تفسیر ابن عربی سوره المزمل

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة المزمل

(73) سورة المزّمل مكيّة

[سورة المزمل (73): آية 1]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1)

لما فجأ الوحي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال [جئت منه رعبا] و أتى خديجة فقال [زملوني زملوني‏] و ذلك من تجلي الملك، فكيف به بتجلّي الملك؟ فمواجده صلّى اللّه عليه و سلّم من تجليات ربه على قلبه أعظم سطوة من نزول ملك، و وارد في الوقت الذي لم يكن يسعه فيه غير ربه.

[سورة المزمل (73): آية 2]

قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2)

لكون الليل محل التجلي الإلهي الزماني، فإن الليل للحق ينزل فيه إلى السماء الدنيا ليناجي عبده و يسامره و يقضي حوائجه، جاء في الخبر [كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني، أ ليس كل محب يطلب الخلوة بحبيبه؟ ها أنا ذا قد تجليت لعبادي، هل من داع فأستجيب له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ حتى ينصدع الفجر، فقم بين يدي و سلني حتى أعطيك مسألتك‏] و قيام الليل عبارة عن الصلاة فيه.

[سورة المزمل (73): الآيات 3 الى 5]

نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5)

على غيرك و نهونه عليك.

 

[سورة المزمل (73): آية 6]

إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلاً (6)

[ناشئة الليل:]

كان صلّى اللّه عليه و سلّم ينشئ في الليل بما وفقه اللّه إليه من العمل الصالح الذي شرعه له صورا عملية ليلية، و لم تكن هذه الصور إلا الصلاة بالليل دون سائر الأعمال، و فيها يقرأ القرآن، و لذلك قال‏ «أَشَدُّ وَطْئاً» أي أعظم تمهيدا، لأنه قال‏ (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْ‏ءٍ) و ليس إلا القرآن الجامع، و أشد ثباتا، فإنه لا ينسخ كما نسخت سائر الكتب قبله به، و إن ثبت ما ثبت منها مما ورد في القرآن، و لهذا جاء بلفظة المفاضلة في الثبوت،

فهو أشد ثبوتا منها لاتصاله بالقيامة، و فيه ما في الكتب و ما ليس في الكتب، ثم قال عن هذا العمل المنشإ «وَ أَقْوَمُ قِيلًا» و لا أقوم قيلا من القرآن، و إن كان القيل الإلهي كله قويما، فإن الاستقامة سارية في الأقوال، كما هي سارية في الجواهر و الأعراض و الأحوال، و لكن فيه قويم و أقوم بالنسبة إلينا، مثل قوله تعالى‏ (فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ) هذا من أقوم القيل، فإنه ما من شي‏ء يكون فيه كثرة لأمثال إلا و لا بد فيه من التفاضل حتما، فالقرآن أقوم قيلا، و هو الحاوي على كل شي‏ء أوتيناه و أهدى سبيلا:

نواشئ الليل فيها الخير أجمعه‏ فيها النزول من الرحمن بالكرم‏
يدنو إلينا بنا حتى يساعدنا بما يدليه من طرائف الحكم‏
فالكل يعبده و الكل يشكره‏ إلا الذي خص بالخسران و النقم‏
إن الولي تراه وقت غفلته‏ يبكي و يدعوه في داج من الظلم‏
يا رب يا رب لا يبغي به بدلا خلقا عظيما كما قد جاء في القلم‏

و في إنشاء هذه الصور العملية يستعين صلّى اللّه عليه و سلّم و ورثته من بعده باللّه لإحيائها- حياة تقع بها الفائدة- و إنشائها على الشهود، و هو قوله تعالى‏ (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً).

– رقيقة- من كان خلقه القرآن‏

من ورثته صلّى اللّه عليه و سلّم و أنشأ صورة الأعمال في ليل طبيعته فقد بعث محمدا صلّى اللّه عليه و سلّم من قبره، فحياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بعد موته حياة سنّته، و من أحياه فكأنما أحيا الناس جميعا.

 

[سورة المزمل (73): آية 7]

إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً (7)

سبحا أي فراغا لمعاشك، و أمرنا بالتسبيح آناء الليل و أطراف النهار، و ما تعرض لذكر النهار في هذا الحكم، فالنهار لك و الليل له، فإذا كنت له في الليل و أطراف النهار كان لك هو في النهار.

