تفسیر ابن عربی سوره الحاقة

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الحاقة

(69) سورة الحاقة مكيّة

[سورة الحاقة (69): الآيات 1 الى 10]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَ ما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَ عادٌ بِالْقارِعَةِ (4)

فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَ أَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (6) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَ ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى‏ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرى‏ لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (8) وَ جاءَ فِرْعَوْنُ وَ مَنْ قَبْلَهُ وَ الْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (9)

فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (10)

فإنهم نازعوا الحق في صفاته، فمن ظهر بصفته لم يؤاخذه اللّه، فلما عصوا بالظهور بما ليس حقا لهم أهلكهم، و اعلم أن اللّه ما ذكر أخبار القرون الماضية إلا لنكون على حذر من الأسباب التي أخذهم اللّه بها أخذته الرابية، و بطش بهم البطش الشديد.

[سورة الحاقة (69): آية 11]

إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (11)

طغى الماء إذا ارتفع، قال تعالى: «إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ» أي علا و ارتفع، فنسب الارتفاع و أضافه إلى الماء، و ما أضافه إلى نفسه، فلما أضاف الحق العلو هنا للماء و ارتفع، حمل اللّه من أراد نجاته من سطوة ارتفاع الماء في أخشاب ضم بعضها إلى بعض حتى كانت سفينة، فدخل فيها كل من أراد اللّه نجاته من المؤمنين، و أبطل اللّه هذه الرفعة بأن حمل نوحا و أتباعه في السفينة على ظهر الماء، فكانت السفينة و نوح عليه السلام أرفع من الماء، و علت السفينة بمن فيها على علو الماء، و صار الماء تحتها، و زال في حق السفينة طغيان الماء، فانكسر في نفسه، و سبب ذلك إضافة العلو له، و إن كان من عند اللّه و بأمر اللّه، و لكن ما أضاف‏ اللّه العلو إلا للماء، فلو أضاف علو الماء إلى اللّه تعالى لحفظ عليه علوه فلم تكن تعلو عليه سفينة و لا يطفو على وجه الماء شى‏ء أبدا، فهذا شؤم الدعوى.

[سورة الحاقة (69): آية 12]

لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (12)

[حقيقة السمع الفهم عن اللّه:]

يا صاحب الأذن إن الإذن ناداكا رفع الخطاب إذا الرحمن ناجاكا
فإن وعيت الذي يلقيه من حكم‏ عليك كانت لك الأسرار أفلاكا
و إن تصاممت عن إدراك ما نثرت‏ لديك كانت لك الأكوان أشراكا

فحقيقة السمع الفهم عن اللّه فيما يتلوه عليك سبحانه و تعالى، فاستمع و تأهّب لخطاب مولاك إليك، في أي مقام كنت، و تحفظ من الوقر و الصمم، فالصمم آفة تمنعك من إدراك تلاوته عليك، طوبى لمن كانت له أذن واعية لما يورده الحق في خطابه، فيتأهب لقبول ما خاطبه به، و ينظر ما حكمه عند اللّه الذي قرره شرعا، فيأخذه على ذلك الحد، و من لم يكن له أذن واعية، ما سمع و إن سمع داعيه، فمن أجاب الداعي فهو صاحب السمع الواعي.

[سورة الحاقة (69): آية 13]

فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (13)

الصور قرن من نور.

[سورة الحاقة (69): آية 14]

وَ حُمِلَتِ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (14)

و ذلك في القيامة، تصير الجبال دكا دكا لتجلي الحق، كما اندك جبل موسى لتجلي الحق، فتصير كالعهن المنفوش، و تصير الجبال بهذا الدك أرضا، فمد الأرض إنما هو مزيد امتداد الجبال و تصييرها أرضا، فما كان منها في العلو في الجو إذا انبسط زاد في بسط الأرض، و لهذا جاء الخبر: [إن اللّه يمد الأرض مد الأديم‏] فشبه مدها بمد الأديم، و إذا مد الإنسان الأديم فإنه يطول من غير أن يزيد فيه شي‏ء لم يكن في عينه، و إنما كان فيه تقبض و نتوء، فلما مد انبسط عن قبضه، و فرش ذلك النتوء الذي كان فيه فزاد في سعة الأرض، و رفع المنخفض منها حتى بسطه، فزاد فيها ما كان من طول من سطحها إلى القاع منها كما يكون الجلد سواء.

