوا نفوسهم مستندة في وجودها إلى رحمة و عطف و تنزل، و لم يبد اللّه لهم من جلاله و لا كبريائه و لا عظمته في خروجهم إلى الدنيا شيئا يشغلهم عن نفوسهم، فلو أشهدهم أن نواصيهم بيد اللّه شهادة عين، أو إيمان كشهادة عين- كشهادة الأخذ من الظهور- ما عصوا اللّه طرفة عين، و كانوا مثل سائر المخلوقات يسبحون الليل و النهار لا يفترون، فلما ظهروا عن هذه الأسماء الرحمانية، قالوا: يا ربنا لم خلقتنا؟

قال: (لتعبدون) أي لتكونوا أذلاء بين يدي، فلم يروا صفة قهر و لا جناب عزة تذلهم، بل نظروا إلى الأسماء التي وجدوا عنها، فما رأوا اسما إلهيا منها يقتضي أخذهم و عقوبتهم إن عصوا أمره و نهيه و تكبروا على أمره، فلم يطيعوه و عصوه.

 

[سورة النحل (16): آية 30]

وَ قِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَ لَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَ لَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (30)

«وَ قِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً» فكل شي‏ء من اللّه حسن ساء ذلك الشي‏ء أم سر.

[سورة النحل (16): آية 31]

جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31)

[لا بد أن الآخرة تطلب حشر الأجساد و ظهورها]

إذا كانت الآخرة، عاد الحكم فيما تحوي عليه الخزائن التي عند اللّه إلى العبد الذي كمّل اللّه سعادته، فيدخل فيها متحكما، فيخرج منها ما يشاء بغير حساب و لا قدر معلوم، بل يحكم بما يختاره في الوقت، فإنه يعطى التكوين، فكل ما خطر له تكوينه كوّنه، فلا يزال خلّاقا دائما، فلا بد أن الآخرة تطلب حشر الأجساد و ظهورها، و لا بد من إمضاء حكم التكوين فيها، فإن الأمر فيها على أتم الوجوه و أكملها، ففي الدنيا في العموم تقول للشي‏ء كن فيكون في التصور و التخيل، لأن موطن الدنيا ينقص في بعض الأمزجة عن التكوين في العين في الظاهر، و في الآخرة تقول ذلك بعينه لما تريد أن يكون كن فيكون في عينه من خارج، كوجود الأكوان هنا عن كن الإلهية عند أسبابها، فكانت الآخرة أعظم كمالا من هذا الوجه، لتعميم الكلمة في الحضرتين الخيال و الحس.

[سورة النحل (16): الآيات 32 الى 33]

الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33)

«وَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ» فإنهم لا يرجعون عند ما يبصرون، و لا يعقلون عند ما يسمعون، و لا يصيبون عند ما يتكلمون‏ «وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» فكانوا هم الظالمين، فإنهم ظلموا الحقوق أهلها، فإن لهم قلوبا يعقلون و يفقهون بها، و إن لهم أعينا يبصرون بها، و إن لهم آذانا يسمعون بها، فأنزلوا أنفسهم منزلة الأنعام بل أضل سبيلا.

[سورة النحل (16): الآيات 34 الى 40]

فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (34) وَ قالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ نَحْنُ وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (35) وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) إِنْ تَحْرِصْ عَلى‏ هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (37) وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى‏ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (38)

لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (39) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40)

«إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ» الإرادة هنا التوجه الإلهي بالإيجاد، فنفى الأثر فيه عن السبب إن كان أوجده عند سبب مخلوق، و لما توقف حكم الإرادة على حكم العلم قال: «إِذا أَرَدْناهُ» فجاء بظرف الزمان المستقبل في تعليق الإرادة، و الإرادة واحدة العين، فانتقل حكمها من ترجيح بقاء الممكن في شيئية ثبوته إلى حكمها بترجيح ظهوره في شيئية وجوده،

 

 

[مسألة الوجود العيني و الأعيان الثابتة]

و الشي‏ء هو الممكنات، و أجناسها محصورة في جوهر متحيز و جوهر غير متحيز، و أكوان و ألوان، و ما لا ينحصر هو وجود الأنواع و الأشخاص‏ «أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» فجعل سبحانه نسبة التكوين إلى نفس المأمور به، و القدرة لا تتعلق بإيجاد الممكن إلا بعد تخصيص الإرادة، كما لا تتمكن القدرة من الممكن حتى يأتيه أمر الآمر من ربه، فإذا أمره بالتكوين و قال له‏ «كُنْ» مكّن القدرة من نفسه، و تعلقت القدرة بإيجاده، فكونته من حينه، فالاسم المريد هو المرجح و المخصص جانب الوجود على جانب العدم- مسئلة الوجود العيني و الأعيان الثابتة- ما ورد في الشرع قط أن اللّه يشهد الغيوب، و إنما ورد يعلم الغيوب، و لهذا وصف نفسه بالرؤية فقال: (أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى‏) و وصف نفسه بالبصر و بالعلم، ففرّق بين النسب و ميز بعضها عن بعض ليعلم ما بينها، و لما لم يتصور أن يكون في حق اللّه غيب، علمنا أن الغيب أمر إضافي لما غاب عنا، و ما يلزم من شهود الشي‏ء العلم بحده و حقيقته، و يلزم من العلم بالشي‏ء العلم بحده و حقيقته، عدما كان أو وجودا، و إلا فما علمته، و قد وصف الحق نفسه بأنه‏ (عَلَّامُ الْغُيُوبِ) و الأشياء كلها مشهودة للحق في حال عدمها، و لو لم تكن كذلك لما خصص بعضها بالإيجاد عن بعض، إذ العدم المحض الذي ليس فيه أعيان ثابتة لا يقع فيه تمييز شهود، بخلاف عدم الممكنات، فكون العلم ميز الأشياء بعضها عن بعض و فصل بعضها عن بعض، هو المعبر عنه بشهوده إياها و تعيينه لها، أي هي بعينه يراها، و إن كانت موصوفة بالعدم فما هي معدومة للّه الحق من حيث علمه بها، كما أن تصور الإنسان المخترع للأشياء صورة ما يريد اختراعها في نفسه ثم يبرزها، فيظهر عينها لها، فاتصفت بالوجود العيني، و كانت في حال عدمها موصوفة بالوجود الذهني في حقنا، و الوجود العلمي في حق اللّه، فظهور الأشياء من وجود إلى وجود، من وجود علمي إلى وجود عيني.

و اعلم أن الطبيعة للأمر الإلهي محل ظهور أعيان الأجسام، فيها تكونت و عنها ظهرت، فأمر بلا طبيعة لا يكون، و طبيعة بلا أمر لا تكون، فالكون متوقف على الأمرين، و لا تقل إن اللّه قادر على إيجاد شي‏ء من غير أن ينفعل أمر آخر، فإن اللّه يرد عليك في ذلك بقوله: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» فتلك الشيئية العامة لكل شي‏ء خاص- و هو الذي وقع فيها الاشتراك- هي التي أثبتناها، و إن الأمر الإلهي عليها يتوجه لظهور شي‏ء خاص في تلك الشيئية المطلقة، فإذا ظهرت الأجسام أو الأجساد ظهرت الصور و الأشكال و الأعراض و جميع القوى الروحانية و الحسية، و ربما قيل: هو المعبر عنها بلسان الشرع العماء الذي هو للحق قبل خلق الخلق، ما تحته هواء و ما فوقه هواء، فذكره و سماه باسم موجود يقبل الصور و الأشكال، و على ذلك فثبوت عين الممكن في العدم به يكون التهيؤ لقبول الآثار، و ثبوته في العدم كالبذر لشجرة الوجود، فهو في العدم بذرة و في الوجود شجرة.

ثبوت العين في الإمكان بذر و لو لا البذر لم يك ثم نبت‏
ظهوري عن ثبوتي دون أمر إلهي محال حين كنت‏
فلو لا ثبوت العين ما كان مشهودا و لا قال كن كونا و لا كان مقصودا
فما زال حكم العين للّه عابدا و ما زال كون الحق للعين معبودا
فلما كساه الحق حلة كونه‏ و قد كان قبل الكون في الكون مفقودا
تكونت الأحكام فيه بكونه‏ فما زال سجّادا فقيدا و موجودا

و حكم الثبوت بين اللّه و الخلق خلاف حكم الوجود، فبحكم الوجود يكون الخلق هو الذي ثنى وجود الحق، و ليس لحكم الثبوت هذا المقام، فإن الخلق و الحق معا في الثبوت، و ليس معا في الوجود و لنشرح لك ذلك المعنى: اعلم أن المعلومات ثلاثة لا رابع لها، و هي الوجود المطلق الذي لا يتقيد، و هو وجود اللّه تعالى الواجب الوجود لنفسه، و المعلوم الآخر العدم المطلق الذي هو عدم لنفسه، و هو الذي لا يتقيد أصلا و هو المحال، و هو في مقابلة الوجود المطلق، فكانا على السواء حتى لو اتصفا لحكم الوزن عليهما، و ما من نقيضين إلا و بينهما فاصل، به يتميز كل واحد من الآخر، و هو المانع أن يتصف الواحد بصفة الآخر، و هذا الفاصل الذي بين الوجود المطلق و العدم المطلق، لو حكم الميزان عليه لكان على السواء في المقدار من غير زيادة و لا نقصان، و هذا هو البرزخ الأعلى، و هو برزخ البرازخ، له وجه إلى الوجود و وجه إلى العدم، فهو يقابل كل واحد من المعلومين بذاته، و هو المعلوم الثالث، و فيه جميع الممكنات، و هي لا تتناهى، كما أنه كل واحد من المعلومين لا يتناهى، و للممكنات في هذا البرزخ أعيان ثابتة من الوجه الذي ينظر إليها الوجود المطلق، و من هذا الوجه ينطلق عليها اسم الشي‏ء الذي إذا أراد الحق إيجاده قال له: كن فيكون،و ليس له أعيان موجودة من الوجه الذي ينظر إليه منه العدم المطلق، و لهذا يقال له: كن، و كن حرف وجودي، فإنه لو أنه كائن ما قيل له: «كُنْ» و هذه الممكنات في هذا البرزخ بما هي عليه و ما تكون إذا كانت مما تتصف به من الأحوال و الأعراض و الصفات و الأكوان، و هذا هو العالم الذي لا يتناهى، و ما له طرف ينته إليه، و من هذا البرزخ وجود الممكنات، و بها يتعلق رؤية الحق للأشياء قبل كونها، و كل إنسان ذي خيال و تخيل إذا تخيل أمرا ما، فإن نظره يمتد إلى هذا البرزخ، و هو لا يدري أنه ناظر ذلك الشي‏ء في هذه الحضرة، و هذه الموجودات الممكنات التي أوجدها الحق تعالى، هي للأعيان التي يتضمنها هذا البرزخ بمنزلة الظلالات للأجسام، و لما كان الظل في حكم الزوال لا في حكم الثبات، و كانت الممكنات و إن وجدت في حكم العدم سميت ظلالات، ليفصل بينها و بين من له الثبات المطلق في الوجود-

