تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة إبراهيم
(14) سورة إبراهيم مكيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[سورة إبراهيم (14): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1)
«الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ» اعلم أن القرآن قرآن في الصدور، و في اللسان كلام، و في المصاحف كتاب، «لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ» من ظلمة العدم إلى نور الوجود «بِإِذْنِ رَبِّهِمْ» فكنا نورا بإذن ربنا «إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ» فهو صراط العزة، صراط التنزيه الذي ليس لمخلوق فيه قدم في العلم به، فإنه صراط اللّه الذي عليه ينزل لخلقنا، و عليه يكون معنا أينما كنا، و عليه نزل من العرش إلى السماء الدنيا و إلى الأرض، و هو قوله: (وَ هُوَ) (اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَ فِي الْأَرْضِ) و عليه يقرب من العبد أضعاف ما يتقرب إليه عبده إذا سعى إليه بالطريق التي شرع له، فهو يهرول إليه إذا رآه مقبلا تهمما بعبده و إكراما له، و لكن على صراط العزة، و هو صراط نزول لا عروج لمخلوق فيه، و لو كان لمخلوق فيه سلوك ما كان عزيزا، فهو صراط ممنوع لنفسه، فالحق سبحانه يختص بالنزول فيه «الْحَمِيدِ» أي الحامد و المحمود، لأن فعيل إذا ورد يطلب اسم الفاعل و المفعول، فإما أن يعطي الأمرين معا مثل هذا، و إما أن يعطي الأمر الواحد لقرينة الحال، و قد أثنى على نفسه، فهو الحامد و المحمود.
[سورة إبراهيم (14): الآيات 2 الى 4]
اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ وَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ يَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (3) وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)
[ «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ»]
«وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ» يعني بلغتهم و لحنهم، ليعلموا ما هو الأمر عليه، فإذا خاطبهم ما يخاطبهم إلا بما تواطئوا عليه من التعبير عن المعاني التي يريد المتكلم أن يوصل مراده فيما يريد منها إلى السامع، فالمعنى لا يتغير البتة عن دلالة ذلك اللفظ عليه، و إن جهل كيف ينسب فلا يقدح ذلك في المعقول من تلك العبارة، و إذا ظهر لهم في فعل من الأفعال فلا يظهر لهم إلا بما ألفوه في عاداتهم، لأنه يريد إفهامهم، فمن المحال أن يخرج في خطابه إياهم عما تواطئوا عليه في لسانهم، فالشرائع تنزلت بحسب ما وقع عليه التواطؤ في ألسنة العالم، فلا يرسل رسول إلا بما تواطأ قومه عليه، و قد يكون التواطؤ على صورة ما هي الحقائق عليه و قد لا يكون، و الحق سبحانه تابع لهم في ذلك كله، ليفهم عنه ما أنزله من أحكامه، و ما وعد به و أوعد عليه، كما قد دل دليل العقل على استحالة حصر الحق في أينية، و مع هذا جاء لسان الشرع بالأينية في حق الحق من أجل التواطؤ الذي عليه لسان المرسل إليهم، فقال صلّى اللّه عليه و سلم للسوداء: أين اللّه؟
فلو قالها غير الرسول لشهد الدليل العقلي بجهل القائل، فإنّه لا أينية له، فلما قالها الرسول و بانت حكمته و علمه، علمنا أنه ليس في قوة فهم هذا المخاطب أن يعقل موجده إلا بما تصوره في نفسه، فلو خاطبه بغير ما تواطأ عليه و تصوره في نفسه لارتفعت الفائدة المطلوبة و لم يحصل القبول، فمن حكمته أن سأل مثل هذه بمثل هذا السؤال و بهذه العبارة، و لذلك لما أشارت إلى السماء، قال فيها: إنها مؤمنة، أي مصدقة بوجود اللّه و لم يقل عالمة، و اعلم أن إخلاف ما أوعدت به من الشر يسمّى تجاوزا، و هذه شبهة المعتزلة، و غاب عنها قوله تعالى: «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ» و ما تواطئوا عليه أعني الأعراب، إذا أوعدت أو وعدت بالشر التجاوز عنه، و جعلت ذلك من مكارم الأخلاق، فعاملهم الحق بما تواطئوا عليه، فزلت هنا المعتزلة زلة عظيمة، أوقعها في ذلك استحالة الكذب على اللّه تعالى في خبره، و ما علمت أن مثل هذا لا يسمّى كذبا في العرف الذي نزل به الشرع، فحجبهم دليل عقلي عن علم وضع حكمي، و هذا من قصور بعض العقول و وقوفها في كل موطن مع أدلتها، و لا ينبغي لها ذلك، و لتنظر إلى المقاصد الشرعية في الخطاب، و من خاطب، و بأي لسان خاطب، و بأي عرف أوقع المعاملة في تلك الأمة المخصوصة، فنقول للمعتزلي الذي يقول بإنفاذ الوعيد فيمن مات على غير توبة.
