تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة هود
سورة هود
[1]
[سورة هود (11): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)
الر كِتابٌ مرّ ذكره أُحْكِمَتْ آياتُهُ أي: أعيانه و حقائقه في العالم الكلي بأن أثبتت دائمة على حالها لا تتبدل و لا تتغير و لا تفسد محفوظة عن كل نقص و آفة ثُمَّ فُصِّلَتْ في العالم الجزئي و جعلت مبينة في الظاهر معينة بقدر معلوم مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ أي: أحكامها و تفصيلها من لدن حكيم بناها على علم و حكمة لا يمكن أحسن منها و أشدّ أحكاما خَبِيرٍ بتفاصيلها على ما ينبغي في النظام الحكمي في تقديرها و توقيتها و ترتيبها.
[2]
[سورة هود (11): آية 2]
أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَ بَشِيرٌ (2)
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ أي: ينطق عليكم بلسان الحال و الدلالة أن لا تشركوا باللّه في عبادته و خصوصه بالعبادة إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَ بَشِيرٌ كلام على لسان الرسول، أي: إنني أنذركم من الحكيم الخبير عقاب الشرك و تبعته و أبشركم منه بثواب التوحيد و فائدته.
[3- 6]
[سورة هود (11): الآيات 3 الى 6]
وَ أَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَ يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4) أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (5) وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَ مُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (6)
وَ أَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ أي: وحدوه و اطلبوا منه أن يغفر هيئات النظر إلى الغير و الاحتجاب بالكثرة و التقيد بالأشياء و الوقوف معها حتى أفعالكم و صفاتكم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ارجعوا إليه بالفناء فيه ذاتا يُمَتِّعْكُمْ في الدنيا تمتيعا حَسَناً على وفق الشريعة و العدالة حالة البقاء بعد الفناء إلى وقت وفاتكم وَ يُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ في الأخلاق و العلوم و الكمالات فَضْلَهُ في الثواب و الدرجات أو يمتعكم بلذات تجليات الأفعال و الصفات عند تجرّدكم إلى وقت فنائكم أو و يؤت كل ذي فضل في الاستعداد فضله في الكمال و المرتبة عند الترقي و التدلي وَ إِنْ تَوَلَّوْا أي: تعرضوا عن التوحيد و التجريد فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ شاق عليكم و هو يوم الرجوع إلى اللّه القادر على كل شيء أي: يوم ظهور عجزكم و عجز ما تعبدون بظهوره تعالى في صفة قادريته فيقهركم بالعذاب.
[7- 8]
[سورة هود (11): الآيات 7 الى 8]
وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَ لَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَ لَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (8)
وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أي: خلق العالم الجسماني في ست جهات وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ أي: عرشه الذي هو العقل الأول مبتنيا على العلم الأول مستندا إليه مقدما بالوجود على عالم الأجسام، و إن أوّلنا الأيام الستة بمدة الخفاء كما مر و خلق السموات و الأرض باختفائه تعالى بتفاصيل الموجودات فمعنى كون عرشه على الماء كونه قبل بداية الاختفاء ظاهرا معلوما للناس كقولك: فعلته على علم، أي: في حال كونه معلوما لي، أو كوني عالما به، أي: على المعلومية كما قال حارثة حين سأله رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:«كيف أصبحت يا حارثة؟» قال: أصبحت مؤمنا حقا. قال صلى اللّه عليه و سلم: «لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟» قال: رأيت أهل الجنة يتزاورون و رأيت أهل النار يتعاوون و رأيت عرش ربي بارزا.قال صلى اللّه عليه و سلم: «أصبت، فالزم».
و قد عبّر في الشرع عن المادة الهيولانية بالماء في مواضع كثيرة منها ما ورد في الحديث: إن اللّه خلق أول ما خلق جوهرة، فنظر إليها بعين الجلال فذابت حياء نصفها ماء و نصفها نار. فإن أوّلناه بها فمعناه: و كان عرشه قبل السموات و الأرض بالذات لا بالزمان مستعليا على المادة فوقها بالرتبة، و إن شئت التطبيق على تفاصيل وجودك فمعناه خلق سموات القوى الروحانية و أرض الجسد في الأشهر الستة التي هي أقل مدة الحمل و كان عرشه الذي هو قلب المؤمن على ماء مادة الجسد مستوليا عليه متعلقا به تعلق التصوير و التدبير لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا جعل غاية خلق الأشياء ظهور أعمال الناس أي: خلقناهم لنعلم العلم التفصيلي التابع للوجود الذي يترتب عليه الجزاء أيكم أحسن عملا فإن علم اللّه قسمان: قسم يتقدّم وجود الشيء في اللوح، و قسم يتأخر وجوده في مظاهر الخلق و البلاء الذي هو الاختبار هو هذا القسم.
[9- 10]
[سورة هود (11): الآيات 9 الى 10]
وَ لَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (9) وَ لَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10)
وَ لَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً إلى آخره، ينبغي للإنسان أن يكون في الفقر و الغنى و الشدّة و الرخاء و المرض و الصحة واثقا باللّه متوكلا عليه لا يحتجب عنه بوجود نعمة و لا بسعيه و تصرّفه في الكسب و لا بقوّته و قدرته في الطلب و لا بسائر الأسباب و الوسائط لئلا يحصل اليأس عند فقدان تلك الأسباب و الكفران و البطر و الأشر عند وجودها فيبعد بها عن اللّه تعالى و ينساه فينساه اللّه بل يرى الإعطاء و المنع منه دون غيره، فإن أتاه رحمة من صحة أو نعمة شكره أولا برؤية ذلك منه و شهود المنعم في صورة النعمة، و ذلك بالقلب ثم بالجوارح باستعمالها في مراضيه و طاعته و القيام بحقوقه تعالى فيها ثم باللسان بالحمد و الثناء متيقنا بأنه القادر على سلبها، و حافظا عليها بشكرها مستزيدا إياها اعتمادا على قوله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ[1].
قال أمير المؤمنين عليه السلام: «إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلّة الشكر»، ثم إن نزعها منه فليصبر و لا يتأسف عليها عالما بأنه هو الذي نزع دون غيره لمصلحة تعود إليه. فإنّ الرب تعالى كالوالد المشفق في تربيته إياه، بل أرأف و أرحم، فإن الوالد محجوب عما يعلمه تعالى إذ لا يرى إلا عاجل مصالحه و ظاهرها و هو العالم بالغيب و الشهادة فيعلم ما فيه صلاحه عاجلا و آجلا راضيا بفعله راجيا إعادة أحسن ما نزع منها إليه إذ القانط من رحمته بعيد منه لا يستوسع رحمته لضيق وعائه محجوب عن ربوبيته لا يرى عموم فيض رحمته و دوامه ثم إذا أعادها لم يفرح بوجودها كما لم يحزن بفقدانها و لا يفخر بها على الناس، فإن ذلك من الجهل و ظهور النفس و إلا لعلم أن ذلك ليس منه و له فبأي سبب يسوغ له فخر بما ليس له و منه بل للّه و من اللّه.