و هو واجب الوجود- و بين ما له الثبات المطلق في العدم- و هو المحال- لتتميز المراتب، فالأعيان الموجودات إذا ظهرت ففي هذا البرزخ هي، فإنه ما ثمّ حضرة تخرج إليها ففيها تكتسب حالة الوجود، و الوجود فيها متناه ما حصل منه، و الإيجاد فيها لا يتناهى، فما من صورة موجودة إلا و العين الثابتة عينها و الوجود كالثوب عليها، و العجب من الأشاعرة كيف تنكر على من يقول: إن المعدوم شي‏ء في حال عدمه و له عين ثابتة يطرأ على تلك العين الوجود، و هي تثبت الأحوال، اللهم منكر الأحوال لا يتمكن له هذا، ثم إن هذا البرزخ الذي هو الممكن بين الوجود و العدم، سبب نسبة الثبوت إليه مع نسبة العدم هو مقابلته للأمرين بذاته، فالممكن ما هو- من حيث ثبوته- عين الحق و لا غيره، و لا هو من حيث عدمه عين المحال و لا غيره، فكأنه أمر إضافي، و لهذا نزعت طائفة إلى نفي الممكن و قالت: ما ثمّ إلا واجب أو محال و لم يتعقل لها الإمكان، فالممكنات على ما قررناه أعيان ثابتة من تجلي الحق، معدومة من تجلي العدم، و من هذه الحضرة علم الحق نفسه فعلم العالم، و علمه له بنفسه أزلا، فإن التجلي أزلا، و تعلق علمه بالعالم أزلا على ما يكون العالم عليه أبدا مما ليس حاله الوجود، لا يزيد الحق به علما و لا يستفيد رؤية، تعالى اللّه عن الزيادة في نفسه و الاستفادة، و قوله تعالى‏ «إِذا أَرَدْناهُ» هنا الإرادة تعلق المشيئة بالمراد،

قال عليه السلام: [ما شاء اللّه كان و ما لم يشأ لم يكن‏] فالممكن ما خرج عن حضرة الإمكان لا في حال وجوده و لا في حال عدمه، و التجلي له‏ مستصحب و الأحوال عليه تتحول و تطرأ، فهو بين حال عدمي و حال وجودي، و العين هي تلك العين فما في الوجود إلا اللّه تعالى و أسماؤه و أفعاله، فهو الأول من الاسم الظاهر، و هو الآخر من الاسم الباطن، فالوجود كله حق فما فيه شي‏ء من الباطل، إذ كان المفهوم من إطلاق لفظ الباطل عدما فيما ادعى صاحبه أنه موجود، و لو لم يكن الأمر كذلك لانفرد الخلق بالفعل و لم يكن الاقتدار الإلهي يعمّ جميع الكائنات، بل كانت الإمكانات تزول عنه، فسبحان الظاهر الذي لا يخفى، و سبحان الخفي الذي لا يظهر، حجب الخلق به عن معرفته و أعماهم بشدة ظهوره، فهم منكرون مقرون، مترددون حائرون، مصيبون مخطئون، و من أراد أن يعرف حقيقة ما أومأت إليه في هذه المسألة فلينظر خيال الستارة و صوره، و من الناطق من تلك الصور عند الصبيان الصغار، الذين بعدوا عن حجاب الستارة المضروبة بينهم و بين اللاعب بتلك الأشخاص و الناطق فيها، فالأمر كذلك في صور العالم، و الناس أكثرهم أولئك الصغار الذين فرضناهم، فالصغار في المجلس يفرحون و يطربون، و الغافلون يتخذونه لهوا و لعبا، و العلماء يعتبرون و يعلمون أن اللّه ما نصب هذا إلا مثلا لعباده ليعتبروا، و ليعلموا أن أمر العالم مع اللّه مثل هذه الصور مع محركها، و أن هذه الستارة حجاب سر القدر المحكّم في الخلائق، و لما كان تقدم العدم للممكنات نعتا نفسيا، لأن الممكن يستحيل عليه الوجود أزلا، فلم يبق إلا أن يكون أزلي العدم، فتقدم العدم له نعت نفسي، و الممكنات متميزة الحقائق و الصور في ذاتها، لأن الحقائق تعطي ذلك، فلما أراد اللّه أن يلبسها حالة الوجود خاطبها من حيث حقائقها، فقال: «إِنَّما قَوْلُنا» من كونه تعالى متكلما «لِشَيْ‏ءٍ» و هو المخاطب من الممكنات في شيئية ثبوتها، فسماه شيئا في حال لم تكن فيه الشيئية المنفية بقوله و لم يكن شيئا، فهي الشيئية المتوجه عليها أمره بالتكوين إلى شيئية أخرى، فإن الممكنات في حال عدمها بين يدي الحق ينظر إليها و يميز بعضها عن بعض بما هي عليه من الحقائق في شيئية ثبوتها، ينظر إليها بعين أسمائه الحسنى، و ترتيب إيجاد الممكنات يقتضي بتقدم بعضها على بعض،

و هذا ما لا يقدر على إنكاره، فإنه الواقع، فالدخول في شيئية الوجود إنما وقع مرتبا بخلاف ما هي عليه في شيئية الثبوت، فإنها كلها غير مرتبة، لأن ثبوتها منعوت بالأزل لها، و الأزل لا ترتيب فيه و لا تقدم و لا تأخر، فتوقف حكم الإرادة على حكم العلم، و لهذا قال تعالى: «إِذا أَرَدْناهُ» فجاء بظرف الزمان المستقبل في تعليق‏ الإرادة، فأدخل اللّه تعلق إرادته تحت حكم الزمان، فجاء بإذا و هي من صيغ الزمان، و الزمان قد يكون مرادا و لا يصح فيه إذا، لأنه لم يكن بعد فيكون له حكم، و الإرادة واحدة العين، فانتقل حكمها من ترجيح بقاء الممكن في شيئية ثبوته إلى حكمها بترجيح ظهوره في شيئية وجوده، فقوله تعالى: «إِذا أَرَدْناهُ» هو التوجه الإلهي على الشي‏ء في حال عدمه‏ «أَنْ نَقُولَ لَهُ» و هو قوله لكل شي‏ء يريده و ذلك من كون الحق متكلما، و ما يؤمر إلا من يسمع بسمع ثبوتي أو وجودي، يسمع الأمر الإلهي‏ «كُنْ» بالمعنى الذي يليق بجلاله، و كن حرف وجودي، أو إن شئت أمر وجودي، فما ظهر عنها إلا ما يناسبها، فلا يكون عن هذا الحرف إلا الوجود، ما يكون عنه عدم، لأن العدم لا يكون، لأن الكون وجود، و كن كلمة وجودية من التكوين، فكن عين ما تكلم به،

و هو الأمر الذي لا يمكن للمأمور به مخالفته، لا الأمر بالأفعال و التروك، فظهر عن هذا الأمر الذي قيل له‏ «كُنْ» فيكون ذلك الشي‏ء في عينه، فيتصف ذلك المكوّن بالوجود بعد ما كان يوصف بأنه غير موجود، فإذا ظهر عن قوله‏ «كُنْ» لبس شيئية الوجود، و هي على الحقيقة شيئية الظهور، ظهور لعينه، و إن كان في شيئية ثبوته ظاهرا متميزا عن غيره بحقيقته، و لكن لربه لا لنفسه، فما ظهر لنفسه إلا بعد تعلق الأمر الإلهي من قوله‏ «كُنْ» بظهوره، فاكتسب ظهوره لنفسه، فعرف نفسه و شاهد عينه، فاستحال من شيئية ثبوته إلى شيئية وجوده، و إن شئت قلت استحال في نفسه من كونه لم يكن ظاهرا لنفسه إلى حالة ظهر بها لنفسه، فما ثمّ إلا اللّه و التوجه و قبول الممكنات لما أراد اللّه بذلك. و أضاف اللّه التكوين إلى الذي يكون لا إلى الحق و لا إلى القدرة، بل أمر فامتثل السامع في حال عدم شيئيته و ثبوته أمر الحق بسمع ثبوتي، فأمره قدرته، و قبول المأمور بالتكوين استعداده، فإن الممكنات لها الإدراكات في حال عدمها، و لذا جاء في الشرع أن اللّه يأمر الممكن بالتكوين فيتكون، فلو لا أن له حقيقة السمع، و أنه مدرك أمر الحق إذا توجه عليه لم يتكون، و لا وصفه اللّه بالتكوين، و لا وصف نفسه بالقول لذلك الشي‏ء المنعوت بالعدم،

فتعلق الخطاب بالأمر لهذه العين المخصصة بأن تكون، فامتثلت فكانت، فلو لا ما كان للممكن عين و لا وصف لها بالوجود، يتوجه على تلك العين الأمر بالوجود لما وقع الوجود، فالمأمور به إنما هو الوجود، و لذلك أعلمنا اللّه أنه خاطب الأشياء في حال عدمها، و أنها امتثلت أمره عند توجه الخطاب فبادرت إلى امتثال ما أمرها به، فلو لا أنها منعوتة في حال عدمها بالنعوت التي لها في حال وجودها ما وصفها الحق بما وصفها به من ذلك، و هو الصادق المخبر بحقائق الأشياء على ما هي عليه، فما ظهرت أعيان الموجودات إلا بالحال التي كانت عليه في حال العدم، فما استفادت إلا الوجود من حيث أعيانها و من حيث ما به بقاؤها، فكل ما هي عليه الأعيان القائمة بأنفسها ذاتي لها، و إن تغيرت عليها الأعراض و الأمثال و الأضداد، إلا أن حكمها في حال عدمها ليس حكمها في حال وجودها من حيث أمر ما، و ذلك لأن حكمها في حال عدمها ذاتي لها ليس للحق فيها حكم، و لو كان لم يكن لها العدم صفة ذاتية، فلا تزال الممكنات في حال عدمها ناظرة إلى الحق بما هي عليه من الأحوال لا يتبدل عليها حال حتى تتصف بالوجود، فتتغير عليها الأحوال للعدم الذي يسرع إلى ما به بقاء العين، و ليست كذلك في حال العدم،