[سورة الحاقة (69): الآيات 15 الى 16]

فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (15) وَ انْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (16)

إذا زال الإنسان الكامل الذي هو العمد الذي من أجله أمسك اللّه السماء أن تقع على الأرض و انتقل إلى البرزخ هوت السماء، و هو قوله تعالى: «وَ انْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ» أي واقعة ساقطة إلى الأرض، و السماء جسم شفاف صلب، فإذا هوت حلل جسمها حر النار، فعادت دخانا أحمر كالدهان السائل، مثل شعلة نار كما كانت أول مرة.

[سورة الحاقة (69): آية 17]

وَ الْمَلَكُ عَلى‏ أَرْجائِها وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (17)

[ «وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ» الآية:]

تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم هذه الآية ثم قال: [و هم اليوم أربعة] و أما قوله‏ «يَوْمَئِذٍ» يعني يوم الآخرة، كذا ورد الخبر، و غدا يكونون ثمانية، فإن الآخرة فيها حكم الدنيا و الآخرة، فلذلك تكون غدا ثمانية فيظهر في الآخرة حكم سلطان الآخر،

و اعلم أن العرش في لسان العرب يطلق و يراد به الملك، يقال: ثل عرش الملك إذا دخل في ملكه خلل، و يطلق و يراد به السرير، فإذا كان العرش عبارة عن الملك فتكون حملته هم القائمون به، و إذا كان العرش السرير فتكون حملته ما يقوم عليه من القوائم، أو من يحمله على كواهلهم، و العدد يدخل في حملة العرش.

العرش و اللّه بالرحمن محمول‏ و حاملوه و هذا القول معقول‏
و أي حول لمخلوق و مقدرة لولاه جاء به عقل و تنزيل‏
جسم و روح و أقوات و مرتبة ما ثمّ غير الذي رتبت تفصيل‏
فهذا هو العرش إن حققت سورته‏ و المستوي باسمه الرحمن مأمول‏
و هم ثمانية و اللّه يعلمهم‏ و اليوم أربعة ما فيه تعليل‏
محمد ثم رضوان و مالكهم‏ و آدم و خليل ثم جبريل‏
و ألحق بميكال إسرافيل ليس هنا سوى ثمانية غرّ بها ليل‏

فالعرش بمعنى الملك، و حملته القائمون بتدبيره عبارة عن: صورة عنصرية، أو صورة نورية، و روح مدبر لصورة عنصرية، و روح مدبر مسخر لصورة نورية، و غذاء لصورة عنصرية، و غذاء علوم و معارف لأرواح، و مرتبة حسية من سعادة بدخول الجنة أو مرتبة حسية من شقاوة بدخول جهنم، و مرتبة روحية علمية، فتكون ثمانية، و هم حملة عرش الملك، أي إذا ظهرت الثمانية قام الملك و ظهر و استوى عليه مليكه، و انحصر الملك في ثمانية، فالظاهر منها في الدنيا أربعة الصورة و الغذاء و المرتبتان، و يوم القيامة تظهر الثمانية بجميعها للعيان، ففي الآخرة الامتياز و الخلوص،

و هو قوله تعالى: «وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ» و أما العرش الذي هو سرير، فإن للّه ملائكة يحملونه على كواهلهم، هم اليوم أربعة و غدا يوم القيامة يكونون ثمانية، لأجل الحمل إلى أرض المحشر، فالعرش محمول و هو حمل كرامة بالحاملين، فإن لا حول و لا قوة إلا باللّه، مما اختص به الحملة، و العرش قوائمه على الماء الجامد، و الحملة التي له إنما هي خدمة له تعظيما و إجلالا.

