تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره الجمعة

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة الجمعة

سورة الجمعة

[1- 11]

[سورة الجمعة (62): الآيات 1 الى 11]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (2) وَ آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4)

مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (6) وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى‏ عالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللَّهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9)

فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَ تَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجارَةِ وَ اللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)

إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ كل وضع لا تطلع العقول البشرية على سببه فهو من طور وراء العقل المشوب بالوهم لامتناع وقوع التخصيص من غير مخصص كوضع حروف التهجي و أيام الأسابيع، بل وضع اللغات كلها، فإن في كل بقعة من بقاع الأرض لغة لا شك أن أول التكلم بها أمر توقيفي اقتضاه استعداد خاص باجتماع أمور سفلية و علوية لا يمكننا ضبطها، و لو قلنا بالاصطلاح لكان لا يخلو أيضا من سبب يوجب الاصطلاح على ذلك الوضع المخصوص، فأيام الأسبوع وضعت بإزاء الأيام الإلهية التي هي مدة الدنيا و قد اشتهر فيما بين الناس في جميع الأعصار أن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة على عدد الكواكب السبعة، فكل ألف سنة يوم من أيام اللّه لقوله: وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ‏[1].

و تفيد مدة الدنيا بالسبعة هو أن جميع مدّة دور الخفاء المطلق ستة آلاف سنة و يبتدئ الظهور في السابع مع ظهور محمد عليه السلام كما

قال: «بعثت أنا و الساعة كهاتين»

، و جمع بين‏ السبابة و الوسطى. و يزداد إلى تمام سبعة آلاف سنة من لدن آدم عليه السلام أول الأنبياء إلى زمان المهدي عليه السلام، و ينقضي الخفاء بالظهور التام لقيام الساعة و وقوع القيامة الكبرى و عند ذلك يظهر فناء الخلق و البعث و النشور و الحساب و يتميز أهل النار و أهل الجنة و يرى عرش اللّه بارزا كما حكى حارثة رضي اللّه عنه عن شهوده و هي في الآخرة. فالستة منها هي التي خلق فيها السموات و الأرض لأن الخلق حجاب الحق، فمعنى خلق اختفى بهما فأظهرهما و بطن، و اليوم السابع هو يوم الجمع و زمان الاستواء على العرش بالظهور في جميع الصفات، و ابتداء يوم القيامة الذي طلع فجره ببعثة نبينا محمد صلّى اللّه عليه و على آله، فالمحمديون أهل الجمعة و محمد صاحبها و خاتم النبيين، و إنما سمي يوم الجمع لأنه وقت الظهور في صورة الاسم الأعظم لجميع الصفات و وقت استوائه في الظهور بجميعها بحيث لا يختلف بالظهور و الخفاء. و لهذا السر ندبت الصلاة يوم الجمعة وقت الاستواء و كرهت في سائر الأيام، و يسمى هذا الظهور عين الجمع لاجتماع الكل فيه و لهذا المعنى سميت الجمعة جمعة.

و اتفق أهل الملل كلها من اليهود و غيرهم أن اللّه فرغ من خلق السموات و الأرض في اليوم السابع، إلا أن اليهود قالوا: إنه السبت، و ابتداء الخلق من الأحد. و على ما أوّلنا يكون هو يوم الجمعة. و كون الأحد ابتداء الخلق مؤوّل بأن أحدية الذات منشأ الكثرة و إن جعلنا الأحد أول الأيام و وقت ابتداء الخلق كان جميع دور النبوة دور الخفاء. و في السادس ابتداء الظهور و ازداد في الخواص حتى ينتهي إلى تمام الظهور و ارتفاع الخفاء في آخره عند خروج المهدي، و يعم الظهور في السابع الذي هو السبت.

و لما كان هذا اليوم- أي يوم الجمعة- موضوعا بإزاء هذا المعنى، ندب الناس فيه إلى الفراغ من الأشغال الدنيوية التي هي حجب كلها و الحضور و الاجتماع في الصلاة و أوجب السعي إلى ذكر اللّه فيه و ترك البيع لكي تتظاهر النفوس بهيئة الاجتماع في صلاة الحضور المعدّ للوصول إلى حضرة الجمع عسى أن يتذكر أحدهم بالفراغ عن الأشغال الدنيوية التجرّد عن الحجب الخلقية، و بالسعي إلى ذكر اللّه، السلوك في طريقه، و الصلاة مع الاجتماع: الوصول إلى حضرة الجمع، فيفلح.

ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ سرّ ذلك و حقيقته‏ فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا الأمر بالانتشار فِي الْأَرْضِ‏ و ابتغاء الفضل بعد انقضاء الصلاة إشارة إلى الرجوع إلى التفصيل بعد الفناء في الجمع بالصلاة الحقيقية، فإن الوقوف مع الجمع حجاب الحق عن الخلق و بالذات عن الصفات. فالانتشار هو التقلّب في الصفات حال البقاء بعد الفناء بالوجود الحقاني و السير باللّه في الخلق و ابتغاء فضل اللّه هو طلب حظوظ تجليات الأسماء و الصفات و الرجوع إلى مقام أرض النفس و توفية حظوظها بالحق‏ وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً أي: احضروا الوحدة الجمعية الذاتية في صورة الكثرة الصفاتية بحيث لم تحتجبوا بالكثرة عن الوحدة فتضلوا بعد الهداية و لازموا طريق الاستقامة في توفية حقوق الحق و الخلق معا و مراعاة الجمع و التفصيل جميعا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏ بالفلاح الأعظم الذي هو حكمة وضع الجمعية وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً إلى آخره، أي: أين هم و هذا المعنى؟ و أنى لهم هذه المعاملة؟ لقد بعدوا فذهلوا و احتجبوا فلهوا قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ أي: إن لم تر بأفطرتكم بهمتكم إلى هذا المعنى فاعملوا للأعواض الباقية عند اللّه فإنها خير من الأمور الفانية التي عندكم و فوّضوا أمر الرزق إليه بالتوكل فإن اللّه هو خَيْرُ الرَّازِقِينَ‏ و اللّه تعالى أعلم.

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج‏2، ص: 342


[1] ( 1) سورة الحج، الآية: 47.

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=