[11- 14]
[سورة هود (11): الآيات 11 الى 14]
إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ (11) فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَ ضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)
إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا استثناء من الإنسان أي هذا النوع يئوس كفور فرح فخور في الحالين إلا الذين صبروا مع اللّه واقفين معه في حالة الضراء و النعماء و الشدة و الرخاء كما قال عمر رضي اللّه عنه: الفقر و الغنى مطيتان لا أبالي أيهما أمتطي، وَ عَمِلُوا في الحالين ما فيه صلاحهم مما ذكر أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ من ذنوب ظهور النفس باليأس و الكفران و الفرح و الفخر في الحالين وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ من ثواب تجليات الأفعال و الصفات و جنانها فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ لما لم يقبلوا كلامه صلى اللّه عليه و سلم بالإرادة و أنكروا قوله بالاقتراحات الفاسدة و قابلوه بالعناد و الاستهزاء ضاق صدره و لم ينبسط للكلام إذ الإرادة تجذب الكلام و قبول المستمع يزيد نشاط المتكلم و يوجب بسطه فيه، و إذا لم يجد المتكلم محلا قابلا لم يتسهل له و بقي كربا عنده فشجعه اللّه تعالى بذلك، و هيّج قوته و نشاطه بقوله: إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ فلا يخلو إنذارك من إحدى الفائدتين إما رفع الحجاب بأن ينجع فيمن وفقه اللّه تعالى لذلك، و إما إلزام الحجة لمن لم يوفق لذلك وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ فكل الهداية إليه.
[15]
[سورة هود (11): آية 15]
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَ هُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (15)
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا أي: كل من يعمل عملا و إن كان من أعمال الآخرة في الظاهر بنية الدنيا لا يريد به إلا حظا من حظوظها يوفيه اللّه تعالى أجره فيها و لا يصل إليه من ثواب الآخرة شيء، فإنّ لكل أحد نصيبا من الدنيا بمقتضى نشأته التي هو عليها و نصيبا من الآخرة بمقتضى فطرته التي فطر عليها، فإذا لم يرد بعمله إلا الدنيا فقد أقبل بوجهه إليها و أعرض عن الآخرة و جعل النصيب الدنيوي بانجذابه و توجهه إلى الجهة السفلية حجاب النصيب الأخروي حتى انتكست فطرته و تبعت النشأة و استخدمت نفسه القلب في طلب حظوظها فصار نصيبه من الآخرة منضما إلى النصيب الدنيوي وَ هُمْ فِيها لا ينقصون أي: لا ينقص من ثواب أعمالهم في الدنيا شيء لأنه لما تشكل القلب بهيئة النفس تمثل حظه بصورة حظ النفس.
[16]
[سورة هود (11): آية 16]
أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَ حَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (16)
أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ لتعذب قلوبهم بالحجب الدنيوية و حرمانها عن مقتضى استعدادها و تألمها بما لا يلائمها من مكسوباتها وَ حَبِطَ ما صَنَعُوا من أعمال البر في الآخرة لكونها بنية الدنيا لقوله صلى اللّه عليه و سلم: «الأعمال بالنيّات و لكل امرئ ما نوى»إلى آخر الحديث.
[17]
[سورة هود (11): آية 17]
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَ رَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (17)
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ أي: أمن كان يريد الحياة الدنيا فمن كان على بينة من ربّه يعني بعد ما بينهما في المرتبة بعدا عظيما من كان على بينة أي: يقين برهاني عقلي أو وجداني كشفي و يتبع ذلك اليقين شاهِدٌ من ربّه أي: القرآن المصدّق للبرهان العقلي في التوحيد و صحة النبوّة و أصول الدين، و من قبل هذا القرآن كِتابُ مُوسى أي: يتبع البرهان من قبل هذا الكتاب كتاب موسى في حال كونه إِماماً يؤتمّ به و قدوة يتمسك بها في تحقيق المطالب و رحمة رحيمية تهدي الناس و تزكّيهم و تعلمهم الحكم و الشرائع أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ بالحقيقة دون الطالبين لحظوظ الدنيا.
[18- 22]
[سورة هود (11): الآيات 18 الى 22]
وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَ يَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ يَبْغُونَها عِوَجاً وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (19) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَ ما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَ ما كانُوا يُبْصِرُونَ (20) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (21) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22)
وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً بإثبات وجود غيره و إسناد صفته من الكلام و نحوه إلى الغير أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ بالوقف في الموقف الأول محجوبين مخذولين وَ يَقُولُ الْأَشْهادُ الموحدون هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ بالشرك ثم طردوا و لعنوا بسبب شركهم الذي هو أعظم الظلم الَّذِينَ يَصُدُّونَ الناس عن سبيل التوحيد و يصفونها بالاعوجاج مع استقامتها و هم مع احتجابهم عن الحق محجوبون عن الآخرة دون غيرهم من أهل الأديان.
[23- 28]
[سورة هود (11): الآيات 23 الى 28]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ أَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (23) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَ الْأَصَمِّ وَ الْبَصِيرِ وَ السَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَ فَلا تَذَكَّرُونَ (24) وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَ ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَ ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (27)
قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (28)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا الإيمان اليقيني الغيبي وَ عَمِلُوا الأعمال التي تصلحهم للقاء اللّه و تقرّبهم إليه من التوبة و الزهد الحقيقي و الإنابة و العبادة و الصبر و الشكر و ما يناسبها من أعمال أهل السلوك و مقاماتهم وَ أَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ و تذللوا و اطمأنوا إليه بالشوق و انقطعوا إليه متفانين فيه أُولئِكَ أَصْحابُ جنة القلوب هُمْ فِيها خالِدُونَ.
فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ أي: الإشراق المليئون بأمور الدنيا، القادرون عليها، الذين حجبوا بعقلهم و معقولهم عن الحق. ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا لكونهم ظاهريين واقفين على حد العقل المشوب بالوهم المتحير بالهوى الذي هو عقل المعاش لا يرون لأحد طورا وراء ما بلغوا إليه من العقل غير مطلعين على مراتب الاستعدادات و الكمالات طورا بعد طور و رتبة فوق رتبة إلى ما لا يعلمه إلا اللّه، فلم يشعروا بمقام النبوّة و معناها وَ ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا فقراؤنا الأدنون منّا، إذ المرتبة و الرفعة عندهم بالمال و الجاه ليس إلا كما قال تعالى: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (7)[2].