فإنه لا يتغير عليها شي‏ء في حال العدم، بل الأمر الذي هي عليه في نفسها ثابت، إذ لو زال لم تزل إلا إلى الوجود، و لا يزول إلى الوجود إلا إذا اتصفت العين القائم به هذا الممكن الخاص بالوجود، فالأمر بين وجود و عدم في أعيان ثابتة على أحوال خاصة «فَيَكُونُ» يعني حكم ما توجه عليه أمر «كُنْ» كان ما كان، فيعدم به و يوجد، فليس متعلقه إلا الأثر، فترى الكائنات ما ظهرت و لا تكونت من شيئيتها الثابتة إلا بالفهم لا بعدم الفهم، لأنها فهمت معنى‏ «كُنْ» فتكونت، و لهذا قال‏ «فَيَكُونُ» يعني ذلك الشي‏ء، لأنه فهم عند السماع ما أراد بقوله‏ «كُنْ» فبادر لفهمه دون غير التكوين من الحالات، و كذلك يكون الانتقال من حال إلى حال، أي من حال يكون عليه السامع إلى حال يعطيه سماعه عند كلام المتكلم، و سمي ذلك بالحركة من العدم إلى الوجود، فكان للأعيان في ظهورها شيئية وجودية، فسميت هذه الحركة بالوجد لحصول الوجود عندها، أعني وجود الحكم، سواء كان بعين، أي في تقلبه أثناء وجوده من حال إلى حال، أو بلا عين قبل إبرازه من العدم إلى الوجود، فإنه عين في نفسه هذا الكائن، أي له عين ثابتة في العلم يتوجه عليها الخطاب، فتسمع فتمتثل، فعندنا قوله تعالى: «فَيَكُونُ» ما هو قبول التكوين و إنما قبوله للتكوين، أن يكون مظهرا للحق، فهذا معنى قوله‏ «فَيَكُونُ» لا أنه استفاد وجودا، و إنما استفاد حكم المظهرية حيث أنه قبل السماع من حيث عينه الثابتة الموجودة فالحق عين كل شي‏ء في الظهور و ما هو عين الأشياء في ذواتها سبحانه و تعالى، بل هو هو و الأشياء

 

[مسائل مستفادة من قوله تعالى: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ»]

أشياء، فلولا الحق ما تميزت الموجودات بعضها عن بعض و لكان الأمر عينا واحدا، فعين تمييز الحق لها وجودها، و عين تمييز بعضها عن بعض فلأنفسها، و لذلك لم تزد كلمة الحضرة في كل كائن عنها على كلمة «كُنْ» شيئا آخر، بل انسحب على كل كائن عين‏ «كُنْ» لا غير، فلو وقفنا مع كن لم نر إلا عينا واحدة، و إنما وقفنا مع أثر هذه الكلمة و هي المكونات، فكثرت و تعددت و تميزت بأشخاصها، فلما اجتمعت في عين حدها علمنا أن هذه الحقيقة وجدت كلمة الحق فيها و هي كلمة كن، و كن أمر وجودي لا يعلم منه إلا الإيجاد و الوجود، و لهذا لا يقال للموجود كن عدما، و لا يقال له كن معدوما لاستحالة ذلك، فالعدم نفسي لبعض الموجودات، و لبعضها تابع لعدم شرطه المصحح لوجوده، و بهذه الحقيقة كان اللّه خلاقا دائما و حافظا دائما، و الخلاصة هي أن اللّه سبحانه يرانا في حال عدمنا في شيئية ثبوتنا كما يرانا في حال وجودنا، لأنه تعالى ما في حقه غيب، فكل حال له شهادة، فيتجلى تعالى للأشياء التي يريد إيجادها في حال عدمها من اسمه النور تعالى، فينفهق على تلك الأعيان أنوار هذا التجلي فتستعد لقبول الإيجاد، فيقول له عند هذا الاستعداد «كن» فيكون من حينه من غير تثبط- مسائل مستفادة من هذه الآية- المسألة الأولى- اعلم أن القول و الكلام نعتان للّه، فبالقول يسمع المعدوم، و هو قوله تعالى:

«إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» و بالكلام يسمع الموجود، و هو قوله تعالى: (وَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى‏ تَكْلِيماً) و قد يطلق الكلام على الترجمة في لسان المترجم و ينسب الكلام إلى المترجم عنه في ذلك، فالقول له أثر في المعدوم و هو الوجود، و الكلام له أثر في الموجود و هو العلم- المسألة الثانية- لم يرد نص عن اللّه و لا عن رسوله في مخلوق أنه أعطي‏ «كُنْ» سوى الإنسان خاصة، فظهر ذلك في وقت في النبي صلّى اللّه عليه و سلم في غزوة تبوك، فقال: كن أبا ذر، فكان أبو ذر، ورد في الخبر في أهل الجنة أن الملك يأتي إليهم فيقول لهم بعد أن يستأذن في الدخول عليهم، فإذا دخل ناولهم كتابا من عند اللّه بعد أن يسلم عليهم من اللّه، فإذا في الكتاب لكل إنسان يخاطب به، من الحي القيوم الذي لا يموت إلى الحي القيوم الذي لا يموت، أما بعد فإني أقول للشي‏ء كن فيكون، و قد جعلتك تقول للشي‏ء كن فيكون، فقال صلّى اللّه عليه و سلم: فلا يقول أحد من أهل الجنة للشي‏ء كن إلا و يكون-

المسألة الثالثة- اعلم أن للأسباب أحكاما في المسببات فهي كالآلة للصانع، فتضاف‏ الصنعة و المصنوع للصانع لا للآلة، و سببه أن لا علم للآلة بما في نفس الصانع أن يصنع بها على التعيين، بل لها العلم بأنها آلة للصنع الذي تعطيه حقيقتها، و لا عمل للصانع إلا بها، فصنع الآلة ذاتي، و ما لجانب الصانع بها إرادي، و هو قوله تعالى: «إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ» و كن آلة الإيجاد، فما أوجد إلا بها، و كون تلك الكلمة ذاته أو أمرا زائدا علم آخر، إنما المراد هو فهم هذا المعنى و أنه ما حصل الإيجاد بمجرد الإرادة دون القول و دون المريد و القائل، فظهر حكم الأسباب في المسببات، فلا يزيل حكمها إلا جاهل بوضعها و ما تعطيه أعيانها- المسألة الرابعة- المعلول لو لا علته ما ظهرت له عين، و العالم لو لا اللّه ما وجد في عينه، و العين عند العرب تذكر و تؤنث و ذلك لأجل التناسل الواقع بين الذكر و الأنثى، و لهذه الحقيقة جاء الإيجاد الإلهي بالقول و هو مذكر، و الإرادة و هي مؤنثة، فأوجد العالم عن قول و إرادة، فظهر عن اسم مذكر و مؤنث، فقال: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ» و شي‏ء أنكر النكرات و القول مذكر «إِذا أَرَدْناهُ» و الإرادة مؤنثة «أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» فظهر التكوين في الإرادة عن القول، و العين واحدة بلا شك، و الأمر في نفسه صعب تصوره، من الوجه الذي يطلبه الفكر، سهل في غاية السهولة من الوجه الذي قرره الشرع، فالفكر يقول: ما ثمّ شي‏ء ثم ظهر شي‏ء من لا شي‏ء، و الشرع يقول و هو القول الحق:

بل ثمّ شي‏ء فصار كونا و كان غيبا فصار عينا

[سورة النحل (16): الآيات 41 الى 43]

وَ الَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ لَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42) وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (43)

[ «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»]

«فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» فألحق أهل الذكر بالعلماء، و أمرنا اللّه أن نسأل أهل الذكر و هم أهل القرآن، لأنهم ما يخبرون إلا عنه، لأنهم جلساء الحق، فما يخبر الذاكر الذي يشهد اللّه فيه أنه ذاكر له إلا عن جليسه، فيخبر بالأمر على ما هو عليه، و ذلك‏ هو العلم، فإنه على بينة من ربه، و لو لم يكن عند الذاكرين بهذه المثابة لم يكن بينهم و بين غيرهم من البشر فرقان، فإنه تعالى معهم حيثما كانوا و أينما كانوا، فلا بد أن يكون مع الذاكرين له بمعية اختصاص، و ما ثمّ إلا مزيد علم، به يظهر الفضل، فكل ذاكر لا يزيد علما في ذكره بمذكوره فليس بذاكر و إن ذكر بلسانه، لأن الذاكر هو الذي يعمه الذكر كله، فذلك هو جليس الحق، فلا بد من حصول الفائدة- وجه- أهل الذكر هم أهل القرآن فإن اللّه تعالى يقول: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) و هو القرآن الذين يعملون به، و هم أهل اللّه و خاصته، و هم أهل الاجتهاد و منهم المصيب و المخطئ، فيتعين على المقلد إذا لم يعلم، السؤال عن الحكم في الواقعة لمن يعلم أنه يعلم من أهل الذكر، فيفتيه، فإن قال له:

هذا حكم اللّه أو حكم رسوله أخذ به، و إن قال له: هذا رأيي كما يقول أصحاب الرأي في كتبهم فإنه يحرم عليه اتباعه فيه، فإن اللّه ما تعبده إلا بما شرع له في كتاب أو سنة، و ما تعبد اللّه أحدا برأي أحد، و الأشياخ يسألون و لا يقتدى بأفعالهم إلا إن أمروا بذلك في أفعال معينة، قال تعالى: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ» و هم أهل القرآن أهل اللّه و خاصته، و أهل القرآن هم الذين يعملون به، و هو الميزان المشروع من اللّه تعالى، فلا ينبغي أن يقتدى بفعل أحد دون رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فإن أحوال الناس تختلف، فقد يكون عين ما يصلح للواحد يفسد به الآخر إن عمل به، و إذا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قد اختلف الناس في أفعاله هل هي على الوجوب أم لا؟ فكيف بغيره مع قوله اللّه تعالى: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) و قوله‏ (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)؟ و هذا كله ليس بنص منه في وجوب الاتباع في أفعاله، فإنه صلّى اللّه عليه و سلم قد اختص بأشياء لا يجوز لنا اتباعه فيها، و لو اقتدينا به فيها كنا عاصين مأثومين.