إن اللّه عرفنا أنّ وعيده ينفذ فيمن شاء و يغفر لمن شاء، و الخبر الإلهي الصدق لا يدخله الكذب، فإنه محال على الجناب الإلهي، و إن نظر العالم إلى أنّ خطاب الحق لعباده إنما يكون بحسب ما تواطئوا عليه، و هذا خطاب عربي لسائر العرب، بلسان ما اصطلحوا عليه من الأمور التي يتمدحون بها في عرفهم، و من الأمور التي يذمونها في عرفهم، فعند العرب من مكارم الأخلاق، أن الكريم إذا وعد و في و إذا أوعد تجاوز و عفا، و هي من مكارم أخلاقهم و مما يمدحون بها الكريم، و نزول الوعيد عليهم بما هو في عرفهم، لم يتعرض في ذلك لما تعطيه الأدلة العقلية من عدم النسخ لبعض الأخبار و لاستحالة الكذب، بل المقصود إتيان مكارم الأخلاق يقول بعض الأعراب في كرم خلقه:
| و إني إذا أوعدته أو وعدته | لمخلف إيعادي و منجز موعدي | |
مدح نفسه بالعفو و التجاوز عمن جنى عليه بما أوعد على ذلك من العقوبة بالعفو و الصفح، و مدح نفسه بإنجاز ما وعد به من الخير، يقال في اللسان: وعدته في الخير و الشر، و لا يقال أوعدته بالهمز إلا في الشر خاصة، و التجاوز و العفو عند العرب مما تواطئوا على الثناء به على من ظهر منه، فاللّه أولى بهذه الصفة، و قد عرفنا أن وعيده ينفذ فيمن شاء و يغفر لمن شاء، و لا ينبغي أن يقال مخلف، بل ينبغي أن يقال إنه عفو متجاوز عن عبده، و مع هذه الوجوه فلا يتمكن زوال الرهبة من قلب العبد من نفوذ الوعيد، لأنه لا يدري هل هو ممن يؤاخذ أو ممن يعفى عنه؟
«لِيُبَيِّنَ لَهُمْ» لتقوم عليهم الحجة إذا خالفوا، أو يعملوا بما فهموا فيسعدوا، فوقع البيان، فما رمز نبي شيئا قط، لأنه بعث للبيان «فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ» مطلق الضلالة الحيرة و الجهل بالأمر و بطريق الحق المستقيم، فقوله تعالى: «فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ» أي من عرّفه بطريق الضلالة فإنه يضل فيها «وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» و من عرّفه بطريق الهداية فإنه يهتدي فيها، و لما كان العقل السليم يحار في الأخبار الموهمة للتشبيه و يتيه، فهذا معنى يضل، أي يحير العقول بمثل هذه الخطابات- الصادرة من اللّه على ألسنة الرسل الصادقة- المجهولة الكيفية، و لا يتمكن للعقل أن يهتدي إلى ما قصده الحق بذلك مما لا يليق بالمفهوم، ثم يرى العقل أنه سبحانه ما خاطبنا إلا لنفهم عنه، و المفهوم من هذه الأمور يستحيل عليه سبحانه من كل وجه يفهمه العبد بضرب من التشبيه المحدث، إما من طريق المعنى أو طريق الحس، و لا يتمكن للعقل أن لا يقبل هذا الخطاب فيحار، فثمّ حيرة يخرج عنها العبد و يتمكن له الخروج منها بالعناية الإلهية، و ثمّ حيرة لا يتمكن له الخروج عنها بمجرد ما أعطى اللّه العقل من أقسام القوة التي أيده اللّه بها، فيحار الدال في المدلول لعزة الدليل، لذلك قال تعالى: «وَ هُوَ الْعَزِيزُ» ثم يجيء الشرع بعد هذا في أمور حكم العقل بدليله على إحالتها، فيثبت الشرع ألفاظا تدل على وجوب ما أحاله، فيقبل ذلك إيمانا و لا يدري ما هو، فإنه «الْحَكِيمُ».