بادِيَ الرَّأْيِ أي: بديهة الرأي و أوله لأنهم ضعاف العقول، عاجزون عن كسب المعاش، و نحن أصحاب فكر و نظر قالوا ذلك لاحتجابهم بعقلهم القاصر عن إدراك الحقيقة و الفضيلة المعنوية لقصر تصرّفه على كسب المعاش و الوقوف على حدة. و أما أتباع نوح عليه السلام فأنهم أصحاب همم بعيدة و عقول حائمة حول القدس غير متصرّفة في المعاش و لا ملتفتة إلى وجوه كسبه و تحصيله، فلذلك استنزلوا عقولهم و استحقروها وَ ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ و تقدّم فيما نحن بصدده لكون الفضل عندهم محصورا في التقدّم بالغنى و المال و الجاه بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ لعدم إدراك ما تثبتون و فهم ما تقولون مع وفور كياستنا أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي يجب عليكم من طريق العقل الإذعان له وَ آتانِي رَحْمَةً أي:
هداية خاصة كشفية متعالية عن درجة البرهان مِنْ عِنْدِهِ أي: فوق طور العقل من العلوم اللدنية و مقام النبوّة فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ لاحتجابكم بالظاهر عن الباطن و بالخليقة عن الحقيقة و لا يمكن تلقيها إلا بالإرادة لأهل الاستعداد فكيف نلزمكموها و نجبركم عليها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ أي: إن شئتم تلقيها فزكوا نفوسكم وصفوا استعدادكم إن وهب لكم و اتركوا إنكاركم حتى يظهر عليكم أثر نور الإرادة فتقبلوها إن شاء اللّه.
[29]
[سورة هود (11): آية 29]
وَ يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَ ما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ لكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (29)
لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا أي: الغرض عندكم من كل أمر محصور في حصول المعاش و أنا لا أطلب ذلك منكم فتنبهوا لغرضي و أنتم عقلاء بزعمكم وَ ما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا لأنهم أهل القربة و المنزلة عند اللّه فإن طردتهم كنت عدوّ اللّه مناويا لأوليائه لست بنبي حينئذ وَ لكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ما يصلح به المرء للقاء اللّه و لا تعرفون اللّه و لا لقاءه لذهاب عقولكم في الدنيا أو تسفهون تؤذون المؤمنين بسفهكم.
[30- 37]
[سورة هود (11): الآيات 30 الى 38]
وَ يا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ (30) وَ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَ لا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31) قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)
أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَ أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35) وَ أُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَ وَحْيِنا وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) وَ يَصْنَعُ الْفُلْكَ وَ كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (38)
وَ يا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ الذي هو القاهر فوق عباده إِنْ طَرَدْتُهُمْ و استوجبت قهره بطردهم أَ فَلا تَذَكَّرُونَ مقتضيات الفطرة الإنسانية فتنزجرون عما تقولون وَ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ أي: أنا أدّعي الفضل بالنبوة لا بالغنى و كثرة المال و لا بالاطلاع على الغيب و لا بالملكية حتى تنكروا فضلي بفقدان ذلك وَ لا أَقُولُ للفقراء المؤمنين الذين تستحقرونهم و تنظرون إليهم بعين الحقارة لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً كما تقولون، إذ الخير عندي ما عند اللّه لا المال اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ من الخير مني و منكم و هو أعرف بقدرهم و خطرهم و ما يعلم أحد قدر خيرهم لعظمه إِنِّي إِذاً أي: إذ نفيت الخير عنهم أو طردتهم لَمِنَ الظَّالِمِينَ.
وَ يَصْنَعُ الْفُلْكَ إلى آخره، تفسيره على ما دل عليه الظاهر حق يجب الإيمان به و صدق لا بدّ من تصديقه كما جاء في التواريخ من بيان قصة الطوفان و زمانه و كيفيته و كميته.
و أما التأويل فمحتمل بأن يؤوّل الفلك بشريعة نوح التي نجا بها هو و من آمن معه من قومه كما قال النبي عليه الصلاة و السلام: «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركب فيها نجا و من تخلّف عنها غرق» . و الطوفان باستيلاء بحر الهيولى و إهلاك من لم يتجرّد عنها بمتابعة نبيّ و تزكية نفس كما جاء في كلام إدريس النبيّ عليه السلام و مخاطباته لنفسه ما معناه: إنّ هذه الدنيا بحر مملوء ماء فإن اتخذت سفينة تركبها عند خراب البدن نجوت منها إلى عالمك و إلا غرقت فيها و هلكت، فعلى هذا يكون معنى و يصنع الفلك يتخذ شريعة من ألواح الأعمال الصالحة و دسر العلوم التي تنظم بها الأعمال و تحكم.
[38- 39]
[سورة هود (11): آية 39]
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (39)
وَ كُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ كما ترى من عادة الشطّار و ذوي الخلاعة المشتهرين بالإباحة يستهزءون بالمتشرّعين و المتقيدين بقيودها قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا بجهلكم فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ عند ظهور و خامة عاقبة كفركم و احتجابكم كَما تَسْخَرُونَفَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عند ذلك مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ في الدنيا من هلاك و موت أو مرض و ضرّ أو شدة و فقر، كيف يضطرب و يتحسر على ما يفوت منه وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ دائم في الآخرة من استيلاء نيران الحرمان و هيئات الرذائل المظلمة و الخسران.
[40]
[سورة هود (11): آية 40]
حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَ مَنْ آمَنَ وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40)
حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا بإهلاك أمّتك وَ فارَ تنور البدن باستيلاء الأخلاط الفاسدة و الرطوبات الفضلية على الحرارة الغريزية و قوة طبيعة ماء الهيولى على نار الروح الحيوانية أو أمرنا بإهلاكهم المعنوي و فار التنور باستيلاء ماء هوى الطبيعة على القلب و إغراقه في بحر الهيولى الجسماني قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ أي: من كل صنفين من نوع اثنين هما صورتاهما النوعية و الصنفية الباقيتان عند فناء الأشخاص.
و معنى حملهما فيها: علمه ببقائهما مع بقاء الأرواح الإنسية، فإن علمه جزء من سفينته الحاوية للكل لتركبها من العلم و العمل، فمعلوميتهما محموليتهما و عالميته بهما حامليته إياهما فيها وَ أَهْلَكَ و من يتصل بك في دينك و سيرتك من أقاربك إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ أي: الحكم بإهلاكه في الأزل لكفره وَ مَنْ آمَنَ باللّه من أمّتك.
