تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة الصف
سورة الصف
[1- 3]
[سورة الصف (61): الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (3)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ من لوازم الإيمان الحقيقي الصدق و ثبات العزيمة، إذ خلوص الفطرة عن شوائب النشأة يقتضيهما، و قوله: لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ يحتمل الكذب و خلف الوعد، فمن ادّعى الإيمان وجب عليه الاجتناب عنهما بحكم الإيمان و إلا فلا حقيقة لإيمانه، و لهذا قال: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ لأن الكذب ينافي المروءة التي هي من مبادئ الإيمان فضلا عن كماله إذ الإيمان الأصلي هو الرجوع إلى الفطرة الأولى و الدين القيم و هي تستلزم أجناس الفضائل بجميع أنواعها التي أقل درجاتها العفة المقتضية للمروءة، و الكاذب لا مروءة له فلا إيمان له حقيقة.
و إنما قلنا: لا مروءة له لأن النطق هو الإخبار المفيد للغير المعنى المدلول عليه باللفظ و الإنسان خاصته التي تميزه عن غيره هي النطق فإذا لم يطابق الإخبار لم تحصل فائدة النطق، فخرج صاحبه عن الإنسانية و قد أفاد ما لم يطابق من اعتقاد وقوع غير المواقع فدخل في حدّ الشيطنة فاستحق المقت الكبير عند اللّه بإضاعة استعداده و اكتساب ما ينافيه من أضداده. و كذا الخلف لأنه قريب من الكذب و لأن صدق العزم و ثباته من لوازم الشجاعة التي هي إحدى الفضائل اللازمة لسلامة الفطرة و أول درجاتها، فإذا انتفت انتفى الإيمان الأصلي بانتفاء ملزومه فثبت المقت من اللّه.
[4- 6]
[سورة الصف (61): الآيات 4 الى 6]
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (4) وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَ قَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (5) وَ إِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (6)
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا لأن بذل النفس في سبيل اللّه لا يكون إلا عند خلوص النفس في محبة اللّه إذ المرء إنما يحب كل ما يحب من دون اللّه لنفسه، فأصل الشرك و محبة الأنداد محبة النفس فإذا سمح بالنفس كان غير محب لنفسه و إذا لم يحب نفسه فبالضرورة لم يحب شيئا من الدنيا و إذا كان بذله للنفس في اللّه و في سبيله لا للنفس كما قال: «ترك الدنيا للدنيا»، كانت محبة اللّه في قلبه راجحة على محبة كل شيء فكان من الذين قال فيهم: وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ[1]، و إذا كانوا كذلك يلزم محبة اللّه إياهم لقوله: يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ[2].
و بالحقيقة لا تكون محبة اللّه إلا منه.
فَلَمَّا زاغُوا عن مقتضى علمهم لفرط الهوى و حب الدنيا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ عن طريق الهدى و حجبهم عن نور الكمال لإقبالهم على الجهة السفلية و ميلهم عن مقتضى الفطرة الأصلية وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ الخارجين عن مقتضى الفطرة التي هي الدين القيم إلى نور الكمال لزوال الاستعداد و عدم القابل.
[7- 9]
[سورة الصف (61): الآيات 7 الى 9]
وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ هُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9)
وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إذ وضع نوره في الظلمة و صرف بضاعة البقاء، أي: الاستعداد الفطري في متاع الفناء مع وجود الداعي الخارجي الذي هو النبي إلى الإسلام الذي هو مقتضى ذلك النور الأصلي وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الموصوفين بهذه الصفة إلى النور الكمالي أي: نور ذاته و سبحات وجهه لما ذكر في الفاسقين.
[10- 11]
[سورة الصف (61): الآيات 10 الى 11]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الإيمان التقليدي لأن التجارة المنجية من العذاب الأليم التي دعاهم إليها إنما تكون للمحتجبين عن نور اللّه بصفات النفوس و هيئاتها تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ تحقيقا و يقينا استدلاليا وَ بعد صحة الاستدلال و قوة اليقين تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ لأن بذل المال و النفس في سبيل اللّه لا يكون إلا عن يقين ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لأنهما ستصيران إلى الفناء فإذا بعتموهما بالباقيات من اللذات المستعلية عليهما كان خيرا لكم إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ علما يقينيا.
[12]
[سورة الصف (61): آية 12]
يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ يُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)
يَغْفِرْ لَكُمْ ذنوب سيئات أعمالكم و هيئات نفوسكم المظلمة وَ يُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ من جنات النفوس لأنهم كانوا تاجرين باذلين الأنفس و الأموال للأعواض، عاملين بقوله: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ[3] تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا أنهار علوم التوكل و توحيد الأفعال و علوم الشرائع و الأخلاق وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً كمقام التوكل و سائر منازل النفوس و مقاماتها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ بالنسبة إلى من ليس له هذه المقامات في تلك الجنات لا العظيم المطلق.
[13]
[سورة الصف (61): آية 13]
وَ أُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)
وَ أُخْرى تُحِبُّونَها و تجارة أخرى أربح منها و أجلّ محبوبة إليكم هي نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ بالتأييد الملكوتي و الكشف النوري وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ بالوصول إلى مقام القلب و مطالعة تجليات الصفات و حصول مقام الرضا، و إنما قال: تحبونها، لأن المحبة الحقيقية لا تكون إلا بعد الوصول إلى مقام القلب و إنما سماها تجارة لاستبدالهم صفات اللّه تعالى مكان صفاتهم.
[14]
[سورة الصف (61): آية 14]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ كَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (14)
الحواريون هم الذين خلصوا عن ظلمة النفوس و سواد الهيئات الطبيعية بالوصول إلى مقام القلب و تنوّروا بنور الفطرة الأصلية، فابيضّت وجوههم الحقيقية بالتصفية مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ أي: من معي متوجها إلى نصرة اللّه بالسلوك في صفاته قالَ الْحَوارِيُّونَ الصافون نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ ننصره بإظهار كمالات صفاته في مظاهرنا فسلكوا في صفاته و أظهروا أنوارها حتى بلغوا الكمال القلبي و التكميل بالتأثير فَآمَنَتْ طائِفَةٌ بهم و بتأثير صحبتهم لقبول استعداداتهم وَ كَفَرَتْ طائِفَةٌ لاحتجابهم بصفاتهم فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ بالتأييد النوري فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ غالبين عليهم بالحجج النيرة و البراهين الواضحة، و اللّه تعالى أعلم.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 339
[1] ( 1) سورة البقرة، الآية: 56.
[2] ( 2) سورة المائدة: الآية: 54.
[3] ( 1) سورة التوبة، الآية: 111.