[سورة إبراهيم (14): آية 5]
وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5)
[ «وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ»]
– الوجه الأول- «وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ» أي ذكرهم بنعم اللّه و آلائه، فإنما نابت الأيام مناب النعم لأنها الآتية بأنواع الكرم، أوحى اللّه تعالى إلى موسى عليه السلام: يا بن عمران حببني إلى عبادي، قال: يا رب كيف أصل إلى ذلك؟ فأوحى اللّه تعالى إليه:يا بن عمران ذكرهم إحساني إليهم، و عظيم تفضلي عليهم، فإنهم لا يعرفون مني إلا الحسن الجميل. و أيام اللّه هي أيام الأنفاس على الحقيقة، فإنها أقل ما ينطلق عليه اسم يوم، فهو أن يذكرهم بقوله تعالى: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) فتلك أيام اللّه و أنت في غفلة عنها، و هذه الأيام التي ينبغي أن يذكر العبد بها، مثل أيام النعم و أيام الانتقام التي أخذ اللّه فيها القرون الماضية.
و اعلم أن البلايا أكثر من النعم في الدنيا، فإنه ما من نعمة ينعمها اللّه على عباده تكون خالصة من البلاء، فإن اللّه يطالبه بحقها من الشكر عليها، و إضافتها إلى من يستحقها بالإيجاد، و أن يصرفها في الموطن الذي أمره الحق أن يصرفها فيه، فمن كان شهوده في النعم هذا الشهود متى يتفرغ للالتذاذ بها؟ و كذلك الرزايا هي في نفسها مصائب و بلايا، و يتضمنها من التكليف ما يتضمنه من النعم من طلب الصبر عليها، و رجوعه إلى الحق في رفعها عنه، و تلقيها بالرضى أو الصبر الذي هو حبس النفس عن الشكوى باللّه إلى غير اللّه، فقد علمت من أيام اللّه أن الدار دار بلاء، لا يخلص فيها النعيم من البلاء وقتا واحدا، و أقله طلب الشكر من المنعم بها عليه، و أي تكليف أشق منه على النفس، و لذلك تمم تعالى بقوله: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ»
و اعلم أن اللّه إذا مدح الصابرين فهم الذين حبسوا نفوسهم عن الشكوى لغير اللّه و لا يحبسونها عن الشكوى إلى اللّه- الوجه الثاني- «وَ ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ» اعلم أن اللّه لما أعلمنا أنه هو الدهر، ذكر لنا سبحانه أن له أياما من كونه دهرا، و هي أيام اللّه، فعيّن هذه الأيام أحكام أسمائه تعالى في العالم، فلكل اسم أيام، و هي زمان حكم ذلك الاسم، و الكل أيام اللّه، و تفاصيل الدهر بالحكم في العالم، و هذه الأيام تتوالج و يدخل بعضها في بعض، و يغشي بعضها بعضا، و هو ما نراه من اختلاف الأحكام في الزمان الواحد، فذلك لتوالجها و غشيانها و تقليبها و تكرارها، و لهذه الأيام الإلهية ليل و نهار، فليلها غيب، و هو ما غاب عنّا منها، و هو عين حكمها في الأرواح العلوية الكائنة فوق الطبيعة و الأرواح المهيّمة، و نهارها شهادة، و هو عين حكمها في الأجسام الطبيعية إلى آخر جسم عنصري، و هي ما تحت الطبيعة، و الاسم الإلهي النور هو الذي أظهر الليل و النهار في أيام اللّه، و الدهر من حيث عينه يوم واحد لا يتعدد، و