العرش يحمله من كان يحمله‏ العرش فاعجب له من حامل محمول‏
إن كان عرش سرير كان حامله‏ ملائك كالذي جاء في المنقول‏
أو كان ملكا فإن الحاملين له‏ خمس ملائكة أدناهمو جبريل‏
و من أناس ثلاث لا خفاء بهم‏ أئمة روضهم بعلمهم مطلول‏
للصور و الروح و الأرزاق أجمعها و الوعد ثم وعيد سيفه مسلول‏

[سورة الحاقة (69): الآيات 18 الى 19]

يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى‏ مِنْكُمْ خافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (19)

«فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ» و هو المؤمن السعيد و إن لم يبذل الاستطاعة، لكنه مع الجماعة «فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ».

[سورة الحاقة (69): آية 20]

إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (20)

فيقول الرقيب و هو القول العجيب.

[سورة الحاقة (69): الآيات 21 الى 23]

فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (22) قُطُوفُها دانِيَةٌ (23)

فإذا النداء من سميع الدعاء.

[سورة الحاقة (69): آية 24]

كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (24)

يعني الماضية، أيام الصوم في الدنيا في زمان التكليف.

[سورة الحاقة (69): آية 25]

وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (25)

و هو المنافق فإن الكافر لا كتاب له‏– وجه آخر- هو الكافر و المنافق يؤتى كتابه وراء ظهره.

[سورة الحاقة (69): الآيات 26 الى 33]

وَ لَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (26) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (27) ما أَغْنى‏ عَنِّي مالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30)

ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)

معناه لا يصدق باللّه، و الذين لا يصدقون باللّه هم طائفتان: طائفة لا تصدق بوجود اللّه و هم المعطلة و طائفة لا تصدق بتوحيد اللّه و هم المشركون، و قوله‏ «الْعَظِيمِ» في هذه الآية يدخل فيها المتكبر على اللّه، فإنه لو اعتقد عظمة اللّه التي يستحقها من تسمى باللّه لم يتكبر عليه، و المنافق- فإن الآية لم تتعرض للإسلام- فإن المنافق ينقاد ظاهرا ليحفظ ماله و أهله و دمه، و يكون باطنه واحدا من هؤلاء الثلاثة، و هؤلاء الطوائف الأربع المعطل و المشرك و المتكبر على اللّه و المنافق هم أهل النار الذين هم أهلها.

 

[سورة الحاقة (69): الآيات 34 الى 37]

وَ لا يَحُضُّ عَلى‏ طَعامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (35) وَ لا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (36) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (37)

[موقف القيامة:]

فاعلم أن اللّه تعالى إذا نفخ في الصور، و بعث ما في القبور، و حشر الناس و الوحوش، و أخرجت الأرض أثقالها، و لم يبق في بطنها سوى عينها، إخراجا لا نباتا، و هو الفرق بين‏ نشأة الدنيا الظاهرة و بين نشأة الآخرة الظاهرة، فإذا أخرجت الأرض أثقالها و حدثت أنها ما بقي فيها مما اختزنته شي‏ء، جي‏ء بالعالم إلى الظلمة التي دون الجسر،

فألقوا فيها حتى لا يرى بعضهم بعضا، و لا يبصرون كيف التبديل في السماء و الأرض حتى تقع، فتمد الأرض أولا مد الأديم و تبسط، فلا ترى فيها عوجا و لا أمتا، و هي الساهرة فلا نوم فيها، فإنه لا نوم لأحد بعد الدنيا، و يرجع ما تحت مقعر الفلك المكوكب جهنم، و لهذا سميت بهذا الاسم لبعد قعرها، فأين المقعر من الأرض؟

و يوضع الصراط من الأرض علوا على استقامته إلى سطح الفلك المكوكب، فيكون منتهاه إلى المرج الذي خارج سور الجنة، و أول جنة يدخلها الناس هي جنة النعيم، و في ذلك المرج المأدبة، و هي درمكة بيضاء نقية منها يأكل أهل المأدبة، و وضع الموازين في أرض الحشر لكل مكلّف ميزان يخصه، و ضرب بسور يسمى الأعراف بين الجنة و النار، و جعله مكانا لمن اعتدلت كفتا ميزانه،

فلم ترجح إحداهما على الأخرى، و وقفت الحفظة بأيديهم الكتب التي كتبوها في الدنيا من أعمال المكلفين و أقوالهم، ليس فيها شي‏ء من اعتقادات قلوبهم إلا ما شهدوا به على أنفسهم بما تلفظوا به من ذلك، فعلقوها في أعناقهم بأيديهم، فمنهم من أخذ كتابه بيمينه، و منهم من أخذه بشماله، و منهم من أخذه من وراء ظهره، و هم الذين نبذوا الكتاب في الدنيا وراء ظهورهم و اشتروا به ثمنا قليلا،