[سورة المزمل (73): آية 8]

وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (8)

التبتل الانقطاع عما سوى اللّه تعالى، و منه فاطمة البتول:

يا من إليه تضرعي‏ كم ذا تريد تمنعي‏
كم ذا طلبت وصالكم‏ بتبتل و تخشع‏

[سورة المزمل (73): آية 9]

رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (9)

«رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ».

– إشارة- إلى التصرف في الجهات‏

، و ما ذكر منها إلا المشرق و هو الظاهر، و المغرب و هو الباطن، و بالعين الواحدة التي هي الشمس إذا طلعت أحدثت اسم المشرق، و إذا غربت أحدثت اسم المغرب، و الإنسان ظاهر و باطن‏ «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا» في ظاهرك و باطنك، فإنه رب المشرق و المغرب، و بهذا الاسم في قوله تعالى‏ «وَكِيلًا» ثبت الملك و الملك للخلق، فإنا ما وكلناه إلا في التصرف في أمورنا فيما هو لنا، لعلمنا بكمال علمه فينا، فإنه يعلم منا ما لا نعلمه من نفوسنا، و الوكيل بلا شك خليفة الموكل فيما وكله فيه، فكونه إلها ما هو كونه وكيلا، و من هذه الحقيقة قال صلّى اللّه عليه و سلّم [اللهم أنت الصاحب في السفر و الخليفة في الأهل‏] فأمر اللّه العبد بأن يتخذه وكيلا بعد أن ملّكه جميع ما خلقه له من منافعه، ليتفرغ الإنسان لما خلق له من عبادة ربه، و لا تعارض بين ذلك و بين قوله تعالى‏ (وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) فجعل الإنفاق بيد العبد و الملك للّه، و في هذا القدر الذي أمرهم به من الإنفاق فيه، أمرهم أن يتخذوه وكيلا، فلا تنافي بين المقامين، فالملك للّه و الإنفاق للعبد بحيث الأمر، و ما أطلق له في ذلك، و في الإنفاق أمر اللّه أن يوكل اللّه في ذلك، لعلمه بمواضع الإنفاق و المصارف التي ترضي رب المال في الإنفاق، فنزلت الشرائع أبانت له مصارف المال، فأنفق على بصيرة بنظر الوكيل، فمن أنفق فيما لم يأمره الوكيل بالإنفاق فيه، فعلى المنفق قيمة ما استهلك من مال‏ من استخلفه فيه، و لا شي‏ء له، فإنه مفلس بحكم الأصل، فلا حكم عليه، و هذا هو آخر تهليل ورد في القرآن الذي وصل إلينا، و هي ستة و ثلاثون مقاما،

[التوحيد السادس و الثلاثون في القرآن و هو توحيد الوكالة:]

و هذا التوحيد السادس و الثلاثون، هو توحيد الوكالة، و هو من توحيد الهوية، و في هذا التوحيد ملّك اللّه العالم الإنساني جميع ما خلقه له من منافعه، و أمره أن يوكل اللّه في ذلك، فأعطى هذا التوحيد الإنسان رفع الحكم عنه فيما أتلف من مال من استخلفه،

[تحقيق: «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا» الآية]

– تحقيق- الوكالة نيابة عن الموكل فيما وكله فيه أن يقوم مقامه، فأثبت لك الشي‏ء و سألك أن تستنيبه فيه بحكم الوكالة، فمن كلّ وجه النيابة مشروعة، و هل تصح من جهة الحقيقة أم لا؟ فمنا من يقول: إنها تصحّ من جهة الحقيقة، فإن الأموال ما خلقت إلا لنا، إذ لا حاجة للّه إليها، فهي لنا حقيقة، ثم و كلنا الحق تعالى أن يتصرف لنا فيها، لعلمنا أنه أعلم بالمصلحة، فتصرف على وجه الحكمة التي تقتضي أن تعود على الموكل منه منفعة، فأتلف ماله هذا الوكيل الحق تعالى، بغرق أو حرق أو خسف، أو ما شاء، تجارة له، ليكسبه بذلك في الدار الآخرة أكثر مما قيل إنه في ظاهر الأمر إتلاف، و ما هو إتلاف بل هي تجارة، بيع بنسيئة، يسمى مثل هذا تجارة رزء، لكن ربحها عظيم، و هذا علم يعرفه الوكيل لا الموكل،