[سورة النحل (16): آية 44]

بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)

«وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» بعد تبليغه، فما اكتفى اللّه بنزول الكتب الإلهية حتى جعل الرسل المترجمين عن اللّه تبيّن ما أنزل اللّه على عباده، تبيّن ما فيها لما في العبارة من الإجمال و ما تطلبه من التفصيل، و لا تفصل العبارة إلا بالعبارة، فنابت الرسل مناب الحق في التفصيل فيما لم يفصله و أجمله، فما أبان عنه الرسول و ما فصّله فهو تفصيل‏ ما نزل، لا عين ما نزل، و يقع البيان بعبارة خاصة و يعقل بأي شي‏ء كان، فلو لا البيان ما فصل بين المتشابه و المحكم، فلو لم ينزل المتشابه لنعلم أنه متشابه لم يعلم أنه ثمّ في علم اللّه، ما يكون متشابها، و هذا غاية البيان حيث أبان لنا أن ثمّ ما يعلم و ثمّ ما لا يعلمه إلا اللّه، و قد يمكن أن يعلّمه اللّه من يشاء من خلقه بأي وجه شاء أن يعلمه، فالرسول ملزم بتبيين ما جاء به حتى يفهم عنه لإقامة الحجة على المبلغ إليه، و علمنا أن كل رواية ترفع الإشكال هي الصحيحة و إن ضعفت عند أهل النقل.

[سورة النحل (16): الآيات 45 الى 48]

أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى‏ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (47) أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى‏ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ (48)

«أَ وَ لَمْ يَرَوْا» خاطب بذلك أهل الكشف و هم عامة الإنس و كل عاقل، فخاطبهم بالنعيم البصري‏ «إِلى‏ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ» الضمير في ظلاله يعود على الشي‏ء، و قد قلنا: إن الأجساد ظلال الأرواح، و إن الموجودات الممكنات التي أوجدها الحق تعالى هي للأعيان التي يتضمنها برزخ الممكنات بمنزلة الظلالات للأجساد، فقال تعالى: «عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ» و هو ما قلنا في الآية السابقة: فما زال سجادا فقيدا و موجودا، فالأعيان الثابتة ساجدة للّه، و ظلالها و هي الأعيان الموجودة تخرج على صورتها ساجدة للّه، فأخبر اللّه تعالى في هذه الآية أن ذلك التفيؤ يمينا و شمالا أنه سجود للّه و صغار و ذلة لجلاله، و لذلك قال: «وَ هُمْ داخِرُونَ» أي أذلاء، فوصفهم بعقليتهم أنفسهم حتى سجدوا للّه داخرين، ثم أخبر فقال متمما.

[سورة النحل (16): آية 49]

وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَ الْمَلائِكَةُ وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (49)

«وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ» أي ممن يدب عليها، يقول يمشي‏ «وَ هُمْ» يعني أهل السموات، فكل ما في السموات و الأرض موصوف بالسجود دائما لافتقاره، و من افتقر فقد كسر فقار ظهره، فلا يتمكن له أن يرفع رأسه أبدا، فالعالم الذي هو ما عدا الثقلين ساجد للّه، فهو مطيع قائم بما تعين عليه من عبادة خالقه و منشيه‏ «وَ الْمَلائِكَةُ» يعني التي ليست في سماء و لا أرض‏ «وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ» يعني عن عبادة ربهم.

[سورة النحل (16): آية 50]

يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (50)

ثم وصفهم بالخوف ليعلمنا أنهم عالمون بمن سجدوا له، فأفعالهم أفعال الخائفين، و خوفهم خوف نزول عن مرتبة إلى مرتبة أدنى، و لا سيما و قد روي أن ابليس كان من أعبد الخلق للّه تعالى، و حصل له الطرد و البعد من السعادة التي كان يرجوها في عبادته للّه تعالى لما حقّت عليه كلمة العذاب، و قوله تعالى‏ «مِنْ فَوْقِهِمْ» فوصف نفسه تعالى بالفوقية لشرفها، فهي فوقية مرتبة، ثم وصف المأمورين منهم أنهم‏ «يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ» و هم الذين قال فيهم‏ (لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) و تتضمن هذه السجدة سجود العالم الأعلى و الأدنى في مقام الذلة و الخوف، و السجود عند قوله تعالى: «وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ» و لما كان الحق قد ذكر الملائكة و سجودها في سورة الأعراف، و الظلال و سجودها في سورة الرعد، و سجدت الملائكة في سورة الأعراف سجود اختيار لما يقتضيه جلال اللّه، أثنى اللّه عزّ و جل عليهم هنا بأنهم‏ «يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ» فسجدوا شكرا للّه لما أثنى اللّه عزّ و جل عليهم بما وفقهم إليه من امتثال أوامره، و شرع للعبد هنا أن يسجدها رغبة في أن يكون ممن أثنى اللّه عليه بما أثنى على ملائكته، فهي للعبد سجود ذلة و خضوع، فإنه قد ذكر قبل هذه السجدة (أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلى‏ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْ‏ءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ) و الضمير في ظلاله يعود على الشي‏ء المخلوق ثم قال‏ (عَنِ الْيَمِينِ وَ الشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَ هُمْ داخِرُونَ) أي أذلاء فهو سجود ذلة و خضوع.

[سورة النحل (16): الآيات 51 الى 53]

وَ قالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) وَ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لَهُ الدِّينُ واصِباً أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (53)

الإنسان إذا أصابه الضر و انقطعت به الأسباب، و هو أشد العذاب، ذكر ربه فرجع إليه مضطرا لا مختارا.

[سورة النحل (16): الآيات 54 الى 57]

ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55) وَ يَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56) وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَ لَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (57)

فجعلوا للّه ما يكرهون فقالوا: الملائكة بنات اللّه، فحكموا عليه بأنه اصطفى البنات على البنين، فتوجه عليهم الحكم بالإنكار في حكمهم مع كونهم يكرهون ذلك لنفوسهم.

[سورة النحل (16): الآيات 58 الى 60]

وَ إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى‏ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوارى‏ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى‏ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (59) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى‏ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60)

«وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى‏» أي الوصف الأعلى عند التجلي في الصور الثابت نقلا لا عقلا، فإن رؤية اللّه من محارات العقول و مما يوقف عندها «وَ هُوَ الْعَزِيزُ» الذي لا يرى من حيث‏ هويته‏ «الْحَكِيمُ» في تجليه حتى يقال إنه رؤي.

[سورة النحل (16): الآيات 61 الى 62]

وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَ لكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ (61) وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَ تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى‏ لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَ أَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62)

كان المشركون يكرهون نسبة البنات إليهم ثم إنهم قالوا: إن الملائكة بنات اللّه و أخبرنا اللّه بذلك في قوله: «وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ» فإنهم كانوا يكرهون البنات، و بهذا أخبرنا اللّه عنهم في قوله تعالى: (وَ إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى‏ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ).

[سورة النحل (16): الآيات 63 الى 65]

تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى‏ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (63) وَ ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) وَ اللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65)

حقيقة السمع الفهم عن اللّه تعالى فيما يتلوه عليك.

[سورة النحل (16): الآيات 66 الى 68]

وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ (66) وَ مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ (68)

لما خلق اللّه تعالى كل شي‏ء حيا ناطقا، جمادا كان أو نباتا أو حيوانا، في العالم الأعلى و الأسفل، مصداق ذلك قوله تعالى: (وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) جاز بل وقع و صح أن يخاطب الحق جميع الموجودات و يوحي إليها فقال: «وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ»

[الشكل السداسي في بيوت النحل‏]

الستة أكمل الأعداد، و ليس في الأشكال شكل فيه زوايا إذا انضمت إليها الأمثال لم يكن بينها خلو إلا الستة، و بها أوحى اللّه إلى النحل في قوله في هذه الآية «وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ» فأوحى إليها بصفة عملها، فعملت بيوتها مسدسة الشكل، و هو أكمل الأشكال لأنه لا يدخله خلاء و يقارب الاستدارة مع ظهور الزوايا، فهو لا يقبل الخلل مع الكثرة فيظهر الخلو، و المستدير ليس كذلك، و إن أشبه غيره في عدم قبول الخلل كالمربع، فإنه يبعد عن المستدير، و وصف الشكل المستدير بالكمال لأنه يظهر عن نصفه و ثلثه و سدسه فيقوم من عين أجزائه، فلو لا ما فهمت النحل من اللّه وحيه لما صدر منها ما صدر، و هذا من النبوة سارية في الحيوان و النبات و الجماد قال تعالى: (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ) فالنبوة سارية في كل موجود، لكنه لا ينطلق من ذلك اسم نبي و لا رسول على واحد منهم إلا على الملائكة خاصة و الرسل منهم و هم المسمون الملائكة، و قد يكون ذلك علما ضروريا في أصل الخلقة، فيريد اللّه بذلك أنه فطرها في أصل نشأتها على ذلك.

[سورة النحل (16): آية 69]

ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)

«فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ» و هو ما شرع اللّه لها من السبل أن تسلكها «ذُلُلًا» فتدل هذه الآية على أن لكل شي‏ء من المخلوقات كلاما يخصه يعلمه اللّه، و يسمعه من فتح اللّه سمعه لإدراكه‏ «يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ» فعمّر النحل بيته بالعسل، و ما ذكر اللّه مضرة العسل و أن بعض الأمزجة يضره استعماله، و لكن ما تعرض لذلك،أي أن المقصود منه الشفاء بالوجود، كما المقصود بالغيث إيجاد الرزق الذي يكون عن نزوله بالقصد و إن هدم الغيث بيت الشيخ الفقير الضعيف، فما كان رحمة في حقه من هذه الجهة الخاصة، و لكن ما هي بالقصد العام الذي له نزل المطر،

و إنما كان من استعداد القابل للتهدم لضعف البنيان، كما كان الضرر الواقع لآكل العسل من استعداد مزاجه لم يكن بالقصد العام، جاء رجل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال: اسقه عسلا، فسقاه عسلا، فزاد استطلاقه، فرجع فأخبره، فقال: اسقه عسلا، فزاد استطلاقه، و ما علم هذا الرجل ما علمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم من ذلك، فإنه كان في المحل فضلات مضرة لا يمكن إخراجها إلا بشرب العسل، فإذا زالت عنه أعقبته العافية و الشفاء، فلما رجع إليه قال له: يا رسول اللّه سقيته عسلا فزاد استطلاقه، فقال: صدق اللّه و كذب بطن أخيك، اسقه عسلا في الثالثة، فسقاه فبرأ، فإنه استوفى خروج الفضلات المضرة.