[41]
[سورة هود (11): آية 41]
وَ قالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَ مُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41)
وَ قالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَ مُرْساها أي: باسم اللّه الأعظم الذي هو وجود كل عارف كامل من أفراد نوع الإنسان إنفاذها و إجراء أحكامها و ترويجها في بحر العالم الجسماني و إقامتها و أحكامها و إثباتها كما ترى من إجراء كل شريعة و إنفاذ أمرها و تثبيتها و أحكامها بوجود نبي أو إمام من أئمتها أو حبر من أحبارها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ يغفر هيئات نفوسكم البدنية المظلمة و ذنوب ملابس الطبيعة المهلكة إياكم، المغرقة في بحرها بمتابعة الشريعة رَحِيمٌ يرحم بإفاضة المواهب العلمية و الكشفية و الهيئات النورانية التي ينجيكم بها لو لا مغفرته و رحمته لغرقتم و هلكتم مثل إخوانكم.
[42- 43]
[سورة هود (11): الآيات 42 الى 43]
وَ هِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَ نادى نُوحٌ ابْنَهُ وَ كانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَ لا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (42) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَ حالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)
وَ هِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ من فتن بحر الطبيعة الجسمانية و استيلاء دواعيها على الناس و غلبة أهوائها بإنفاقهم على مقتضياتها كالجبال الحاجبة للنظر، المانعة للسير أو موج من انحرافات المزاج و غلبات الأخلاط المردية وَ نادى نُوحٌ ابْنَهُ المحجوب بعقله المغلوب بالوهم الذي هو عقل المعاش عن دين أبيه و توحيده وَ كانَ فِي مَعْزِلٍ عن دينه و شريعته يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا أي: ادخل في ديننا وَ لا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ المحجوبين عن الحق، الهالكين بموج هوى النفس، المغرقين في بحر الطبع قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ يعني به الدماغ الذي هو محل العقل، أي: سأستعصم بالعقل و المعقول ليعصمني من استيلاء بحر الهيولى فلا أغرق فيه قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا الذي رَحِمَ بدين التوحيد و الشرع وَ حالَ بَيْنَهُمَا موج هوى النفس و استيلاء ماء بحر الطبيعة، أي: حجبه عن أبيه و دينه و توحيده فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ في بحر الهيولى الجسمانية.
[44]
[سورة هود (11): آية 44]
وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي وَ غِيضَ الْماءُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَ قِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)
وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي أي: نودي من جهة الحق على لسان الشرع أرض الطبيعة الجسمانية أي: يا أرض انقصي بأمر الشريعة و امتثال أحكامها من غلبة هواك و استيلائه بفوران موادّك على القلب، و قفي على حدّ الاعتدال الذي به قوامه، و يا سماء العقل المحجوبة بالعادة و الحس، المبثوثة بالوهم، المغيمة بغيم الهوى التي تمدّ النفس و الطبيعة بتهيئة موادها و أسبابها بالفكر أقلعي عن مددها وَ غِيضَ ماء قوة الطبيعة الجسمانية و مدد الرطوبة الحاجبة لنور الحق، المانعة للحياة الحقيقية وَ قُضِيَ أمر اللّه بإنجاء من نجا و إهلاك من هلك وَ اسْتَوَتْ أي: استقامت شريعته عَلَى جودي وجود نوح و استقرّت وَ قِيلَ بُعْداً أي: هلاكا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الذين كذّبوا بدين اللّه و عبدوا الهوى مكان الحق و وضعوا طريق الطبيعة مكان الشريعة.
[45]
[سورة هود (11): آية 45]
وَ نادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (45)
وَ نادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي حمله شفقة الأبوة و تعطف الرحم و القرابة على طلب نجاته لشدّة تعلقه به و اهتمامه بأمره، و راعى مع ذلك أدب الحضرة و حسن السؤال فقال: وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُ و لم يقل لا تخلف وعدك بإنجاء أهلي، و إنما قال ذلك لوجود تلوين و ظهور بقية منه إذ فهم من الأهل ذوي القرابة الصورية و الرحم الطبيعية و غفل لفرط التأسف على ابنه عن استثنائه تعالى بقوله: إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ[3] و لم يتحقق أنّ ابنه هو الذي سبق عليه القول و لا استعطف ربّه بالاسترحام و عرّض بقوله: وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ إلى أن العالم العادل و الحكيم لا يخلف وعده.
[46- 51]
[سورة هود (11): الآيات 46 الى 51]
قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (46) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ إِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَ تَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (47) قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَ بَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَ عَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (48) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَ لا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) وَ إِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (50)
يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَ فَلا تَعْقِلُونَ (51)
قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي: إنّ أهلك في الحقيقة هو الذي بينك و بينه القرابة الدينية و اللحمة المعنوية و الاتصال الحقيقي لا الصوري كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: «ألا و إنّ وليّ محمد من أطاع اللّه و إن بعدت لحمته، ألا و إن عدّو محمد من عصى اللّه و إن قربت لحمته»، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ بين انتفاء كونه من أهله بأنه غير صالح تنبيها على أنّ أهله هم الصلحاء، أهل دينه و شريعته و أنه لتماديه في الفساد و الغيّ كان نفسه عمل غير صالح. و أنّ سبب النجاة ليس إلا الصلاح لا قرابته منك بحسب الصورة، فمن لا صلاح له لا نجاة له. و لوّح إلى أنه صورة من صور الخطايا صدرت منك كما قيل: إنه سرّ من أسرار أبيه على ما قال النبي عليه الصلاة و السلام: «الولد سرّ أبيه»و ذلك أنه لما بالغ في الدعوة و بلغ الجهد في المدة المتطاولة و ما أجابه قومه غضب و دعا عليهم بقوله: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً (27)[4]، فذهل عن شهود قدرة اللّه و حكمته و أنه: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ*[5] فكانت دعوته تلك ذنب حاله في خطيئة مقامه، فابتلاه اللّه بالفاجر الكفّار الذي زعم حال غضبه أنهم لا يلدون إلا مثله و حكم على اللّه بظنه فزكّاه عن خطيئته بتلك العقوبة. و في الحديث: «خلق الكافر من ذنب المؤمن».
فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ من إنجاء من ليس بصالح و لا من أهلك، و اعلم أن الصلاح هو سبب النجاة دون غيره، و إن أهلك هو ذو القرابة المعنوية لا الصورية.إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ الواقفين مع ظواهر الأمور، المحجوبين عن حقائقها، فتنبّه عليه السلام عند ذلك التأديب الإلهي و العتاب الرباني و تعوّذ بقوله: رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ إِلَّا تَغْفِرْ لِي تلويناتي و ظهور بقاياي وَ تَرْحَمْنِي بالاستقامة و التمكين أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ الذين خسروا أنفسهم بالاحتجاب عن علمك و حكمتك قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ أي: اهبط من محل الجمع و ذروة مقام الولاية و الاستغراق في التوحيد إلى مقام التفصيل و تشريع النبوّة بالرجوع إلى الخلق و مشاهدة الكثرة في عين الوحدة لا مغضبا بالاحتجاب بهم عن الحق و لا راضيا بكفرهم بالاحتجاب بالحق عنهم بِسَلامٍ أي: سلامة عن الاحتجاب بالكثرة و ظهور النفس بالغضب و وجود التلوين و حصول التعلق بعد التجرد و الضلال بعد الهدى مِنَّا أي صادر منا و بنا وَ بَرَكاتٍ بتقنين قوانين الشرع و تأسيس قواعد العدل الذي ينمو به كل شيء و يزيد عَلَيْكَ وَ عَلى أُمَمٍ ناشئة مِمَّنْ مَعَكَ و على دينك و طريقتك إلى آخر الزمان.