لا ليل له و لا نهار، فإذا أخذته الأسماء الإلهية عينت بأحكامها في هذا اليوم الأزلي- الذي هو عين الدهر- الأيام الإلهية التي أمر المذكّر أن يذكرنا بها، لنعرفها من أيام الزمان، ثم جعل اللّه هذه الأيام المعلومة عندنا ليقدر بها أحكام الأيام الإلهية التي للأسماء، فهي كالموازين لها، يعرف بها مقادير تلك الأيام، فقال: (وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) فإذا ضربت ثلاثمائة يوم و ستين يوما في ألف سنة، فما خرج لك بعد ذلك الضرب من العدد فهو أيام التقدير التي ليوم الرب، فينقضي، ثم ينشئ في الدهر يوما آخر لاسم آخر غير اسم الرب، و كذلك يضرب ثلاثمائة يوم و ستين يوما في خمسين ألف سنة، فما خرج لك بعد الضرب من الأيام فهو أيام التقدير التي ليوم ذي المعارج من الأسماء الإلهية، فإذا انقضى ذلك اليوم أنشأ في الدهر يوما آخر لاسم آخر غير الذي لذي المعارج، هكذا الأمر دائما، فلكل اسم إلهي يوم،
و إنما ذكرنا هذين اليومين يوم الرب و يوم ذي المعارج لكونهما جاءا في كتاب اللّه، فلا يقدر المؤمنون بذلك على إنكارهما، فما من اسم إلهي مما يعلم و يجهل إلا و له يوم في الدهر، و تلك أيام اللّه، و الكل على الحقيقة أيام اللّه و لكن أكثر الناس لا يعلمون- إشارة- التذكر للعلماء الغافلين، و الوعظ لا يكون للناس أجمعين، فالواعظ إنما يعظ بما يكون من اللّه لا باللّه، و كذلك من يخوف الناس إنما يخوفهم بما يكون من اللّه لا من اللّه، فالترغيب لا يجري مجرى الترهيب، فإن الترغيب قد يكون في اللّه، و الترهيب لا يكون إلا مما يكون من اللّه لا من اللّه.
[سورة إبراهيم (14): الآيات 6 الى 7]
وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (7)
[ «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ»]
الشكر صفة تقتضي الزيادة من المشكور للشاكر، فيزيدنا نعمة إذا شكرناه على نعمه و آلائه، و لا يصح الشكر إلا على النعم، فإذا شكرت اللّه على ما أنعم به عليك زادك من نعمه، فإن الشاكر في حال شكره هو عين فقره إلى ما ليس عنده و هو الزيادة التي تزاد له على النعمة التي يكون فيها.
| شكر لنعمة ربي نعمة أخرى | منه عليّ لهذا يطلب الشكرا | |
| فقري إليه و ما عندي سوى نعم | من الإله بها أرساله تترى | |
| هو الغني و فقري منة ظهرت | منه عليّ فنلت الزهو و الفخرا | |
| بالفقر فخري و بالفاقات سلطنتي | على الوجود فلا أدري و لا أدرى | |
فكلما زاد العبد في العبادة شكرا للّه، زاده الحق في الهداية و التوفيق في موطن الأعمال حتى الآخرة، حيث لا عمل و لا ألم على السعداء، و لما كان الشكر فعلا يطلب الماضي و الواقع، كانت الزيادة من النعم للشاكر فضلا من اللّه، و لهذا سماها زيادة يطلبها الشكر لا الشاكر، و لما قرر اللّه هذه النعم على عبده و هداه السبيل إليها قال: إما شاكرا فيزيده منها، و إما كفورا بنعمه فيسلبها عنه و يعذبه على ذلك، فليحترز الإنسان لنفسه في أي طريق يمشي، فما بعد بيان اللّه بيان.