و ليس أولئك إلا الأئمة الضلال المضلون الذين ضلوا و أضلوا، و جي‏ء بالحوض يتدفق ماء، عليه من الأواني على عدد الشاربين منه لا تزيد و لا تنقص، ترمي فيه أنبوبان أنبوب ذهب و أنبوب فضة، و هو لزيق بالسور، و من السور تنبعث هذان الأنبوبان، فيشرب منه المؤمنون، و يؤتى بمنابر من نور مختلفة الإضاءة و اللون فتنصب في تلك الأرض، و يؤتى بقوم فيقعدون عليها قد غشيتهم الأنوار لا يعرفهم أحد،

في رحمة الأبد، عليهم من الخلع الإلهية ما تقر به أعينهم، و يأتي مع كل إنسان قرينه من الشياطين و الملائكة، و تنشر الألوية في ذلك اليوم للسعداء و الأشقياء بأيدي أئمتهم الذين كانوا يدعونهم إلى ما كانوا يدعونهم إليه من حق و باطل، و تجتمع كل أمة إلى رسولها،من آمن منهم به و من كفر، و تحشر الأفراد و الأنبياء بمعزل من الناس بخلاف الرسل، فإنهم أصحاب العساكر فلهم مقام يخصهم، و قد عيّن اللّه في هذه الأرض بين يدي عرش الفصل و القضاء مرتبة عظمى، امتدت من الوسيلة التي في الجنة، يسمى ذلك المقام المحمود و هو لمحمد صلّى اللّه عليه و سلّم‏ خاصة،

و تأتي الملائكة ملائكة السموات، ملائكة كل سماء على حدة متميزة عن غيرها، فيكونون سبعة صفوف، أهل كل سماء صف، و الروح قائم مقدّم الجماعة، و هو الملك الذي نزل بالشرائع على الرسل، ثم يجاء بالكتب المنزلة و الصحف، و كل طائفة ممن نزلت من أجلها خلفها، فيمتازون عن أصحاب الفترات و عمن تعبد نفسه بكتاب لم ينزل من أجله، و إنما دخل فيه و ترك ناموسه لكونه من عند اللّه، و كان ناموسه عن نظر عقلي من عاقل مهدي،

ثم يأتي اللّه عزّ و جل على عرشه و الملائكة الثمانية تحمل ذلك العرش فيضعونه في تلك الأرض، و الجنة عن يمين العرش و النار من الجانب الآخر و قد علت الهيبة الإلهية و غلبت على قلوب أهل الموقف من إنسان و ملك و جان و وحش، فلا يتكلمون إلا همسا، بإشارة عين و خفي صوت، و ترفع الحجب بين اللّه و بين عباده، و هو كشف الساق، و يأمرهم داعي الحق عن أمر اللّه بالسجود،

فلا يبقى أحد سجد للّه خالصا على أي دين كان إلا سجد السجود المعهود، و من سجد اتقاء و رياء خر على قفاه، و بهذه السجدة يرجح ميزان أصحاب الأعراف- لأنها سجدة تكليف- فيسعدون و يدخلون الجنة، و يشرع الحق في الفصل و الحكم بين عباده فيما كان بينهم، و أما ما كان بينهم و بين اللّه فإن الكرم الإلهي قد أسقطه،

فلا يؤاخذ اللّه أحدا من عباد اللّه فيما لم يتعلق به حق للغير، و قد ورد في أخبار الأنبياء عليهم السلام في ذلك اليوم ما قد ورد على ألسنة الرسل، ثم تقع الشفاعة الأولى من محمد صلّى اللّه عليه و سلّم في كل شافع أن يشفع، فيشفع الشافعون، و يقبل اللّه من شفاعتهم ما شاء و يرد من شفاعتهم ما شاء، لأن الرحمة في ذلك اليوم يبسطها اللّه في قلوب الشفعاء، فمن ردّ اللّه شفاعته من الشافعين لم يردها انتقاصا بهم، و لا عدم رحمة بالمشفوع فيه، و إنما أراد بذلك إظهار المنة الإلهية على بعض عباده، فيتولى اللّه سعادتهم و رفع الشقاوة عنهم، فمنهم من يرفع ذلك عنه بإخراجهم من النار إلى الجنان،