وَ أُمَمٌ أي: و ينشأ ممن معك أمم سَنُمَتِّعُهُمْ في الحياة الدنيا لاحتجابهم بها و وقوفهم ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ بإهلاكهم بكفرهم و إحراقهم بنار الآثار، و تعذيبهم بالهيئات، و إن شئت التطبيق أوّلت نوحا بروحك و الفلك بكمالك العلمي و العملي الذي به نجاتك عند طوفان بحر الهيولى حتى إذا فارّ تنور البدن باستيلاء الرطوبة الغريبة و الأخلاط الفاسدة و أذن بالخراب، ركب هو فيها و حمل معه من كل صنفين من وحوش القوى الحيوانية و الطبيعية و طيور القوى الروحانية اثنين، أي: أصليهما و بنيه الثلاثة حام القلب، و سام العقل النظري، و يافث العقل العملي، و زوجه النفس المطمئنة و أجراها باسم اللّه الأعظم فنجا بالبقاء السرمدي من الهلاك الأبدي بالطوفان و غرقت زوجه الأخرى التي هي الطبيعة الجسمانية و ابنه منها الذي هو الوهم الآوي إلى جبل الدماغ، و أوّلت استواءها على الجودي و هبوطه بمثل نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان.
[52]
[سورة هود (11): آية 52]
وَ يا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَ لا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52)
وَ يا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ من ذنوب حجب صفات النفس و الوقوف مع الهوى بالشرك ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ بالتوجه إلى التوحيد و السلوك في طريقه بالتجرّد و التنوّر. يرسل سماء الروح عَلَيْكُمْ مِدْراراً بماء العلوم الحقيقية و المعارف اليقينية وَ يَزِدْكُمْ قوّة الكمال إِلى قوة الاستعداد و لا تعرضوا عنه مُجْرِمِينَ بظهور صفات نفوسكم و توجهكم إلى الجهة السفلية بمحبة الدنيا و متابعة الطبيعة.
[53- 63]
[سورة هود (11): الآيات 53 الى 63]
قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَ ما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَ ما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَ اشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَ يَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَ لا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57)
وَ لَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَ نَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (58) وَ تِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَ عَصَوْا رُسُلَهُ وَ اتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَ أُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (60) وَ إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَ إِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62)
قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63)
قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ لقصور فهمهم و عمى بصيرتهم عن إدراك البرهان لمكان الغشاوات الطبيعية و إذا لم يدركوه أنكروه بالضرورة إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها بين وجوب التوكل على اللّه و كونه حصنا حصينا أولا بأن ربوبيته شاملة لكل أحد، و من بربّ يدبر أمر المربوب و يحفظه فلا حاجة له إلى كلاءة غيره و حفظه.
ثم بأن كل ذي نفس تحت قهره و سلطانه أسير في يد تصرفه و مملكته و قدرته عاجز عن الفعل و القوة و التأثير في غيره لا حراك به بنفسه كالميت فلا حاجة إلى الاحتراز منه و التحفظ ثم بأنه عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي: على طريق العدل في عالم الكثرة الذي هو ظل وحدته فلا يسلط أحدا على أحد إلا عن استحقاق له لذلك بسبب ذنب و جرم و لا يعاقب أحدا من غير زلّة و لو صغيرة و قد يكون لتزكية و رفع درجة كالشهادة و في ضمن ذلك كله نفي القدرة على النفع و الضرّ عنهم و عن آلهتهم.
[64- 68]
[سورة هود (11): الآيات 64 الى 68]
وَ يا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَ لا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَ مِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَ أَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (68)
وَ يا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ قد مرّ تأويل الناقة، و أما إنجاء صالح و من معه على التأويل المذكور فكإنجاء عيسى عليه السلام من الصلب كما جاء في قوله تعالى: وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ[6]، و في قوله: وَ ما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ[7]. و كإنجاء مؤمن آل فرعون على ما أشار إليه بقوله تعالى: فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا[8].
[69- 85]
[سورة هود (11): الآيات 69 الى 85]
وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَ امْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (71) قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَ جاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ إِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) وَ لَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَ ضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَ قالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَ جاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَ مِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ لا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78)
قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (79) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَ أَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَ ما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)
وَ إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَ لا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَ يا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)
وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى إلى آخره، إن للنفوس الشريفة الإنسانية اتصالات بالمبادئ المجرّدة العالية و الأرواح المقدّسة الفلكية من الأنوار القاهرة العقلية و النفوس المدبرة السماوية و اختلاطات بالملإ الأعلى من أهل الجبروت و انخراطات في سلك الملكوت. و لكل نفس بحسب فطرتها مبدأ يناسبها من عالم الجبروت و مدبّر يربها من عالم الملكوت تستمد من الأول فيض العلم و النور، و من الثاني مدد القوة و العمل كما أشار إليه قوله: وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ (21)[9] و مقرّ أصلي تأوي إليه من جناب اللاهوت إن تجرّدت، كما قال عليه الصلاة و السلام: «أرواح الشهداء تأوي إلى قناديل من نور معلقة تحت العرش»، و كلما انجذبت إلى الجهة السفلية بالميل إلى اللذات الطبيعية احتجبت بغشاوتها عن ذلك الجناب و انقطع مددها من تلك الجهة من الأنوار الجبروتية و القوى الملكوتية، فضعفت في الإدراكات لاحتجابها عن قبول تلك الإشراقات. و في المنّة و القوة الانقطاع مددها من تلك القوة. و كلما توجهت إلى الجهة العلوية بالتنزّه عن الهيئات البدنية، و التجرّد عن الملابس المادية، و التقرّب إلى اللّه تعالى، مبدأ المبادئ، و نور الأنوار بالزهد و العبادة.