[سورة النحل (16): آية 70]

وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى‏ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70)

«وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى‏ أَرْذَلِ الْعُمُرِ» و هو الهرم الكائن عن مرور الزمان، و هو قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً) و هو رجوع إلى الضعف الأول إلى أرذل العمر، و أرذل العمر ما لا يحصل لنا فيه علم، فيفارق الإنسان فيه ما كان يعلمه، فقال: «لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً» فإما أن يكون منع الزيادة، و إما أن يكون اتصف بعدم العلم في حال الهرم، لشغله بما هو عليه من الضعف المفرط.

 

[سورة النحل (16): الآيات 71 الى 74]

وَ اللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى‏ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى‏ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71) وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَ حَفَدَةً وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَ بِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72) وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ شَيْئاً وَ لا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (74)

 

[سورة النحل (16): الآيات 72 الى 74]

وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَ حَفَدَةً وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَ بِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72) وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ شَيْئاً وَ لا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (74)

[فلا تضربوا للّه الأمثال‏]

– الوجه الأول- نهينا أن نضرب الأمثال للّه لجهلنا بالنسب التي هي بها أمثال، فقال تعالى: «فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ» فإن اللّه هو الذي يضرب الأمثال للناس لعلمه بمواقعها، لأن اللّه يعلم و نحن لا نعلم، فهو عزّ و جل يضرب لنا الأمثال بما له وجود في عينه، و نحن لسنا كذلك إلا بحكم المصادفة، فنضرب المثل إذا ضربناه بما له وجود في عينه و بما لا وجود له إلا في تصورنا، فاللّه يضرب الأمثال لنفسه و لا تضرب له الأمثال، فيشبه الأشياء و لا تشبهه الأشياء، فيقال: مثل اللّه في خلقه مثل الملك في ملكه، و لا يقال مثل الملك في ملكه مثل اللّه في خلقه، فإنه عين ما ظهر، و ليس ما ظهر هو عينه، فإنه الباطن كما هو الظاهر في حال ظهوره، فلهذا قلنا: هو مثل الأشياء و ليست الأشياء مثله، إذ كان عينها و ليست عينه، فإن الممكن ما استفاد الوجود و إنما استفاد حكم المظهرية، و هو قوله تعالى للشي‏ء: كن فيكون، فقبوله للتكوين هو أن يكون مظهرا للحق، فالحق عين كل شي‏ء في الظهور ما هو عين الأشياء في ذواتها، سبحانه و تعالى، بل هو هو و الأشياء أشياء، ففي نفس الأمر ليس إلا وجود الحق، و الموصوف باستفادة الوجود هو على أصله ما انتقل من إمكانه، فحكمه باق و عينه ثابتة،

و اعلم أن ما يشرك به الشي‏ء من ليس مثله فهو مثله من ذلك الوجه الذي أشركه فيه خاصة، و ينفصل عنه بأمور أخر له فيها أمثال، فما ثمّ معلوم ما له مثل جملة واحدة، فما ثمّ إلا أمثال و أشباه، و لذلك ضرب اللّه الأمثال و نهى عن ضربنا الأمثال له، و علل فقال: «إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» فمن علّمه الحق ضرب الأمثال ضربها على علم، فلا يضرب الأمثال إلا العلماء باللّه الذين تولى اللّه تعليمهم، و ليس إلا الأنبياء و الأولياء، و هو مقام وراء طور العقل، يريد أنه لا يستقل العقل بإدراكه من حيث ما هو مفكر، فإن الذي عند العقل من العلم باللّه من حيث فكره علم التنزيه، و ضرب الأمثال تشبيه، و موضع التشبيه من ضرب المثل دقيق لا يعرفه إلا من عرف المشبه و المشبّه‏ به، و المشبه به غير معروف، فالأمر الذي يتحقق منه ضرب المثل له مجهول، فالنظر فيه من حيث الفكر حرام على كل مؤمن، و هو في نفس الأمر ممنوع الوصول إليه عند كل ذي عقل سليم، و لذلك قال اللّه تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» فضرب اللّه تعالى لنفسه الأمثال لأنه يعلم و نحن لا نعلم، فإن اللّه يعلم كيف يضربها و أنتم لا تعلمون، فناط بهم الجهل بالمواطن، فيشهد الولي ما ضرب اللّه من الأمثال فيرى في ذلك الشهود عين الجامع الذي بين المثل و بين ما ضرب له ذلك المثل، فهو عينه من حيث ذلك الجامع، و ما هو عينه من حيث ما هو مثل، فالولي لا يضرب للّه الأمثال بل هو يعرف ما ضرب اللّه له الأمثال-

الوجه الثاني- «فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» قال اللّه تعالى‏ (اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ) أي صفة نوره، يعني المضاف إلى السموات و الأرض، (كَمِشْكاةٍ) إلى أن ذكر المصباح و مادته، فقال‏ (اللَّهُ) و ما ضرب المثل للاسم اللّه، و إنما عيّن سبحانه اسما آخر و هو (نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ) فضرب المثل بالمصباح لذلك الاسم النور المضاف، فإن اللّه اسم جامع لجميع الأسماء الإلهية، محيط بمعانيها كلها، و ضرب الأمثال يخص اسما واحدا معينا، فإن ضربنا الأمثال للّه و هو اسم جامع شامل فما طبقنا المثال على الممثل، فإن المثال خاص و الممثل به مطلق، فوقع الجهل بلا شك، فنهينا أن نضرب المثل من هذا الوجه إلا أن نعين اسما خاصا ينطبق المثل عليه، فحينئذ يصح ضرب المثل لذلك الاسم الخاص، كما فعل اللّه في قوله تعالى‏ (اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ) فهمنا اللّه و إياكم مواقع خطابه، و جعلنا ممن تأدب بما عرفناه من آدابه، إنه اللطيف بأحبابه، فإنه قال‏ «فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ» فإني ما ضربتها، فافهموا «إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» فعلمنا سبحانه الأدب في النظر في أسمائه إذا أطلقناها عليه بالإضافة كيف نفعل، و إذا أطلقناها عليه بغير الإضافة كيف نفعل، فالعالم يقطع عمره في نظر ما ضرب اللّه له من الأمثال و لا يستنبط مثلا من نفسه، و لا سيما للّه، و ما أظن يفي عمر الإنسان بتحصيل ما ضرب اللّه له من الأمثال التي هي من عالم الخيال الذي انفرد الحق بعلمه في قوله‏ «وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ».

 

[سورة النحل (16): الآيات 75 الى 77]

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ وَ مَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَ جَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (75) وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ كَلٌّ عَلى‏ مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ هُوَ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (76) وَ لِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ (77)

«وَ ما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ» ما سميت الساعة ساعة إلا لأنها تسعى إلينا بقطع هذه الأزمان لا بقطع المسافات و بقطع الأنفاس، فمن مات وصلت إليه ساعته، و قامت قيامته إلى يوم الساعة الكبرى، التي هي لساعات الأنفاس كالسنة لمجموع الأيام التي تعينها الفصول باختلاف أيامها، فأمر الساعة و شأنها في العالم أقرب من لمح البصر، فإن عين وصولها عين حكمها، و عين حكمها عين نفوذ الحكم في المحكوم عليهم، و عين نفاذه عين تمامه، و عين تمامه عين عمارة الدارين، ففريق في الجنة و فريق في السعير، و لا يعرف هذا القرب إلا من عرف قدرة اللّه في وجود الخيال في العالم الطبيعي، و ما يجده العالم به من الأمور الواسعة في النفس الفرد و الطرفة، ثم يرى أثر ذلك في الحس بعين الخيال، فيعرف هذا القرب و تضاعف السنين في الزمن القليل من زمان الحياة الدنيا، فشبّه تعالى الإمضاء بلمح البصر أو هو أقرب، و كذلك هو أقرب، فإن أمره تعالى في الموقف يوم القيامة و هو المقدار الزماني، خمسون ألف سنة من أيام الدنيا، و عدها اليوم الشمسي، و هو يوم ذي المعارج، فإن أمر اللّه فيه مثل لمح البصر، للإفهام و التوصيل، و ربما هو في القلة أقل من هذا المقدار، بل مقدارها الزمان الفرد المتوهم الذي هو يوم الشأن، فكما صارت الخمسون ألف سنة كيوم واحد، و في يوم واحد، كذلك صار أمره كلمح بالبصر، و سبب ذلك أن الذي يصدر منه الأمر لا يتقيد، فهو في كل مأمور بحيث أمر، فينفذ الأمر بحكمه دفعة واحدة، و لمح البصر كالبرق، يضرب فيظهر، و يظهر و يزول، فلو بقي أهلك.

 

[سورة النحل (16): آية 78]

وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)

«وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً» و ذلك مثل من ردّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا، و ما يلزم العالم حضوره دائما مع علمه، فهكذا حال الجنين إذا خرج من بطن أمه‏ «وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» اعلم أن اللّه أعطى كل شي‏ء خلقه، فأعطى السمع خلقه فلا يتعدى إدراكه، و جعل العقل فقيرا إليه، يستمد منه معرفة الأصوات و تقطيع الحروف و تغيير الألفاظ و تنوع اللغات، فيفرق بين صوت الطير و هبوب الرياح و صرير الباب و خرير الماء و ما أشبه هذه الأصوات كلها، و ليس في قوة العقل من حيث ذاته إدراك شي‏ء من هذا ما لم يوصله إليه السمع، و كذلك القوة البصرية جعل اللّه العقل فقيرا إليها فيما توصله إليه من المبصرات، فلا يعرف الخضرة و لا الصفرة و لا ما بينهما من الألوان ما لم ينعم البصر على العقل بها، و هكذا جميع القوى المعروفة بالحواس، فالسمع و الأبصار و الأفئدة أنوار جعلها اللّه فيك تدرك بها الأشياء، و قدّم تعالى السمع على العلم و البصر فإن أول شي‏ء علمناه من الحق و تعلق به منا القول منه و السمع منا، فكان عنه الوجود، و كما لم يصح الوجود-

أعني وجود العالم- إلا بالقول من اللّه و السماع من العالم، لم يظهر وجود طرق السعادة و علم الفرق بينها و بين طرق الشقاء إلا بالقول الإلهي و السماع الكوني، فجاءت الرسل بالقول جميعهم من قرآن و توراة و إنجيل و زبور و صحف، فما ثمّ إلا قول و سماع، غير هذين لم يكن، فلو لا القول ما علم مراد المريد، ما يريده منا، و لو لا السمع ما وصلنا إلى تحصيل ما قيل لنا، فبالقول نتصرف، و عن القول نتصرف مع السماع، فهما مرتبطان لا يصح استقلال واحد منهما دون الآخر، و هما نسبتان، فبالقول و السماع نعلم ما في نفس الحق، إذ لا علم لنا إلا بإعلامه بقوله، و من وجه آخر: حقيقة السمع أن لا يتقيد المسموع بجهة معينة، بخلاف البصر الحسي فإنه يتقيد إما بجهة خاصة معينة و إما بالجهات كلها، و السمع ليس كذلك، فإن متعلقه الكلام، فإن كان المتكلم ذا جهة أو في جهة فذلك راجع إليه، و إن كان لا في جهة و لا ذا جهة فذلك راجع إليه لا للسامع، فالسمع أدل في التنزيه من البصر، و أخرج من التقييد و أوسع و أوضح في الإطلاق- إشارة- قرأ بعضهم: و اللّه أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا.