[سورة إبراهيم (14): آية 8]
وَ قالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8)
«وَ قالَ مُوسى» لبني إسرائيل «إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ» ينبه أن اللّه تعالى ما أوجد العالم إلا للعالم، و ما تعبّده بما تعبّده به إلا ليعرفه بنفسه، فإنه إذا عرف نفسه عرف ربه، فيكون جزاؤه على علمه بربه أعظم الجزاء، و لذلك قال: (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) و لا يعبدونه حتى يعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه عبادة ذاتية، فإذا أمرهم عبدوه عبادة خاصة مع بقاء العبادة العامة الذاتية، فجازاهم على ذلك، فما خلقهم إلا لهم، و ما ذكر موسى الأرض إلا لكمالها بوجود كل شيء فيها، و هو الإنسان الجامع حقائق العالم، فقوله: «فِي الْأَرْضِ» لأنها الذلول، فهي الحافظة مقام العبودية، فكأنه قال: «إِنْ تَكْفُرُوا» أنتم و كل عبد اللّه «فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ».
[سورة إبراهيم (14): الآيات 9 الى 11]
أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَ قالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَ إِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (10) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ ما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)
لما كانت الخلافة ربوبية في الظاهر، لأن الخليفة يظهر بحكم الملك فيتصرف في الملك بصفات سيده ظاهرا، و إن كانت عبوديته له مشهودة في باطنه، فلم تعم عبوديته جميعه عند رعيته الذين هم أتباعه، و ظهر ملكه بهم و باتباعهم و الأخذ عنه، فكان في مجاورتهم بالظاهر أقرب، و بذلك المقدار يستتر عنه من عبوديته، فإن الحقائق تعطي ذلك، لذلك كثيرا ما ينزل الوحي على الأنبياء «قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ»* و هذه آية دواء لهذه العلة.
[سورة إبراهيم (14): آية 12]
وَ ما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَ قَدْ هَدانا سُبُلَنا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)
المتوكلون هم أرباب مقام العبودية و أهل الاستكفاء باللّه، و هم المتوكلون على اللّه توكل العبد على سيده، لا توكل الابن على أبيه، و لا الميت على غاسله، و لا الأجير على آجره، و لا توكل الموكّل على وكيله، فإن القائلين بالأسباب أهل الاكتساب مع الاعتماد على اللّه – و إن اعتمدوا على اللّه- فما في ظاهرهم الاكتفاء باللّه، و هكذا كل ذي سبب و إن كان من المتوكلين، فما كل متوكل يظهر منه الاكتفاء على ظاهره.
[سورة إبراهيم (14): الآيات 13 الى 15]
وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَ لَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَ خافَ وَعِيدِ (14) وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15)
لا تكن في الأرض جبارا فيخدعك الطريق، حتى يصيرك ضجيع الغريق، فلا تتصف بالتكبر و الجبروت من غير أن يعطيك الحق ذلك، فتضل عن الطريق، كما فعل بفرعون لما تكبر بغير الحق، فأغرقه اللّه تعالى.
[سورة إبراهيم (14): الآيات 16 الى 17]
مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَ يُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَ لا يَكادُ يُسِيغُهُ وَ يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ما هُوَ بِمَيِّتٍ وَ مِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (17)
التجرع عن كراهة و مرارة.