و التشبث في المبادئ بالنظافة و النزاهة مقرونا عمله بالصدق في النية و إخلاص الطويّة أمدّه اللّه تعالى لمناسبته سكان حضرته من عالمهم إمداد النور و القوة، فتعلم ما لا يعلمه غيرها من أبناء جنسها و تقدر على ما لا يقدر عليه مثلها من بني نوعها، و يكون لها أوقات تنخرط فيها في سلكها بالانخلاع عن بدنها و أوقات تبعد فيها عنها بما هي ممنوّة به من تدبير جسدها. ففي أوقات اتصالها بها و انخراطها في سلكها قد تتلقى الغيب منها، إما كما هو على سبيل الوحي و الإلهام و الإلقاء في الروع و الإعلام بمطالعة صورة الغيب المنتقشة هي بها منها، و إما على طريق الهتاف و الإنهاء، و إما على صورة كتابة في صحيفة تطالعه منها و ذلك بحسب جهة قبول لوح حسها المشترك و اختصاصه بنوع بعض المحسوسات دون بعض للأحوال السابقة و الاتفاقات العارضة. و قد يتراءى لها صور منها تناسبها في الحسن و اللطافة فيتجسد لها إما بقوة تخيلها و ظهورها في حسها المشترك لاستحكام الاتصال و استقراره ريثما تحاكيها المتخيلة، و إما بتمثلها في متخيلة الكل التي هي السماء الدنيا و انطباعها في متخيلتها بالانعكاس كما فيما بين المرايا المتقابلة فتخاطبها بصورة الغيب شفاها على ما يرى في المنامات الصادقة من غير فرق، فإن الرؤيا الصادقة و الوحي كلاهما من واد واحد لا تباين بينهما إلا بالنوم و اليقظة، فإن صاحب الوحي يقدر على الغيبة من الحواس و إدراكاتها و عزلها عن أفعالها و تعطيلها في استعمالها فيتصل بالمجرّدات العلوية لقوة نفسه و حصول ملكة الاتصال لها، و صاحب الرؤيا الصادقة يقع له ذلك بحكم الطبع و تلك الرؤيا هي التي لا تحتاج إلى تعبير كما أشار إليه من رؤيا رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في القرآن بقوله: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ[10] و لهذا جعل الرؤيا الصادقة جزء من ستة و أربعين جزء من النبوة، و كانت مقدمة وحيه المنامات الصادقة ستة أشهر ثم استحكمت و صارت إلى اليقظة. و قد تنتقل المتخيلة في الحالتين، أي: النوم و اليقظة، إلى اللوازم، فيقع الاحتياج إلى التعبير و التأويل و قد يظهر على تلك النفس المتدربة بملكة الاتصال المتمرّنة فيها من خوارق العادات و أنواع الكرامات و المعجزات لوصول المدد من عالم القدرة ما ينكره من لا يعلمه من المحجوبين بالعادة و أصحاب قسوة القلوب و الجفوة و المحجوبين بالعقول الناقصة المشوبة بالوهم القاصرة عن بلوغ الحد و إدراك الحق، و يقبله من تنوّر قلبه بنور الهداية و عصم عن الضلالة و الغواية استبصارا و إيقانا أو سلمت فطرته عن الحجب المظلمة و الغباوة و خلصت عن الجهالة و الغشاوة و تقليدا و إيمانا للين قلبه بالإرادة و قوة قبوله للصقالة، و ذلك إما بتأييد نفسه من عالم الملكوت و تقويها بمبدأ الأبد و القوة كما
قال علي عليه السلام عند قلعه باب خيبر: «و اللّه ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية، و لكن قلعته بقوة ملكوتية و نفس بنور ربها مضيّة». و إما بصدور ذلك عن تلك النفوس الملكوتية و المبادئ الجبروتية التي اتصل هو بها لإجابة دعوته بإطاعة الملكوت له بإذن اللّه تعالى و أمره و تقديره و حكمه و تسخيره. و قد دلت الآية على تمثل الملائكة لخليل اللّه عليه الصلاة و السلام و تجسدها على الحالات الثلاث: مخاطبتها إياه بالغيب الذي هو البشرى بوجود الولد، و إهلاك قوم لوط و إنجائه و تأييده بهم في خرق العادة من ولادة العجوز العقيم من الشيخ الفاني و تأثيرهم في إهلاك قوم لوط و تدميرهم بدعائه و اللّه أعلم بحقائق الأمور.
إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ لما رأى شعيب عليه السلام ضلالتهم بالشرك و احتجابهم عن الحق بالجبت، و تهالكهم على كسب الحطام بأنواع الرذائل و تماديهم في الحرص على جمع المال بأسوأ الخصال منعهم عن ذلك و قال: إني أراكم بخير في استعدادكم من إمكان حصول كمال و قبول هداية فإني أخاف عليكم إحاطة خطيئاتكم بكم لاحتجابكم عن الحق و وقوفكم مع الغير و صرف أفكاركم بالكلية إلى طلب المعاش و إعراضكم عن المعاد، و قصور هممكم على إحراز الفاسدات الفانيات عن تحصيل الباقيات الصالحات، و انجذابكم إلى الجهة السفلية عن الجهة العلوية، و اشتغالكم بالخواص البهيمية عن الكمالات الإنسية، فلازموا التوحيد و العدالة و اعتزلوا عن الشرك و الظلم الذي هو جماع الرذائل و أمّ الغوائل وَ لا تَعْثَوْا في إفسادكم أي: و لا تبالغوا و لا تمادوا في غاية الإفساد فإنّ الظلم هو الغاية في ذلك كما أن العدل هو الغاية في الصلاح و جماع الفضائل.
[86- 87]
[سورة هود (11): الآيات 86 الى 87]
بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)
بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي: إن كنتم مصدّقين ببقاء شيء فما يبقى لكم عند اللّه من الكمالات و السعادات الأخروية و المقتنيات العقلية و المكاسب العلمية و العملية خير لكم من تلك المكاسب الفانية التي تشقون بها و تشقون على أنفسكم في كسبها و تحصيلها ثم تتركونها بالموت و لا يبقى منها معكم شيء إلا وبال التبعات و العذاب اللازم لما في نفوسكم من رواسخ الهيئات. و لما شاهد إنكارهم و عتوّهم في العصيان، و استهزاءهم بطاعته، و زهده و توحيده و تنزّهه بقولهم: أَ صَلاتُكَ إلى آخره.
[88- 90]
[سورة هود (11): الآيات 88 الى 90]
قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَ ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَ ما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ (88) وَ يا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَ ما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90)
قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ أي: أخبروني إِنْ كُنْتُ عَلى برهان يقيني على التوحيد مِنْ رَبِّي وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً من الحكمة العلمية و العملية و الكمال و التكميل بالاستقامة في التوحيد، هل يصح لي أن أترك النهي عن الشرك و الظلم و الإصلاح بالتزكية و التحلية؟.