[سورة النحل (16): آية 79]

أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79)

[و ما عند اللّه باق‏]

كم بيّن اللّه و رسوله لنا ما هي المخلوقات عليه من العلم باللّه و الطاعة له و القيام بحقه، و لا نؤمن و لا نسمع!! و نتناول ما ليس الأمر عليه لنكون من المؤمنين، و نحن على الحقيقة من المكذبين، و رجحنا حسّنا على الإيمان بما عرفنا به ربنا لمّا لم نشاهد ذلك مشاهدة عين، فالموجودات كلها ما منها إلا من هو حي ناطق أو حيوان ناطق، المسمى جمادا أو نباتا أو ميتا، لأنه ما من شي‏ء من قائم بنفسه و غير قائم بنفسه إلا و هو مسبح بحمد ربه، و هذا نعت لا يكون إلا لمن هو موصوف بأنه حي يوحي إليه اللّه تعالى، فهل سمعتم في النبوة الأولى و الثانية قط أن حيوانا أو شيئا من غير الحيوان عصى أمر اللّه أو لم يقبل وحي اللّه، فمن كان مشهده هذا من الموجودات استحى كل الحياء في خلوته التي تسمى خلوة في العامة كما يستحي في جلوته، فإنه في جلوة أبدا، لأنه لا يخلو عن مكان يقله و سماء تظله، و لو لم يكن في مكان لاستحى من أعضائه و رعية بدنه.

[سورة النحل (16): الآيات 80 الى 81]

وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَ يَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَ مِنْ أَصْوافِها وَ أَوْبارِها وَ أَشْعارِها أَثاثاً وَ مَتاعاً إِلى‏ حِينٍ (80) وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً وَ جَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَ سَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81)

«وَ جَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَ سَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ» و هذه حجب وقايات و جنن تقي الأجسام الحيوانية من البرد القوي و الحر الشديد، فيدفع بذلك الألم عن نفسه، و كذلك الطوارق يدفع بها في الحرب المقاتل عن نفسه سهام الأعداء و رماحهم و سيوفهم، فيتقي هذا و أمثاله بمجنه الحائل بينه و بين عدوه، و يدفع بذلك عن نفسه الأذى من خوذة و ترس و درع.

[سورة النحل (16): الآيات 82 الى 88]

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (82) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَ أَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (83) وَ يَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَ لا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84) وَ إِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ (85) وَ إِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (86)

وَ أَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (87) الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (88)

«زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ» الزيادة في العذاب لما زادوا هنا من المرض في قلوبهم عند ورود الآيات الإلهية لإثبات الشرائع، كما أن ذلك لطائفة مخصوصة و هم الأئمة المضلون، يقول تعالى‏ (وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ) و هم الذين أضلوا العباد و أدخلوا عليهم الشبه المضلة، فحادوا بها عن سواء السبيل، فضلوا و أضلوا، و قالوا لهم:اتبعوا سبيلنا و لنحمل خطاياكم، قال صلّى اللّه عليه و سلم: [من سن سنة سيئة فعليه وزرها و وزر من عمل بها دون أن ينقص ذلك من أوزارهم شيئا] فهؤلاء قيل فيهم‏ «زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ» و ما أنزلوا من النار إلا منازل استحقاق.

 

[سورة النحل (16): آية 89]

وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى‏ هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى‏ لِلْمُسْلِمِينَ (89)

«وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» و هم الرسل، و ألحقنا اللّه تعالى بأنبيائه بأن جعلنا شهداء على أممهم معهم حين يبعثهم، فقال تعالى‏ (لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ).

[سورة النحل (16): آية 90]

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)

«إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ» لما فيه من الفضل لمن أخذ له بالحق، و اعلم أن العدل ما ولي مدينة قط و لا مملكة إلا ظهرت فيها البركة و نمت الأرزاق و عمت الخيرات جميعها، و هو موجود محبوب على ممر الدهور و الأعصار، و هو الميزان الموضوع في الأرض، و به يكون الفصل في العرض الأكبر بين العباد، و هو الحاكم في ذلك اليوم، و هو المأمور به شرعا، و إن الملك جسد روحه العدل، و متى لم يكن العدل خرب الملك، و كانت الحكماء تقول:

عدل السلطان أنفع للرعية من خصب الزمان، و قد أمر اللّه تبارك و تعالى عباده فقال: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ» و ذم من لم يتصف به و لا جعله حاكما عليه فقال‏ (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَ إِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ) و من فعله صلّى اللّه عليه و سلم و قد انقطعت إحدى نعليه أن نزع الأخرى و مشى حافيا حتى يعدل في أقدامه، فاجعل العدل حاكما على نفسك و أهلك و رجلك و خولك و عبيدك و أصحابك و جميع من توجه عليه حكمك، و في كلامك و فعلك ظاهرا و باطنا «وَ الْإِحْسانِ» معطوف على العدل في الأمر به، فيكون من ظهر فيه سلطان العدل و أخذ بجريمته أن يعطف عليه بالإحسان، فينقضي أمد المؤاخذة و لا ينقضي أمد الإنعام و الإحسان، و قد يكون الإحسان ابتداء و جزاء للإحسان، كما جاء في قوله تعالى‏ (هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ) و الإحسان قبل المؤاخذة (وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ) و لم يجاز السيئة على السيئة فهو أولى‏ (فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) فإقامة العدل إنما هو في حق الغير لا فيما يختص بالجناب الإلهي، فما كان اللّه ليأمر بمكارم الأخلاق و لا يكون الجناب الإلهي موصوفا به، فعدل فيما حكم به من الجزاء بالسوء، و أحسن بعد الحكم و نفوذه بما آل إليه عباده من الرحمة و رفع الأمور الشاقة عليهم و هي الآلام، فعمت رحمته كل شي‏ء.

[سورة النحل (16): الآيات 91 الى 93]

وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (91) وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى‏ مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَ لَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93)

فهو تعالى الذي يرزق الإصابة في النظر و الذي يرزق الخطأ.

[سورة النحل (16): الآيات 94 الى 96]

وَ لا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَ تَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ لَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (94) وَ لا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَ لَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (96)

– الوجه الأول- ما ينسب إلى العبد مآله إلى الفناء، و ما ينسب إلى الحق فمآله إلى‏ البقاء و الوجود، و هو معنى قوله تعالى: «ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ» فوصف بالنفاد ما نسبه إلينا، و ما لفظة تدل على كل شي‏ء، كذا قاله سيبويه، فكل ما نسب إلى المخلوق فإنه ينفد بالموت أو الشهادة، و كل ما ينفد فقد فارق من كان عنده، و هذا لا يوجد في الحق، فإنه لا يفارقه شي‏ء، لأنه معنا و إليه تصير الأمور «ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ» فلا تعتمد عليه‏ «وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ» فتعتمد على اللّه في بقائه، و الخطاب هنا لعين الجوهر، و الذي عند الجوهر من كل موجود إنما هو ما يوجده اللّه في محله من الصفات و الأعراض و الأكوان، و هي في الزمان الثاني أو في الحال الثاني- كيف شئت قل- من زمان وجودها أو حال وجودها، تنعدم من عندنا، و اللّه يجدد للجوهر الأمثال أو الأضداد دائما من خزائنه، و هذا معنى قول المتكلمين إن العرض لا يبقى زمانين، و هو قول صحيح، خبر لا شهبة فيه، لأنه الأمر المحقق الذي عليه نعت الممكنات، و يتجدد ذلك على الجوهر و يبقى عينه دائما ما شاء اللّه، و قد شاء أنه لا يفنى فلا بد من بقائه‏ «وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ» فعند اللّه التوجه و هو قوله تعالى: (إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) فلا يكون عنه إلا الوجود و ما يكون عنه عدم، و اعلم أن تحقيق عندية كل شي‏ء راجعة إلى نفسه، و لهذا قال تعالى: «ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ» فإن حكمكم النفاد «وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ» فإن له البقاء، فلو كانت عندية الشي‏ء غير نفس الشي‏ء ما نفد ما عندنا، لأنا و ما عندنا عند اللّه، و ما عند اللّه باق، فنحن و ما عندنا باق، فتبين لك أن عندية كل شي‏ء نفسه- الوجه الثاني- الكل عند اللّه فله البقاء في العدم كان أو الوجود، و ما نفد ما عندك إلا بأخذه منك، و أنت عنده فما عندك عنده، و ما خرج شي‏ء من عنده، فالكل عنده- الوجه الثالث- «ما عندك ينفد» من العلم باللّه، فما عندنا منه في موطن ينفد في موطن آخر، فإن الحكم للمواطن، فإنها تحكم بنفسها في كل من ظهر فيها «وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ» من علمه بنفسه لا يتغير و لا يتبدل و لا يتنوع في نفسه بتنوع المواطن.

