تفسير ابن عربى (تأويلات عبد الرزاق کاشانی)تفسیر ابن عربی سوره الطلاق

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة الطلاق

سورة الطلاق‏

[1- 4]

[سورة الطلاق (65): الآيات 1 الى 4]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ وَ اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (1) فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً (3) وَ اللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَ اللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَ أُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (4)

وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ‏ بحسب مقتضى مقامه و اجتنب ذنب حاله‏ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً من ضيق المقام و المكاسب إلى سعة روح الحال و المواهب فمن يتقيه في معاصيه يجعل له مخرجا من مضايق الهيئات المظلمة و عقوبات نيران الطبيعة وَ يَرْزُقْهُ‏ ثواب جنة النفس و أنوار الفضائل من عالم الغيب‏ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ‏ لعدم وقوفه منها و من يتقيه في أفعال نفسه يجعل له مخرجا إلى مقام التوكل و يرزقه تجليات الأفعال من حيث لا يحتسب، و من يتقيه في صفات نفسه يجعل له مخرجا إلى مقام الرضا و يرزقه روح اليقين و ثمرات تجليات الصفات الإلهية في جنة القلب من حيث لا يحتسب لعدم شعوره بها، و من يتقيه في وجوده و التنزه عنه يجعل له مخرجا من ضيق أنائيته إلى فسحة الوجود المطلق و يرزقه الوجود الموهوب من حيث لا يحتسب و لا يخطر بباله‏ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ‏ بقطع النظر عن الوسائل و الانقطاع إليه من الوسائط فَهُوَ حَسْبُهُ‏ كافيه يوصل إليه ما قدّر له و يسوق إليه ما قسم لأجله من أنصبة الدنيا و الآخرة إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ‏ أي: يبلغ ما أراد من أمره لا مانع له و لا عائق، فمن تيقن ذلك ما خاف أحدا و لا رجا، و فوّض أمره إليه و نجا قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً أي: عين لكل أمر حدّا معينا و وقتا معينا في الأزل لا يزيد بسعي ساع و لا ينقص بمنع مانع و تقصير مقصّر و لا يتأخر عن وقته و لا يتقدّم عليه، و المتيقن لهذا الشاهد له متوكل بالحقيقة.

وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ‏ في مراعاة وقته و الاجتناب عن ذنب حاله‏ يَجْعَلْ لَهُ‏ من أمر سلوكه‏ يُسْراً أي: متى راعى آداب مقامه و اجتنب ذنوب حاله في المواطن تيسر له الترقي منه إلى أعلى ذلك اليسر المرتب على التقوى في كل مرتبة.

[5- 11]

[سورة الطلاق (65): الآيات 5 الى 11]

ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَ يُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (5) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَ لا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَ إِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَ أْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَ إِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى‏ (6) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (7) وَ كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَ رُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَ عَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً (8) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَ كانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً (9)

أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (10) رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ يَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً (11)

أَمْرُ اللَّهِ‏ و شأنه المخصوص به و هو التوفيق على حسب الاستعداد و الفيض بقدر القبول‏ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ‏ ثم كرر للمبالغة تفصيل ما أجمل فقال: وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ‏ أي: موانعه و هيئات نفسه الحاجبة عن الفيض، المانعة للمزيد وَ يُعْظِمْ لَهُ أَجْراً بإفاضة ما يناسب حاله بحسب القبول و الاستعداد الجديد من الجمال‏ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ‏ أي: اعتبروا بحال الأمم الماضيين من المنكرين المعاندين و ما نزل بهم من العذاب و الوبال فاتّقوا اللّه في أوامره و نواهيه إن خلصت عقولكم من شوب الوهم، فإن اللبّ هو العقل الخالص من شوائب الوهم و ذلك بخلوص القلب من شوائب صفات النفس و الرجوع إلى الفطرة، و إذا خلص العقل من الوهم و القلب من النفس كان الإيمان يقينيا فلذلك وصفهم: ب الَّذِينَ آمَنُوا أي: الإيمان التحقيقي.

قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً أي: فرقانا مشتملا على ذكر الذات و الصفات و الأسماء و الأفعال و المعاد رَسُولًا أي: روح القدس الذي أنزله به فأبدل منه بدل الاشتمال لأن إنزال الذكر هو إنزاله بالاتصال بالروح النبوي و إلقاء المعاني في القلب‏ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ‏ أي: يجلي عليكم صفاته و يكشف لكم توحيدها مُبَيِّناتٍ‏ متجليات أو مجليات لأنوار الذات‏ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا الإيمان اليقيني من ظلمات صفات القلب إلى نور الروح و مقام المشاهدة وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ‏ الإيمان العيني بالمشاهدة وَ يَعْمَلْ صالِحاً بالسير في اللّه باللّه‏ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ‏ من مشاهدات تجليات صفاته و مطالعات أنوارها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أنهار علوم توحيد الأفعال و الصفات و الذات‏ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً من تلك العلوم.

 

[12]

[سورة الطلاق (65): آية 12]

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً (12)

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ‏ إن أخذنا السموات بمعناها الظاهر، فالأراضي السبعة هي طبقات العناصر المشهورة فإنها قوابل بالنسبة إلى المؤثرات فهي أرضها التي تنزل عليها منها الصور الكائنة و هي النار الصرفة و الطبقة الممتزجة من النار و الهواء المسماة كرة الأثير التي تتولد فيها الشهب و ذوات الأذناب و الذوائب و غيرها، و طبقة الزمهرير و طبقة النسيم و طبقة الصعيد و الماء المشمولة للنسيم الشاملة للطبقة الطينية التي هي السادسة و طبقة الأرض الصرفة عند المركز و إن حملناها على مراتب الغيوب السبعة المذكورة من غيب القوى و النفس و العقل و السرّ و الروح و الخفاء و غيب الغيوب أي: عين جمع الذات، فالأرضون هي الأعضاء السبعة المشهورة يَتَنَزَّلُ‏ أمر اللّه بالإيجاد و التكوين و ترتيب النظام و التكميل‏ بَيْنَهُنَ‏ و اللّه تعالى أعلم.

تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج‏2، ص: 352

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=