و هو يحفظ عليه ماله لمصلحة أخرى يقتضيها علمه فيها، و منا من وكّل اللّه، فاستخلفه الوكيل في التصرف على حدّ ما يرسمه الوكيل، لعلم الوكيل بالمصلحة، فصار الموكل وكيلا عن وكيله، و هو الذي لا يتعدى الأمر المشروع في تصرفه، فهو و إن كان المال له فالتصرف فيه بحكم وكيله، و هذا نظر غريب، و منا من قال: لا تصح من جهة الحقيقة، فإن اللّه ما خلق الأشياء- و الأموال من الأشياء- إلا له تعالى، لتسبيحه،

و وقعت المنفعة لنا بحكم التبعية، فإذا خلق الأشياء من أجله لا من أجلنا، فما لنا شي‏ء نوكله فيه، لكن نحن وكلاؤه في الأشياء، فحدّ لنا حدودا فنتصرف فيها على ما حدّ لنا، فإن زدنا على ما رسم لنا أو نقصنا عاقبنا، فلو كانت الأموال لنا لكان تصرفنا فيها مطلقا، و ما وقع الأمر هكذا، بل حجر علينا التصرف فيها، فما هي وكالة مفوضة بل مقيدة بوجوه مخصوصة من رب المال الذي هو الحق الموكل، و على كل وجه فالنيابة حاصلة، إما منه تعالى، و إما منا، و قد ثبتت في أي طرف كان و في هذه الآية أمر اللّه عبده بالسكون تحت مجاري الأقدار، و ما يأتي به اللّه إليه في الليل و النهار، فيكون هو سبحانه الذي يتصرف في أمر عبده، حتى يوفيه ما قدر له‏ من كل ما يصيبه، حتى إنّه لو كان مما يصيبه السفر و الانتقال، لنقله الحق بهذه الصفة التي هو عليها من السكون في محفة عناية إلهية،

لا يعرف الحركة المتعبة، مستريحا مظللا عليه مخدوما، و التوكل اعتماد القلب على اللّه تعالى، مع عدم الاضطراب عند فقد الأسباب الموضوعة في العالم التي من شأن النفوس أن تركن إليها، فإن اضطرب فليس بمتوكل، و هو من صفات المؤمنين، فالمؤمن العالم يتخذ اللّه وكيلا يسلم إليه أموره، و يجعل زمامها بيده، فهو أعلم بما يصلح له، و نبه تعالى بهذا الأمر أنه لا ينبغي الوكالة إلا لمن هو إله، لأنه عالم بالمصالح إذ هو خالقها، فاتخاذه تعالى وكيلا إنما هو في المصلحة لنا لا في عين الأشياء، فالعبد يتخذ اللّه وكيلا نائبا عنه فيما ملّكه إياه، شكرا على ما أولاه، و الذين اتخذوه وكيلا صاروا أمواتا بين يديه، فصاروا كالميت بين يدي الغاسل، و لهذا أعطاهم صفة التقديس و هي الطهارة

 

– إشارة- العجب ممّن اتخذ مستخلفه وكيلا

، فلو لا الأمر الرباني، لرده الأدب الكياني، فإنه ليس للعبد من الجرأة أن يوكل سيده، فلما تبرع بذلك لعباده، و نزل إليهم من كبريائه بلطفه الخفي، اتخذوه وكيلا، و أورثهم هذا النزول إدلالا، كما أنه لو لا أن الحق أعطى العبد الاستقلال بالخلافة ما قال له عن نفسه تعالى آمرا «فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا» و لا قال له صلّى اللّه عليه و سلّم [أنت الخليفة في الأهل و الصاحب في السفر] و هو صلّى اللّه عليه و سلّم القائل [إن اللّه أدبني فأحسن أدبي‏]- شعر:

أنا صاحب الملك الذي قال إنني‏ أنا نائب فيه بأصدق قيل‏
و لو لم يكن ملكي لما صح أن أرى‏ موكله و الحق فيه وكيلي‏
و عن أمرنا كانت وكالتنا له‏ و برهان دعواي و عين دليلي‏
كتاب له حق و فيه اعترافه‏ بما قلت فيه فالسبيل سبيلي‏
يقول بأضداد الأمور وجوده‏ فقد حرت فيه و هو خير جليل‏
عجبت له من غائب و هو حاضر بتنفيذ أخبار و بعث رسول‏
إلى من؟ و إن العين عين وجوده‏ و ممن؟ فقد حرنا فكيف وصولي‏
إلى منزل ما فيه عين غريبة و لا حيرة فيها شفاء غليل‏