فنحن و ما عندنا عنده‏ و ليس الذي عنده عندنا

[سورة النحل (16): آية 97]

مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (97)

العمل الصالح له الحياة الطيبة، و هي تعجيل البشرى في الحياة الدنيا، كما قال تعالى‏ (لَهُمُ الْبُشْرى‏ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) فيحيى في باقي عمره حياة طيبة لما حصل له من العلم بما سبق له من سعادته في علم اللّه مما يؤول إليه في أبده، فتهوّن عليه هذه البشرى ما يلقاه من المشقات و العوارض المؤلمة، فإن وعد اللّه حق و كلامه صدق، و قد خوطب بالقول الذي لا يبدل لديه، و لا تكون الحياة طيبة إلا أن تكون مستصحبة، و ما ينالها إلا الصالحون من عباد اللّه، و إن ظهر منهم ما توجبه الأمور المؤلمة في العادة و ظهر عليهم آثار الآلام، فالنفوس منهم في الحياة الطيبة، لأن النفوس محلها العقل ليس الحس محلها، فآلامهم حسية لا نفسية، فالذي يراهم يحملهم في ذلك على حاله الذي يجده في نفسه لو قام به ذلك البلاء، و هو في نفسه غير ذلك، فالصورة صورة بلاء، و المعنى معنى عافية و إنعام، و كذلك للعمل الصالح التبديل، فيبدل اللّه سيئاته حسنات، حتى يود لو أنه أتى جميع الكبائر الواقعة في العالم، و كذلك للعمل الصالح شكر الحق لأنه الغفور الشكور، فسعيه مقبول و كلامه مسموع، و لو لم يكن في العمل الصالح إلا إلحاق عامله بالصالحين و إطلاقه هذا الاسم عليه لكان كافيا، فإنه مطلب الأنبياء عليهم السلام و هم أرفع طوائف عباد اللّه.

[سورة النحل (16): آية 98]

فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (98)

[ «فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ» الآية]

إذا قرأت القرآن فاجتمع عليه فإنه قرآن، و إذا قرأته من كونه فرقانا فكن بحسب الآية التي أنت فيها في جميع قراءتك‏ «فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ» فإن القرآن جمع، و الجمعية تدعوه للحضور فهي معينة له، بخلاف الفرقان، فالقرآن يحضره و الفرقان يطرده، يقال يوم القيامة لصاحب القرآن: اقرأ و ارق، فإن منزلك عند آخر آية تقرأ. فدرجات الجنة على هذا على عدد آي القرآن، و التعوذ باللّه من الشيطان الرجيم عند افتتاح قراءة القرآن في الصلاة و في غيرها فرض للأمر الإلهي الوارد في هذه الآية، فأمر اللّه القارئ للقرآن أن يتعوذ، و علمه المكلّف و هو اللّه تعالى عند قراءة القرآن كيف يستعيذ و بمن يستعيذ و ممن يستعيذ، فقال له‏ «فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ» فأعطاه الاسم الجامع، و ذكر له القرآن، و ما خص آية من آية، لذلك لم يخص اسما من اسم، بل أتى بالاسم اللّه، فالقارئ ينظر في حقيقة ما يقرأ، و ينظر فيما ينبغي أن يستعاذمنه في تلك الآية، فيذكره في استعاذته و ينظر فيما ينبغي أن يستعاذ به من أسماء اللّه، أي اسم كان، فيعيّنه بالذكر في استعاذته، و للمصلي في صلاته بعد أن يفرغ من التوجه و قبل أن يشرع في القراءة أن يتعوذ و ليقل: أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم، و هذا نص القرآن، و قد ورد في السنة الصحيحة [أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم‏] و لما كان قارئ القرآن جليس اللّه من كون القرآن ذكرا، و الذاكر جليس اللّه، ثم زاد أنه في الصلاة في حال مناجاة اللّه،

فهو أيضا في حال قرب على قرب، كنور على نور، كان الأولى أن يستعيذ هنا باللّه، و تكون استعاذته من الشيطان لأنه البعيد، يقال: بئر شطون إذا كانت بعيدة القعر، و البعد يقابل القرب، فتكون استعاذته في حال قربه مما يبعده عن تلك الحالة، فلم يكن أولى من اسم الشيطان، ثم نعته بالرجيم، و هو فعيل، فأما بمعنى المفعول فيكون معناه من الشيطان المرجوم، يعني بالشهب، و هي الأنوار المحرقة، و الصلاة نور، و رجمه اللّه بالأنوار، فكانت الصلاة مما تعطي بعد الشيطان من العبد، و إن كان بمعنى الفاعل فهو لما يرجم به قلب العبد من الخواطر المذمومة و اللمات السيئة و الوسوسة، و لهذا كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إذا قام يصلي من الليل و كبر تكبيرة الإحرام، قال: [اللّه أكبر كبيرا اللّه أكبر كبيرا اللّه أكبر كبيرا، و الحمد للّه كثيرا و الحمد للّه كثيرا و الحمد للّه كثيرا، و سبحان اللّه بكرة و أصيلا و سبحان اللّه بكرة و أصيلا و سبحان اللّه بكرة و أصيلا، أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم من نفخه و نفثه و همزه‏] قال ابن عباس: همزه ما يوسوسه في الصلاة، و نفثه الشعر، و نفخه الذي يلقيه من الشبه في الصلاة، يعني السهو. و لهذا قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: إن سجود السهو ترغيم للشيطان، فوجب على المصلي أن يستعيذ باللّه من الشيطان الرجيم بخالص من قلبه، يطلب بذلك عصمة ربه، و لما لم يعرف المصلي بما يأتيه الشيطان من الخواطر السيئة في صلاته و الوسوسة لم يتمكن أن يعين له ما يدفعها به، فجاء بالاسم اللّه الجامع لمعاني الأسماء، إذ كان في قوة هذا الاسم حقيقة كل اسم دافع في مقابلة كل خاطر ينبغي أن يدفع.

[سورة النحل (16): الآيات 99 الى 102]

إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَ إِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هُدىً وَ بُشْرى‏ لِلْمُسْلِمِينَ (102)

روح القدس أي الطاهر عن تقييد البشر.

 

[سورة النحل (16): الآيات 103 الى 106]

وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (105) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (106)

«إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ» أكره من الإكراه، و من حصول الكراهة في نفس العامل لذلك العمل الخارج عن ميزان الأدب المشروع‏ «وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ» و طمأنينته في هذه النازلة إنما هو بما له من الكراهة، فإن اللّه حبب الإيمان للمؤمن و كره إليه الفسوق و العصيان مع وقوعه منه، فغير المكره إذا كفر أخذ بكفره، و أي شي‏ء فعل جوزي بفعله، بخلاف المجبور، فإن اللّه أجل و أعظم و أعدل من أن يعذب مكرها مقهورا، فإن شئت سترت دينك و نفسك، و تظهر لهم فيما هم بسبيله بظاهرك إن جبروك على ذلك فاضطررت إليه، و اعتزل عنهم ما استطعت في بيتك لإقامة دينك من حيث لا يعلمون، فقد كان بدء الإسلام على هذه الصورة من التكتم، و قد ثبت حكم المكره في الشرع، و علم حدّ المكره الذي اتفق عليه و المكره الذي اختلف فيه، و ما بقي النظر إلا في معرفة المجبور المكره و ما صفته، فإن بعض العلماء لم يصح عنده الجبر و الإكراه على الزنا فيؤاخذ به، فإن الآلة لا تقوم إلا بسريان‏ الشهوة و حكمها فيه، و عندنا أنه مجبور في مثل هذا، مكره على أن يريد الوقاع، و لا يظهر حكم إرادته إلا بالوقوع، و لا يكون الوقاع إلا بعد الانتشار و وجود الشهوة، و حينئذ يعصم نفسه من المكره له على ذلك المتوعد له بالقتل إن لم يفعل، فصح الإكراه في مثل هذا بالباطن، بخلاف الكفر فإنه يقنع فيه بالظاهر و إن خالفه الباطن، فالزاني يشتهي و يكره تلك الشهوة، فإنه مؤمن، و لو لا أن الشهوة إرادة بالتذاذ لقلنا إنه غير مريد لما اشتهاه.

[سورة النحل (16): الآيات 107 الى 111]

ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (107) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (108) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (109) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَ صَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (111)

فكل نفس مطلوبة من الحق في نفسها، لا تجزى نفس عن نفس شيئا، فإن اللّه ما كلف أحدا إلا بحاله و وسعه، ما كلف أحدا بحال أحد، و أقيم الكسب مقام العمل و العمل مقام الكسب، فجاء في الآية «وَ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ» أي ما كسبت، و في آية (ما كَسَبَتْ) فسمي العمل كسبا.

[سورة النحل (16): آية 112]

وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (112)

«يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ» و هذا غاية النعم من النعم‏ «فَكَفَرَتْ» يعني‏ الجماعة التي أنعم عليها المنعم بهذه النعم‏ «بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ» بإزالة الرزق‏ «وَ الْخَوْفِ» بإزالة الأمن‏ «بِما كانُوا يَصْنَعُونَ» من ستر النعم و جحدها و الأشر و البطر بها.

[سورة النحل (16): الآيات 113 الى 114]

وَ لَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَ هُمْ ظالِمُونَ (113) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَ اشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114)

«فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً» طالب سبيل النجاة يتوجه عليه وجوبا تجنب الحرام، و الورع في الشبهات المظنونة، و أما المحققة فواجب عليه تجنبها كالحرام على كل حال من الأحوال، فإنه ما أتي أحد إلا من بطنه، منه تقع الرغبة و قلة الورع في المكسب و تعدي حدود اللّه تعالى، فاللّه اللّه يا بني التقليل من الغذاء الطيب، فإن الجسم لا يطلب منك إلا سد جوعته بما كان، و النفس لا تطلب منك إلا الطعام الطيب الحسن الطعم و المنظر، و لا تبالي حراما كان ذلك أو حلالا، فإن كانت النفس المغذية للجسم و الناظرة في صونه خاض في الشبهات و تورط في المحرمات، لأنها أمارة بالسوء مطمئنة بالهوى، فهلكت و أهلكته في الدارين، و إن كان العقل الشرعي المغذي له تقيد و أخذ الشي‏ء من حلّه و وضعه في حقه، و ترك الشهوة في الطعام و إن كان حلالا رغبة فيما هو خير منه‏ «وَ اشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ» إذا كان وقتك النعمة و دخل وقتها بوجودها عندك دعيت إلى شكر المنعم.

[سورة النحل (16): آية 115]

إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115)

تغير الأحوال يغير الأحكام، فالشخص الواحد الذي لم يكن حاله الاضطرار أكل الميتة عليه حرام، فإذا اضطر ذلك الشخص عينه فأكل الميتة له حلال، فاختلف الحكم لاختلاف الحال و العين واحدة، ثم قال تعالى في ذم من قال عن اللّه ما لم يقل.