و حذف جواب: أرأيتم، لما دل عليه في مثله كما مر في قصة نوح و صالح عليهما السلام و على خصوصيته هاهنا من قوله: وَ ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إلى آخره، أي: أن أقصد إلى جرّ المنافع الدنيوية الفانية بارتكاب الظلم الذي أنهاكم عنه إِنْ أُرِيدُ إِلَّا إصلاح نفسي و نفوسكم بالتزكية و التهيئة لقبول الحكمة ما دمت مستطيعا و ما كوني موفقا للإصلاح إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ.
[91- 111]
[سورة هود (11): الآيات 91 الى 111]
قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَ إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَ لَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَ ما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (91) قالَ يا قَوْمِ أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ اتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ مَنْ هُوَ كاذِبٌ وَ ارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَ لَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَ أَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)
وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَ سُلْطانٍ مُبِينٍ (96) إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَ ما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَ بِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَ أُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَ حَصِيدٌ (100)
وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ ما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) وَ كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَ هِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَ ما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ (105)
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ (106) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (107) وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109) وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110)وَ إِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111)
قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ إنما لم يفقهوا لوجود الرين على قلوبهم بما كسبوا من الآثام و إنما منعهم خوف رهطه من رجمه دون خوف اللّه تعالى لاحتجابهم بالخلق عن الحق المسبب عن عدم الفقه كقوله تعالى: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (13)[11].
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ لما أطلق الشقي و السعيد منكرين للتعظيم دل على الشقي و السعيد الأزليين الأبديين، و لما وصفهم في التقسيم التفصيلي استثنى عن خلود الشقي في النار و خلود السعيد في الجنة بقوله: إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ لأن المراد بالنار و الجنة عذاب النفس بنار الحرمان عن المراد و آلام الهيئات و الآثار و ثواب النفس بجنة حصول المرادات و اللذات و بالاستثناء عن الخلود فيهما خروج الشقيّ منها إلى ما هو أشدّ منه من نيران القلب في حجب الصفات و الأفعال بالسخط و الطرد و الإذلال و الإهانة، و نيران الروح بالحجب و اللعن و القهر و خروج السعيد منها إلى ما هو ألذّ و أطيب من جنان القلب في مقام تجليات الصفات بالرضوان و اللطف و الإكرام و الإعزاز و جنان الروح في مقام الشهود باللقاء و ظهور سبحات الجلال، و ما لا عين رأت، و لا أذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر، لكون الشقيّ في مقابلة السعيد و خروج السعيد من الجنة إلى النار محال، و قد دلّ عليه بقوله: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ أي: غير مقطوع، فكذا ما يقابله على أن قوله تعالى: فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ يشعر بذلك لكونه وعيدا شديدا. هذا لسان الأدب و مراعاة الظواهر في تحقيق البواطن، و أما الحقيقة فتحكم بأن الشقي لما كان في المراتب المذكورة في النار لم يخرج منها بل انتقل من طبقة منها إلى طبقة أخرى و من دركة إلى دركة فكان في حكم الخلود فالمراد بالاستثناء غيره و هو أنه من حيث الأحدية مع ربّه و الربّ آخذ بناصيته على صراط مستقيم يقوده ريح الدبور- التي هي هوى نفسه- يسوقه إلى جهنم، فهو هنالك في عين القرب مع هوى نفسه فيتلذذ بمايوافقه فتصير عين النعيم، فزال مسمى النار في حقه و صار جنة لتلذذه به و إن كان بعيدا عن نعيم السعيد كما جاء في الحديث: «سينبت في قعر جهنم الجرجير» . وفيه: «يأتي على جهنم زمان يصفق أبوابها ليس فيها أحد».
و كذا السعيد، فإن انتقاله في الجنان و درجاتها و الخروج بحكم الاستثناء غير ذلك فهو بفنائه في أحدية الذات و احتراقه بلوعة العشق في سبحات الجمال حيث كان الحق شاهدا و مشهودا لا في مقام المشاهدة بوجود الروح بل بالشهود الذاتي الأحدي الذي لم يبق فيه لغيره عين و لا أثر و لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر. و إن جعل التنكير في قوله: شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ للنوعية لا للتعظيم، جاز تأويل خروج الشقي من النار بالترقي إلى الجنة من مقامه بزكاء نفسه عن الهيئات المظلمة و تبعات المعاصي و حينئذ لا يكون شقيّ الأبد.
[112]
[سورة هود (11): آية 112]
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَ مَنْ تابَ مَعَكَ وَ لا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ في القيام بحقوق اللّه باللّه، فإنه عليه الصلاة و السلام مأمور بمحافظة حقوق اللّه و التعظيم لأمره و التسديد لخلقه بضبط أحكام التجليات الصفاتية بعد الرجوع إلى الخلق مع شهود الوحدة الذاتية بحيث لا يتحرك و لا يسكن و لا ينطق و لا يتفكّر إلا به من غير ظهور تلوين من بقايا صفاته أو ذاته و لا يخطر له خاطر بغيره من غير إخلال بشرط ما من شرائط التعظيم كما قال صلى اللّه عليه و سلم: «أفلا أكون عبدا شكورا؟» حين تورمت قدماه من قيام الليل و قيل له: أما بشّرك اللّه بقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ[12]؟، و لا بدقيقة من باب النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف و الإنذار و الدعوة و ذلك في غاية الصعوبة.و لهذاقال: «شيبتني سورة هود».
قيل: رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بعض العرفاء في المنام، فسأله عن ذلك و قال: لما ذا يا رسول اللّه؟ أ لقصص الأنبياء و ما نزل بأممهم المكذّبين من العذاب و ما كانوا يقاسون من أممهم؟. قال: «لا، بل لقوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ. وَ مَنْ تابَ عن أنيته و ذنب وجوده مَعَكَ من الموحدين الواصلين إلى شهود الكثرة في عين الوحدة و مقام البقاء بعد الفناء وَ لا تَطْغَوْا بالاحتجاب بحجاب الأنانية و نسبة الكمالات الإلهية المطلقة إلى أنائيتكم المشخصة المقيدة برؤيتها لكم، الموجبة للاحتجاب بالتقيد عن الإطلاق، فإن الهوية الإلهية لا تتقيد بإشارة الهذية و الأنانية إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أ تعملونه بي أم بأنفسكم؟.
[113]
[سورة هود (11): آية 113]
وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (113)
وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أي: أشركوا بهوى كامن، ناشئ عن وجود بقية خفية أو التفات خفيّ إلى إثبات غيره، فإنه هو الزيغ المقارن للطغيان في قوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى (17)[13]، فَتَمَسَّكُمُ نار السخط و الحرمان بالاحتجاب و التعذيب بالفراق من نيران غيرة المحبوب، كما قال تعالى لحبيبه صلى اللّه عليه و سلم: «بشر المذنبين بأني غفور، و أنذر الصديقين بأني غيور» و لهذا المعنى قال: «و المخلصون على خطر عظيم». فإن دقائق ذنوب أحوالهم أدقّ من أن تدرك بالعقل و أشد عقابا من أن تتوهم بالوهم وَ ما لَكُمْ حينئذ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يتولونكم من عقابه و يدبرون أموركم و يربونكم ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ من بأسه، و هذا تهديد لأوليائه فكيف بأعدائه.