[حقيقة التوكيل و مخاطبة الحق للشيخ في سره:]

يقول الشيخ الأكبر رضي اللّه عنه: خاطبني الحق في سري، من اتخذني وكيلا فقد ولاني، و من ولاني فله مطالبتي و عليّ إقامة الحساب فيما ولاني فيه، يقول الشيخ رضي‏ اللّه عنه: فانعكس الأمر و تبدلت المراتب، هذا صنع اللّه مع عباده الذين اصطفاهم و ارتضاهم، و ما فوق هذا الامتنان امتنان ترقى الهمة إلى طلبه.

[سورة المزمل (73): الآيات 10 الى 11]

وَ اصْبِرْ عَلى‏ ما يَقُولُونَ وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (10) وَ ذَرْنِي وَ الْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (11)

كما أبطن اللّه رحمته في عذابه و نقمته، مثل ما يقع بالمريض من عذابه بالمرض، رحمته به فيما يكفر عنه من الذنوب، و كذلك من انتقم منه في إقامة الحد ارتفعت عنه المطالبة في الدار الآخرة، كذلك أبطن نقمته في نعمته، فهو ينعم الآن بما به يتعذب، لبطون العذاب في الدار الآخرة، فسبحان من أبطن رحمته في عذابه و عذابه في رحمته، و نعمته في نقمته و نقمته في نعمته.

[سورة المزمل (73): الآيات 12 الى 20]

إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَ جَحِيماً (12) وَ طَعاماً ذا غُصَّةٍ وَ عَذاباً أَلِيماً (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ وَ كانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً (14) إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى‏ فِرْعَوْنَ رَسُولاً (15) فَعَصى‏ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً (16)

فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (17) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (18) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى‏ رَبِّهِ سَبِيلاً (19) إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى‏ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَ اللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى‏ وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ آخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَ أَعْظَمَ أَجْراً وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20)

و اللّه يقدر الليل و النهار، بالإيلاج و الغشيان و التكوير، لإيجاد ما سبق في علمه أن يظهر فيه، من الأحكام و الأعيان في العالم العنصري، و أما قوله تعالى‏ «فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ» اعلم أن التعوذ باللّه من الشيطان الرجيم عند افتتاح قراءة القرآن في صلاة و في غيرها فرض، للأمر الإلهي الوارد في قوله تعالى‏ (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) و قراءة البسملة في القراءة في الصلاة فرضا كانت الصلاة أو نفلا في الفاتحة و السورة أولى من تركها، فإن الفرض على المصلي أن يقرأ ما تيسر من القرآن، و قد عيّن اللّه الذي أراد من القرآن في الصلاة، و هو الذي تيسر، فقد عرّف بعد ما نكر، و ذلك هو الفاتحة، فإن تيسر له قراءة البسملة قرأها، و إن لم يتيسر قراءتها في الفاتحة و غيرها فلا حرج، و أما الفاتحة فلا بد منها في الصلاة،

و إن لم يقرأ الفاتحة فما هي الصلاة التي قسمها الحق بينه و بين عبده، و البسملة عندنا آية من القرآن حيثما وردت من القرآن، و هي آية إلا في سورة النمل في كتاب سليمان عليه السلام، فإنها جزء من آية ما هي آية كاملة، فقراءة الفاتحة فاتحة الكتاب في الصلاة واجبة، و إن تركها لم تجزه صلاته، و ما عداها من القرآن ما فيه توقيت، و يستحب القراءة في الصلاة كلها، و العاقل الأديب مع اللّه إذا دخل في الصلاة لا يناجيه إلا بقراءة أم القرآن، فهي الجامعة لكلامه، فكان الحديث الصحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم الذي رواه عن ربه تعالى، مفسرا لما تيسر من القرآن، و إذا ورد أمر مجمل من الشارع، ثم ذكر الشارع وجها خاصا مما يكون تفسيرا لذلك المجمل،

 

[واجب الأدباء من العلماء تجاه المجمل من كلام اللّه تعالى:]