و قد ورد شفاعته بشفاعة أرحم الراحمين عند المنتقم الجبار، فهي مراتب أسماء إلهية لا شفاعة محققة، فإن اللّه يقول في ذلك اليوم [شفعت الملائكة و النبيون و المؤمنون و بقي أرحم الراحمين‏] فدل بالمفهوم أنه لم يشفع، فيتولى بنفسه إخراج من يشاء من النار إلى الجنة، و نقل حال من هو من أهل النار من شقاء الآلام إلى سعادة إزالتها، فذلك قدر نعيمه، و قد يشاء و يملأ اللّه جهنم بغضبه المشوب و قضائه و الجنة برضاه، فتعم الرحمة و تنبسط النعمة.

و لما كان لجميع الموجودات عند اللّه قدر و حظ، لذلك أقسم بالكل دلالة على شرفهم، فراع حظهم عند الحق من هذا الوجه، و لا تقل فيمن ليس من جنسك من جماد و نبات و حيوان ليس من جنسي، بل كل من أطاع اللّه فهو من جنسك إن كنت طائعا، قال تعالى:

 

[سورة الحاقة (69): آية 38]

فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (38)

و هو ما ظهر لنا.

[سورة الحاقة (69): آية 39]

وَ ما لا تُبْصِرُونَ (39)

[ «فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ، وَ ما لا تُبْصِرُونَ»:]

و هو ما خفي عنا، و الظاهر هو ما أدركه الحس، و ما استتر هو ما لا يدركه الحس من المعاني، و ما استتر عن الأبصار من الملائكة و الجن، و أقسم الحق هنا بالوجود و العدم، لأن الشرف عمّ إظهارا لعلو المقسم به، و لكن لا تشعرون، فإن القسم عند العلماء تعظيم المقسوم به،

إذ لا يكون القسم إلا بمن له مرتبة في العظمة، فعظّم اللّه بالقسم جميع العالم الموجود منه و المعدوم، إذ كانت أشخاصه لا تتناهى، فإنه أقسم به كله في قوله‏ «فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَ ما لا تُبْصِرُونَ» و ما لا تبصرون هو الموجود الغائب عن البصر و المعدوم، و دخل في هذا القسم المحدث و القديم، و يؤيد تعظيم المحدثات المقسوم بها قوله تعالى: (وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ) و هي محدثات‏ (فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) غير أنه لما علم اللّه عظمته في قلوب عباده موحدهم و مشركهم و مؤمنهم و كافرهم، و قد أقسم لهم بالمحدثات و بغير نفسه،

و علم أنه قد تقرر عندهم أنه لا يكون القسم إلا بعظيم عند المقسم، فبالضرورة يعتقد العالم تعظيم المحدثات، و من صفات الحق الغيرة، حجّر من كونه غيورا علينا أن نقسم بغيره، مع اعتقادنا عظمة الغير بتعظيم اللّه، فليس لمخلوق أن يقسم بمخلوق، و إن أقسم بمخلوق فهو عاص، و لا كفارة عليه إذا حنث، و عليه التوبة مما وقع فيه لا غير، فإن قلت: أقسم تعالى بكل معلوم من موجود و معدوم، فأقسم بنفسه و بجميع المعلومات، فهل لنا أن نقسم بما أقسم اللّه تعالى به أو محجور علينا ذلك؟ قلنا: قد يقسم بالأمر مضافا أو مفردا، فالمفرد:

و اللّه لأفعلن كذا؛ و المضاف مثل قول عائشة رضي اللّه عنها في قسمها: و رب محمد؛ فدخل المضاف في المضاف إليه في الذكر بالقسم، فعلى هذا الحد يقسم الإنسان الكامل بكل معلوم، سواء ذكر الاسم أو لم يذكره، و هو بعض تأويلات وجوه قسم اللّه بالأشياء في مثل قوله تعالى‏ (وَ الشَّمْسِ) (وَ الضُّحى‏) (وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ) يريد و رب الشمس، و رب‏ الضحى، و رب التين، فما أقسم إلا بنفسه، فلا قسم إلا باللّه، و ما عدا ذلك من الأقسام فهو ساقط ما ينعقد به يمين في المقسوم عليه،