[114- 117]
[سورة هود (11): الآيات 114 الى 117]
وَ أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَ اصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَ كانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَ ما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَ أَهْلُها مُصْلِحُونَ (117)
وَ أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ لما كانت الحواس الخمس شواغل تشغل القلب بما يرد عليه من الهيئات الجسمانية، و تجذبه عن الحضرة الرحمانية، و تحجبه عن النور، و الحضور بالإعراض عن جناب القدس و التوجه إلى معدن الرجس، و تبدّله الوحشة بالأنس، و الكدورة بالصفاء، فرضت خمس صلوات يتفرغ فيها العبد للحضور و يسدّ أبواب الحواس لئلا يردّ على القلب شاغل يشغله و يفتح باب القلب إلى اللّه تعالى بالتوجه و النية لوصول مدد النور و يجمع همّه عن التفرّق و يستأنس بربّه عن التوحش مع اتحاد الوجهة، و حصول الجمعية، فتكون تلك الصلوات خمسة أبواب مفتوحة للقلب على جناب الربّ يدخل بها عليه النور بإزاء تلك الخمسة المفتوحة إلى جناب الغرور و دار اللعين الغرور التي تدخل بها الظلمة ليذهب النور الوارد آثار ظلماتها و يكسح غبار كدوراتها، و هذا معنى قوله: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ و قد ورد في الحديث: «إنّ الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما ما اجتنبت الكبائر».
و أمر بإقامتها في طرفي النهار لينسحب حكمها ببقاء الجمعية و استيلاء الهيئة النورية في أوله إلى سائر الأوقات، فعسى أن يكون من: الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (23)[14] لدوام ذلك الحضور، و بقاء ذلك النور يكسح و يزيل في آخره ما حصل في سائر الأوقات من التفرقة و الكدورة.
و لما كانت القوى الطبيعية المدبّرة لأمر الغذاء سلطانها في الليل و هي تجذب النفس إلى تدبير البدن بالنوم عن عالمها الروحاني و تحجزها عن شأنها الخاص بها الذي هو مطالعة الغيب و مشاهدة عالم القدس يشغلها باستعمال آلات الغذاء لعمارة الجسد، فتسلبها اللطافة و الطراوة و تكدرها بالغشاوة. و احتيج إلى تلطيفها و تصفيتها باليقظة و تنويرها و تطريتها بالصلاة فقال: وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ ذلك الذي ذكر من إقامة الصلاة في الأوقات المذكورة و إذهاب السيئات بالحسنات تذكير لمن يذكر حاله عند الحضور مع اللّه في الصفاء و الجمعية و الأنس و الذوق وَ اصْبِرْ باللّه في الاستقامة و مع اللّه في الحضور في الصلاة و عدم الركون إلى الغير فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ الذين يشاهدونه في حال القيام بحقوق الاستقامة و مراعاة العدالة و القيام بشرائط التعظيم في العبادة.
[118- 123]
[سورة هود (11): الآيات 118 الى 123]
وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) وَ كُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَ جاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَ مَوْعِظَةٌ وَ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) وَ قُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (121) وَ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (122)
وَ لِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)
وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً متساوية في الاستعداد متفقة على دين التوحيد و مقتضى الفطرة وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ في الوجهة و الاستعداد إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ بهدايته إلى التوحيد و توفيقه للكمال، فإنهم متفقون في المذهب و المقصد و موافقون في السيرة و الطريقة، قبلتهم الحق، و دينهم التوحيد و المحبة وَ لِذلِكَ الاختلاف خَلَقَهُمْ ليستعدّ كل منهم لشأن و عمل، و يختار بطبعه أمرا و صنعة، و يستتبّ بهم نظام العالم، و يستقيم أمر المعاش، فهم محامل لأمر اللّه حمل عليهم حمول الأسباب و الأرزاق و ما يتعيش به الناس، و رتّب بهم قوام الحياة الدنيا كما أن الفئة المرحومة مظاهر لكماله، أظهر اللّه بهم صفاته و أفعاله و جعلهم مستودع حكمه و معارفه و أسراره. وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أي: أحكمت و أبرمت و ثبتت و هي هذه لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ لأنّ جهنم رتبة من مراتب الوجود لا يجوز في الحكمة تعطيلها و إبقاؤها في كتم العدم مع إمكانها.
وَ كُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ أي: لما أطلعناك على مقاساتهم الشدائد من أمّتهم مع ثباتهم في مقام الاستقامة و عدم مزلتهم عنه و على معاتباتهم عند تلويناتهم و ظهور شيء من بقياتهم كما في قصة نوح عليه السلام من سؤال إنجاء الولد، و على قوة ثباتهم و شجاعتهم في يقينهم و توكلهم كما في قصة هود عليه السلام من قوله: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَ اشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ[15] إلى قوله: عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ[16]، و على كمال كرمهم و فضيلتهم في العتوّ كما في قصة لوط عليه السلام من تفدية البنات لحفظ الأضياف من السوء، ثبت قلبك في ذلك كله و استحكمت استقامتك و قوي تمكينك بذهاب آثار التلوين عنك و قوي توكلك و رضاك و يقينك و شجاعتك، و كمل خلقك و كرمك وَ جاءَكَ فِي هذِهِ السورة الْحَقُ أي: ما يتحقق به اعتقاد المؤمنين وَ مَوْعِظَةٌ لهم يحترزون بها عما أهلك به الأمم، و تذكير لما يجب أن يتدينوا به و يجعلوه طريقهم و سيرتهم و اللّه أعلم.
[1] ( 1) سورة إبراهيم، الآية: 7.
[2] ( 1) سورة الروم، الآية: 7.
[3] ( 1) سورة هود، الآية: 40.
[4] ( 1) سورة نوح، الآيات: 26- 27.
[5] ( 2) سورة يونس، الآية: 31.
[6] ( 1) سورة النساء، الآية: 157.
[7] ( 2) سورة النساء، الآيات: 157- 158.
[8] ( 1) سورة غافر، الآية: 45.
[9] ( 2) سورة ق، الآية: 21.
[10] ( 1) سورة الفتح، الآية: 27.
[11] ( 1) سورة الحشر، الآية: 13.
[12] ( 1) سورة الفتح، الآية: 2.
[13] ( 1) سورة النجم، الآية: 17.
[14] ( 2) سورة المعارج، الآية: 23.
[15] ( 1) سورة هود، الآية: 54.
[16] ( 2) سورة هود، الآية: 56.