كان الواجب عند الأدباء من العلماء أن لا يتعدوا في تفسير ذلك المجمل ما فسره به قائله و هو اللّه تعالى، و أن يقفوا عنده، و شرع المناجاة بالكلام الإلهي في حال القيام في الصلاة خاصة، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم [يقول‏ اللّه قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين: نصفها لي و نصفها لعبدي، و لعبدي ما سأل، يقول العبد الحمد للّه رب العالمين، يقول اللّه: حمدني عبدي- الحديث-] «فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ» فالفاتحة قرآن من حيث ما اجتمع العبد و الرب في الصلاة،

و هي فرقان من حيث ما تميز به العبد من الربّ مما اختص به في القراءة من الصلاة، و العبد في الفاتحة قد أبان الحق بمنزلته فيها، و أنه لا صلاة له إلا بها، فإنها تعرفه بمنزلته من ربه، و أنها منزلة مقسمة بين عبد و رب. كما ثبت، فقال تعالى‏ «وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ» الزكاة واجبة بالكتاب و السنة و الإجماع، فلا خلاف في ذلك، و هي واجبة على كل مسلم حر بالغ عاقل مالك للنصاب ملكا تاما، و الزكاة واجبة في المال لا على المكلف،

و إنما هو مكلف في إخراجها من المال، و الأولى أن يكون كل ناظر في المال هو المخاطب بإخراج الزكاة منه، و على ذلك فإن الوصي على المحجور عليه يخرج عنه الزكاة و ليس له فيه شي‏ء، و لهذا قلنا: إنها حق في المال؛ فإن الصغير لا يجب عليه شي‏ء، و قد أمر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم بالتجارة في مال اليتيم حتى لا تأكله الصدقة، و على ذلك فإن الصدقة أي الزكاة واجبة في مال اليتيم يخرجها وليه، و واجبة في مال المجنون و المحجور عليه يخرجها وليه، و واجبة في مال العبد يخرجها العبد، و أما أهل الذمة فالذي أذهب إليه أنه لا يجوز أخذ الزكاة من كافر،

و إن كانت واجبة عليه مع جميع الواجبات، لأنه لا يقبل منه شي‏ء مما كلف به إلا بعد حصول الإيمان به، فإن كان من أهل الكتاب ففيه عندنا نظر، فإن أخذ الجزية منهم قد يكون تقريرا من الشارع لهم على دينهم الذي هم عليه، فهو مشروع لهم، فيجب عليهم إقامة دينهم، فإن كان فيه أداء زكاة و جاءوا بها. قبلت منهم، و ليس لنا طلب الزكاة من مشرك، و إن جاء بها قبلناها، و الكافر هنا المشرك ليس الموحد، فلا زكاة على أهل الذمة بمعنى أنها لا تجزي عنهم إذا أخرجوها، مع كونها واجبة عليهم كسائر فروض الشريعة، لعدم الشرط المصحح لها و هو الإيمان بجميع ما جاءت به الشريعة، لا بها و لا ببعض ما جاء به الشرع، فلو آمن بالزكاة وحدها أو بشي‏ء من الفرائض أنها فريضة، أو بشي‏ء من النوافل أنها نافلة، و لو ترك الإيمان بأمر واحد من فرض أو نفل لم يقبل منه إيمانه إلا أن يؤمن بالجميع، و مع هذا فليس لنا أن نسأل ذميا زكاته، فإن أتى بها من نفسه فليس لنا ردها، لأنه جاء بها إلينا من غير مسئلة، فيأخذها السلطان لبيت مال المسلمين، لا يأخذها زكاة و لا يردها، فإن ردها فقد عصى أمررسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم‏

– حكمة فرض الزكاة-

الأصل الذي ظهرت عنه الأشياء من أسمائه الاسم القدوس، و هو الطاهر لذاته من دنس المحدثات، فلما ظهرت الأشياء في أعيانها و حصلت فيها دعاوي الملاك بالملكية، طرأ عليها من نسبة الملك إلى غير منشئها ما أزالها عن الطهارة الأصلية، التي كانت لها من إضافتها إلى منشئها قبل أن يلحقها هذا الدنس العرضي بملك الغير لها، و كفى بالحدث حدثا، فجعل الزكاة طهارة للأموال.