[سورة النحل (16): آية 116]

وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (116)

 

[الذي يحرم بالعموم في الخطاب المشروع على واحد يعم جميع المكلفين‏]

الذي يحرم بالعموم في الخطاب المشروع على واحد يعم جميع المكلفين من غير اختصاص، حتى لو قال بتحليل ذلك في حق شخص يتوجه عليه به لسان الذم في الظاهر كان كافرا عند الجميع، و كان كاذبا في دعواه، و لا تصح المنكرات إلا بما لا يتطرق إليه الاحتمال، و الحرام النص مأمور باجتنابه، لأنه ممنوع تناوله في حق من منع منه لا في عين الممنوع، فإن ذلك الممنوع بعينه قد أبيح لغيره لكون ذلك الغير على صفة ليست فيمن منع منه، أباحته له تلك الصفة بإباحة الشارع، فلهذا قلنا: لا في عين الممنوع، فإنه ما حرّم شي‏ء لعينه جملة واحدة، و لهذا قال تعالى‏ (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) فعلمنا أن الحكم بالمنع و غيره مبناه على حال المكلّف، و في مواضع على اسم الممنوع، فإن تغير الاسم لتغير قام بالمحرم تغير الحكم على المكلّف في تناوله، إما بجهة الإباحة أو الوجوب، و كذلك إن تغير حال المكلّف الذي خوطب بالمنع من ذلك الشي‏ء و اجتنابه لأجل تلك الحال فإنه يرتفع عنه هذا الحكم و لا بد، و إن كان الأمر على هذا الحد فما ثمّ عين محرمة لعينها.

[سورة النحل (16): الآيات 117 الى 120]

مَتاعٌ قَلِيلٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (117) وَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119) إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)

أخبر صلّى اللّه عليه و سلم أن العابد للّه بما يعطيه نظره إذا لم يكن على شرع من اللّه معيّن أنه يحشر أمة وحده بغير إمام يتبعه، فجعله خيرا و ألحقه بالأخيار، كما قال تعالى في إبراهيم عليه السلام‏ «إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً» و ذلك قبل أن يوحي إليه، و الأمة معلم الخير «قانِتاً لِلَّهِ» أي مطيعا للّه في السر و العلانية، و لا تكون الطاعة إلا عند المراسم الإلهية و الأوامر الموقوفة على الخطاب‏ «حَنِيفاً» مائلا في جميع أحواله من اللّه إلى اللّه عن مشاهدة و عيان، و من نفسه إلى اللّه عن‏ أمر اللّه و إيثارا لجناب اللّه و من كل ما ينبغي أن يمال عنه عن أمر اللّه‏ «وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» مطلق الشرك المعفو عنه و المذموم فيما نسب إليه من قوله في الكوكب هذا ربي، فإن من مقام إبراهيم عليه السلام أنه أوتي الحجة على قومه بتوحيد اللّه.

[سورة النحل (16): آية 121]

شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَ هَداهُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (121)

«اجْتَباهُ» فهو مجتبى‏ «وَ هَداهُ» أي وفقه بما أبان له‏ «إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» و هو صراط الرب الذي ورد في قول هود (إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) و الشكر هو الثناء على اللّه بما يكون منه خاصة، لصفة هو عليها من حيث ما هو مشكور، و لا يصح الشكر إلا على النعم، فالشاكرون من العباد هم الذين يشكرون اللّه على مسمى النعمة خاصة.

[سورة النحل (16): آية 122]

وَ آتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122)

لما كان الصلاح من خصائص العبودية، و ذكر تعالى عن أنبيائه أنهم من الصالحين، ذكر عن إبراهيم الخليل‏ «وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ» من أجل الثلاثة الأمور التي صدرت منه في الدنيا، و هي قوله عن زوجته سارة: إنها أخته، بتأويل، و قوله: إني سقيم، اعتذارا، و قوله: بل فعله كبيرهم، إقامة حجة، فبهذه الثلاثة يعتذر يوم القيامة للناس إذا سألوه أن يسأل ربه فتح باب الشفاعة، فلهذا ذكر صلاحه في الآخرة إذ لم يؤاخذه بذلك.

[سورة النحل (16): الآيات 123 الى 125]

ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123) إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124) ادْعُ إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)

 

[ «ادْعُ إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ» الآية]

الحكمة إنزال الأمر منزلته و لا يتعدى به مرتبته، و هي كلها أخلاق، و لا تكون إلا لمن جعل القرآن إمامه، فينظر إلى ما وصف الحق به نفسه، و في أي حالة وصف نفسه بذلك الذي وصف نفسه، و مع من صرف ذلك الوصف الذي وصف به نفسه، فليقم الداعي بهذا الوصف بتلك الحال مع ذلك الصنف، فأنزل اللّه الميزان، و بيّن المواطن و الأحوال، فلا تخرج شيئا عن مقتضى ما تطلبه الحكمة «وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ» فهي الموعظة التي تكون عند المذكّر بها عن شهود، فإن الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه، فكيف بمن حقق أنه يراه؟ فإنه أعظم و أحسن، و لا تكون الموعظة بصفة قهر و لا منفرة، فإن جادلوك قال تعالى:

«وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بالجدال الذي تطلبه الأسماء الإلهية، و هو قوله‏ «بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» كما ورد في الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه، فإذا جادل بالإحسان جادل كأنه يرى ربه، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لأبي هريرة: [إذا خلوت بيهودي أو نصراني أو مجوسي فلا يحل لك أن تفارقه حتى تدعوه إلى الإسلام، يا أبا هريرة لا تجادل أحدا منهم فعسى، أن يأتيك بشي‏ء من التنزيل فتكذبه، أو تجي‏ء بشي‏ء فيكذبك، لا يكون من حديثك إلا أن تدعوه إلى الإسلام‏] و هو قول اللّه تعالى‏ «وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» الدعاء إلى الإسلام، هذه هي الصفة اللازمة التي ينبغي أن يكون الداعي إلى اللّه عليها، و لا ينبغي لمسلم ممن ينتمي إلى اللّه أن يجادل إلا فيما هو فيه محق عن كشف لا عن فكر و نظر، فإذا كان مشهودا له ما يجادل عنه، حينئذ يتعيّن عليه الجدال فيه بالتي هي أحسن إذا كان مأمورا بأمر إلهي، فإن لم يكن مأمورا فهو بالخيار، فإن تعين له نفع الغير بذلك كان مندوبا إليه، و إن يئس من قبول السامعين له فليسكت و لا يجادل، فإن جادل فإنه ساع في هلاك السامعين عند اللّه‏ «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» أي بالقابلين التوفيق، فإنهم على مزاج خاص أوجدهم عليه، فمن لا علم له بالحقائق يقول: إن العبد إذا صدق فيما يبلغه عن اللّه في بيانه أثر ذلك في نفوس السامعين، و ليس كما زعموا، فإنه لا أقرب إلى اللّه و من اللّه و لا أصدق في التبليغ عن اللّه و لا أحب في القبول فيما جاء به من عند اللّه من الرسل صلوات اللّه عليهم و سلامه، و مع هذا فما عمّ القبول من السامعين، بل قال الرسول الصادق في التبليغ [فلم يزدهم دعائي إلا فرارا] فلما لم يعم مع تحققنا هذه الهمة، علمنا أن الهمة ما لها أثر جملة واحدة في المدعو، و الذي قبل من السامعين ما قبل من أثر همة الداعي- الذي هو المبلغ-

و إنما قبل من حيث ما وهبه اللّه في خلقه من مزاج يقتضي له قبول هذا و أمثاله، و هذا المزاج الخاص لا يعلمه إلا اللّه الذي خلقهم عليه، و هو قوله تعالى: «وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» فلا تقل بعد هذا إذا حضرت مجلس مذكر داع إلى اللّه فلم تجد أثرا لكلامه فيك أن هذا من عدم صدق المذكر، لا بل هو العيب منك من ذاتك، حيث ما فطرك اللّه في ذلك الوقت على القبول، فإن المنصف ينظر فيما جاء به هذا الداعي المذكر، فإن كان حقا و لم يقبله فيعلم على القطع أن العيب من السامع لا من المذكر، فإذا حضر في مجلس مذكر آخر و جاء بذلك الذكر عينه و أثر فيه، فيقول السامع بجهله: صدق هذا المذكر، فإن كلامه أثر في قلبي، و العيب منك و أنت لا تدري، فلتعلم أن ذلك التأثير لم يكن لقبولك الحق، فإنه حق في المذكرين في نفس الأمر، و إنما وقع التأثير فيك في هذا المجلس دون ذلك لنسبة بينك و بين هذا المذكر، أو بينك و بين الزمان، فأثر فيك هذا الذكر، و الأثر لم يكن للمذكر إذ قد كان الذكر و لا أثر له فيك، و إنما أثرت المناسبة التي بيّنتها لك، الزمانية أو النسبة التي بينك و بين المذكر، و ربما أثر لاعتقادك فيه و لم يكن لك اعتقاد في ذلك الآخر، فما أثر فيك سواك أو ما أشبه ذلك، و أقل فائدة في هذه المسألة سلامة المذكر من تهمتك إياه بعدم الصدق في تذكيره و رده و ردك الحق، فإن السليم العقل يؤثر فيه الحق جاء على يد من جاء، و لو جاء على لسان مشرك باللّه، عدو للّه كاذب على اللّه ممقوت عند اللّه، لكن الذي جاء هو به حق، فيقبله العاقل من حيث ما هو حق لا من حيث المحل الذي ظهر به، و بهذا يتميز طالب الحق من غيره.

 

[سورة النحل (16): الآيات 126 الى 127]

وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127)

«وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ» أي اعلم أن صبرك ما كان إلا باللّه، ما كان من ذاتك و لا من حولك و قوتك.

[سورة النحل (16): آية 128]

إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)

 

[الفرق بين الوارث المحمدي و باقي ورثة الأنبياء عليهم السلام‏]

– الوجه الأول- من جمع الإحسان و التقوى كان اللّه معه، و من أحسن إلى نفسه بأداء الزكاة كان متقيا أذى شح نفسه فهو من المتقين، و من المحسنين من يعبد اللّه كأنه يراه و يشهده، و من شهوده للحق علمه بأنه ما كلفه التصرف إلا فيما هو للحق و تعود منفعته على العبد، منة و فضلا، مع الثناء الحسن له على ذلك، فإن عمل ما كلفه اللّه به لا يعود على اللّه من ذلك نفع، و إن لم يعمل لا يتضرر بذلك، و الكل يعود على العبد، فالزم الأحسن إليك تكن محسنا إلى نفسك- الوجه الثاني- إن اللّه مع المحسنين كما هو مع المتقين، و الإحسان عيان و في منزل كأنه عيان.

 

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏2، ص: 514

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=