و قد صح عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم النهي عن اليمين بغير اللّه، فإن قلت: لم أقسم اللّه؟ قلنا: سبب القسم بالأشياء طلب التعظيم من الخلق للأشياء، حتى لا يهملوا شيئا من الأشياء الدالة على الحق، سواء كان ذلك الدليل عدما أو وجودا، و قلنا: القسم نتيجة التهمة، و الحق يعامل الخلق من حيث ما هم عليه لا من حيث ما هو عليه،

و لهذا لم يول الحق تعالى للملائكة، لأنهم ليسوا من عالم التهمة، و أقسم الحق بنفسه حين أقسم بذكر المخلوقات، و حذف الاسم يدل على إظهار الاسم في مواضع من الكتاب العزيز، مثل قوله‏ (فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ) فكان ذلك إعلاما في المواضع التي لم يجر للاسم ذكر ظاهر، أنه غيب هنالك لأمر أراده سبحانه في ذلك، و القسم دليل على تعظيم المقسم به،

و لا شك أنه قد ذكر في القسم من يبصر و من لا يبصر، فدخل في ذلك الرضيع و الوضيع و الموجود و المعدوم، فهو القسم العام، فإنه دخل في هذا القسم من الموجودات جميع الأشياء، و دخل فيه العدم و المعدومات، و هو قوله‏ «وَ ما لا تُبْصِرُونَ» و ما تبصرونه في الحال و المستقبل، و المستقبل معدوم، فللأشياء نسبة إلى الشرف و التعظيم،

و كذلك العدم المطلق فإنه يدل على الوجود المطلق، فعظم من حيث الدلالة، و أما شرف العدم المقيد فإنه على صفة يقبل الوجود، و الوجود في نفسه شريف، و لهذا هو من أوصاف الحق، فقد شرف على العدم المطلق بوجه قبوله للوجود، فله دلالتان على الحق، دلالة من حيث عدمه و دلالة من حيث وجوده، و شرف العدم المطلق على المقيد بوجه و هو أنه من تعظيمه للّه و قوة دلالته أنه ما قبل الوجود، و بقي على أصله في عينه، غيرة على الجناب الإلهي أن يشركه في صفة الوجود.

[سورة الحاقة (69): آية 40]

إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40)

فأقسم تعالى‏ «إِنَّهُ» يعني القرآن و هو كلام اللّه‏ «لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» فأضاف الكلام إلى الواسطة و المترجم.

 

[سورة الحاقة (69): الآيات 41 الى 45]

وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ (41) وَ لا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (43) وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (44) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45)

فإن اليمين محل الاقتدار و القوة.

[سورة الحاقة (69): آية 46]

ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (46)

توعد اللّه عباده أشد الوعيد إذا هم افتروا على اللّه الكذب، و هذا الحكم سار في كل من كذب على اللّه، قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: أ يزني المؤمن؟ قال: نعم؛ قيل: أ يشرب المؤمن؟ قال: نعم؛ قيل أ يسرق المؤمن؟ قال: نعم، قيل له: أ يكذب المؤمن؟ قال:

لا؛ و قد ورد فيمن يكذب في حلمه أنه يكلف أن يعقد بين شعيرتين من نار و ما هو بقادر.

[سورة الحاقة (69): الآيات 47 الى 51]

فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (47) وَ إِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَ إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَ إِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (50) وَ إِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51)

العلم الذي هو حق اليقين هو الذي لا يتطرق إليه تهمة، فحق اليقين هو حق استقراره في القلب، أي لا يزلزله شي‏ء عن مقره، و حق استقراره هو حكمه الذي أوجبه على العلم و على العين، فلا يتصرف العلم إلا فيما يجب له التصرف فيه، و لا تنظر العين إلا فيما يجب لها النظر إليه و فيه، فذلك هو حق اليقين.

[سورة الحاقة (69): آية 52]

فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 379

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=