و اتفق العلماء على أن الزكاة تجب في ثمانية أشياء محصورة في المولدات، من معدن و نبات و حيوان، فالمعدن الذهب و الفضة، و النبات الحنطة و الشعير و التمر، و الحيوان الإبل و البقر و الغنم، فكذلك من جهة الاعتبار في الإنسان، جعل اللّه عليه زكاة جوارحه الثمانية، و هي السمع و البصر و اللسان و اليد و الرجل و البطن و الفرج و القلب، عيّن اللّه فيها نصيبا يرجع إلى اللّه عن أمر اللّه، لينسبها إلى مالكها الأصلي، فتكتسب الطهارة في كل عضو، فزكاة البصر ما يجب للّه تعالى فيه من الحق، كالغضّ عن المحرمات، و النظر فيما يؤدي النظر إليه من القربة عند اللّه كالنظر في المصحف، و في وجه العالم، و في وجه من يسرّ بنظرك إليه من أهل و ولد و أمثالهم، و كالنظر إلى الكعبة، إلى غير ذلك، و على هذا النحو تنظر في جميع الأعضاء المكلفة في الإنسان، في تصريفها فيما ينبغي و كفها عما ينبغي‏ «وَ أَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً» خاطب الحق أصحاب الجدة و اختبر عباده بالمال،

ثم اختبرهم بالسؤال منه، و أنزل الحق نفسه منزلة السائلين من عباده أهل الحاجة أهل الثروة منهم، بقوله في الحديث [يا عبدي استطعمتك فلم تطعمني، و استسقيتك فلم تسقني‏] أما العلماء فالتذوا بسماع هذا الخطاب حيث كانوا، فإذا أقرضوه رأوا أن الصدقة تقع بيد الرحمن، فحصل لهم بالمال و إعطائه مناولة الحق منهم ذلك، فكانت لهم وصلة المناولة،

و علمنا بتقييد القرض بالحسن أنه تعالى يريد أن نرى النعمة منه و أنها نعمته، فالحسن في العمل أن تشهد اللّه فيه، فإنه من الإحسان، و هو أن تعبد اللّه كأنك تراه، و ذلك أن تعلم أن المال مال اللّه، و أن ملكك إياه بتمليك اللّه، و بعد التمليك نزل إليك في ألطافه إلى باب المقارضة. يقول لك: يغيب عنك طلبي منك القرض في هذا المال، من أن تعرف أن هذا المال هو عين مالي، ما هو لك، فكما لا يعز عليك و لا يصعب إذا رأيت أحدا يتصرف في ماله كيف شاء، كذلك لا يعز عليك و لا يصعب ما أطلبه منك مما جعلتك مستخلفا فيه، لعلمك بأني ما طلبت منك إلا ما أمنتك‏ عليه، لأعطيه من أشاء من عبادي، و الزكاة معينة، ما أعطيتها قط لك، بل أمنتك عليها، و الأمين لا يصعب عليه أداء الأمانة إلى أهلها، فإذا جاءك المصدق الذي هو رسول رب الأمانة و وكيلها، أد إليه أمانته عن طيب نفس، فإن الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه، فإنك إذا رأيته علمت أن المال ماله و العبد عبده، و التصرف له و لا مكره له، و تعلم أن هذه الأشياء إن عملتها لا يعود على اللّه منها نفع، و إذا أنت لم تعملها لا يتضرر بذلك، و أن الكل يعود عليك، فالزم الأحسن إليك تكن محسنا إلى نفسك،

و إذا كنت محسنا كنت متقيا أذى شح نفسك، فجمع لك هذا الفعل الإحسان و التقوى، و لما كان كل قرض جر نفعا فهو ربا، و اللّه لا ينهى عن الربا و يأخذه منا، لذلك كان العبد المقرض أن لا يقرض لأجل التضاعف، بل لأجل الأمر، فلا يخطر له عند الإعطاء النفع، و للمعطى الذي هو المقترض أن يحسن في الوفاء، و يزيد فوق ذلك ما شاء من غير أن يكون شرطا في نفس القرض، فإن اللّه قد وعد بتضاعف الأجر في القرض، فالإحسان في الجزاء يوم القيامة للّه تعالى على ذلك، و هذا معنى قوله تعالى‏ «حَسَناً» في وصف القرض، فإن اللّه يعاملنا بما شرع لنا لا بغير ذلك، و اللّه تعالى أمر عباده هنا بهذه الثلاثة: الصلاة و الزكاة و القرض الحسن، و القرض هنا صدقة التطوع، فورد الأمر بالقرض كما ورد بإعطاء الزكاة، و الفرق بينهما أن الزكاة موقتة بالزمان و النصاب و بالأصناف الذين تدفع إليهم، و القرض ليس كذلك، و قد تدخل الزكاة هنا في القرض،

فكأنه يقول‏ «وَ آتُوا الزَّكاةَ» قرضا للّه بها فيضاعفها لكم، فالقرض الذي لا يدخل في الزكاة غير موقّت لا في نفسه و لا في الزمان و لا بصنف من الأصناف، و الزكاة المشروعة و الصدقة لفظتان بمعنى واحد، قال تعالى‏ (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها) و قال تعالى‏ (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ) فسماها صدقة، فالواجب منها يسمى زكاة و صدقة، و غير الواجب فيها تسمى صدقة التطوع و لا تسمى زكاة شرعا، أي لم يطلق الشرع عليه هذه اللفظة، مع وجود المعنى فيها من النمو و البركة و التطهير، فإن الفرض قد عيّن اللّه أصنافه و رتبه على نصاب معين و زمان معين، و التطوع من ذلك لا يقف عند شي‏ء، فإن التطوع إعطاء ربوبية فلا يتقيد، و الفرض إعطاء عبودية فهو بحسب ما يرسم له سيده، و إعطاء العبودية أفضل، فإن الفرض أفضل من النفل، و أين عبودية الاضطرار من عبودية الاختيار؟

و سماها اللّه صدقة أي كلفة شديدة على النفس، لخروجها عن طبعها في ذلك، لأن النفس مجبولة على حب المال و جمعه، و لهذا آنسها الحق تعالى بقول نبيه صلّى اللّه عليه و سلّم للأنفس [إن الصدقة تقع بيد الرحمن فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله‏] و ذلك لأمرين: أحدهما ليكون السائل يأخذها من يد الرحمن لا من يد المتصدق، فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم يقول [إنها تقع بيد الرحمن قبل أن تقع بيد السائل‏] فتكون المنة للّه على السائل لا للمتصدق، فإن اللّه طلب منه القرض، و السائل ترجمان الحق في طلب هذا القرض، فلا يخجل السائل إذا كان مؤمنا من المتصدق، و لا يرى أن له فضلا عليه، فإن المتصدق إنما أعطى اللّه القرض الذي سأل منه و ليربيها له، و هذا من الغيرة الإلهية و الفضل الإلهي، و الأمر الآخر، ليعلمه أنها مودعة في موضع تربو له فيه و تزيد، هذا كله ليسخو بإخراجها و يتّقي شح نفسه، و في جبلة الإنسان طلب الأرباح في التجارة و نمو المال، فلهذا جاء الخبر بأن اللّه يربي الصدقات، ليكون العبد في إخراج المال من الحرص عليه الطبيعي لأجل المعاوضة و الزيادة و البركة بكونه زكاة، كما هو في جمع المال و شح النفس من الحرص عليه الطبيعي،

فرفق اللّه به حيث لم يخرجه عما جبله اللّه عليه، فالبخيل بالصدقة بعد هذا التعريف الإلهي و ما تعطيه جبلة النفوس من تضاعف الأموال، دليل على قلة الإيمان عند هذا البخيل، إذ لو كان مؤمنا على يقين من ربه، مصدقا له فيما أخبر به عن نفسه في قرض عبده و تجارته، لسارع بالطبع إلى ذلك كما يسارع به في الدنيا مع أشكاله، عاجلا و آجلا، و لهذا سماها اللّه صدقة، أي هي أمر شديد على النفس، تقول العرب: رمح صدق؛ أي صلب شديد قوي، أي تجد النفس لإخراج هذا المال للّه شدة و حرجا، كما قال ثعلبة ابن حاطب، و لما كان القرض فيه سد الخلة، قالت اليهود (إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ) أي من أجل فقره طلب القرض منا، و غابوا عن الذي أراده الحق تعالى من ذلك، من غاية وصلته بخلقه، كما جاء في الصحيح [جعت فلم تطعمني‏] ثم قال تعالى‏ «وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ» و إن كان الخير كل فعل مقرب إلى اللّه من صدقة و غيرها، و لكن مع هذا فقد انطلق على المال خصوصا اسم الخير، قال تعالى‏ (وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً) و قال تعالى‏ (وَ إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) يعني المال‏ «هُوَ خَيْراً وَ أَعْظَمَ أَجْراً وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ».

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏4، ص: 411

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=