[سورة إبراهيم (14): الآيات 18 الى 19]
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (18) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19)
«أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِالْحَقِّ» اعلم أن اللّه تعالى وصف نفسه بأن له نفسا بفتح الفاء، و أضافه إلى الاسم الرحمن، فهو أول غيب ظهر لنفسه، فكان فيه الحق من اسمه الرب، فكان العماء الذي كان فيه الرب قبل خلق الخلق، ثم أوجد اللّه في هذا العماء جميع صور العالم الذي قال فيه إنه هالك، يعني من حيث صوره، ، و في هذا العماء ظهرت الملائكة المهيمة و العقل و النفس و الطبيعة، و الطبيعة هي أحق نسبة بالحق مما سواها، فإن كل ما سواها ما ظهر إلا فيما ظهر منها، و النفس بفتح الفاء هو الساري في العالم، أعني في صور العالم، فالعماء أصل الأشياء و الصور كلها، و هو أول فرع ظهر من أصل «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ» و لكن ما فعل مع جواز إعدام الأشياء بمسكه الإمداد بما به بقاء أعيانها، و لكن قضى القضية أن لا يكون الأمر إلا هكذا، و لذلك علق الإذهاب بالمشيئة، يريد مسك الشرط المصحح لبقاء الوجود عليكم، فتنعدمون إذ لم يوجده سبحانه، فإن له التخيير في إيجاد كل ممكن أو تركه على حاله من اتصافه بالعدم. و اعلم أن اللّه لا يرد ما أوجده إلى عدم، بل هو يوجد على الدوام و لا يعدم، فالقدرة فعالة دائما، فإنه ما شاء إلا الإيجاد،
[ «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ»]
و لهذا قال: «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ»– الوجه الأول- الذهاب انتقالكم من الحال التي أنتم فيها إلى حال تكونون فيها، و يكسو الخلق الجديد عين هذه الأحوال التي كانت لكم لو شاء، لكنه ما شاء، فليس الأمر إلا كما هو، فإنه لا يشاء إلا ما هي عليه، لأن الإرادة لا تخالف العلم، و العلم لا يخالف المعلوم، و المعلوم ما ظهر و وقع، فلا تبديل لكلمات اللّه، فإنها على ما هي عليه- الوجه الثاني- «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ» أي يلحقكم بالعدم أي إعدام الموجود «وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ» إيجاد المعدوم و في ذلك وصف العدم بالكينونة فانظر كيف أضاف الإلحاق بالعدم إلى المشيئة و لم يضفه إلى القدرة التي يقع الخلق و الجعل بها، و الصحيح في ذلك أن الموجودات إذا كانت كما ذكرنا لها أعيان ثابتة حال اتصافها بالعدم الذي هو للممكن لا للمحال فكما أبرزها للوجود و ألبسها حاله و عراها عن حال العدم فيسمى بذلك موجدا و تسمى هذه العين موجودة، لا يبعد أن يردها إلى ما منه أخرجها و هي حالة العدم فيتصف الحق بأنه معدم لها و تتصف هي بأنها معدومة- الوجه الثالث- «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ» معناه إن يشأ يشهدكم في كل زمان فرد الخلق الجديد الذي أخذ اللّه بأبصاركم عنه، فإن الأمر هكذا هو في نفسه و الناس منه في لبس، فبقاء الجوهر ليس لعينه و إنما بقاؤه للصور التي تحدث فيه، فلا يزال الافتقار منه إلى اللّه دائما، فالجوهر فقره إلى اللّه للبقاء، و الصور فقرها إلى اللّه لوجودها، فالكل في عين الفقر إلى اللّه.
[سورة إبراهيم (14): آية 20]
وَ ما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20)
أي بممتنع. عزة الشيء لا تكون إلا على أمثاله، فالشيء على عزته حقير بالنسبة لعزة اللّه التي لا تقبل التأثير، فإن كل شيء في العالم بالنظر إلى عظمة اللّه حقير، و لكنه بتعظيم اللّه لا بعظمته عظيم.
[سورة إبراهيم (14): الآيات 21 الى 22]
وَ بَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (21) وَ قالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَ ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (22)
لما كانت المعجزات تشهد بصدق الدعوة من الرسل أنها دعوة من اللّه، حكى اللّه لنا من قول الشيطان «لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ» أي من قوة و لا حجة و لا برهان «إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي» و ليس كل من دعا تلزم إجابته، فإن الشيطان ما أقام برهانا لهم لما دعاهم، فيا عجبا إن الناس جحدوا دعوة الحق مع ظهور البرهان و كفروا بها، و أجابوا دعوة الشيطان العرية عن البرهان، فقال لهم: «فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ» و حكى اللّه عن إبليس قوله، فأقره عليه و لم ينكره، فاحذر أن تقوم عليك حجة الشيطان، فإنه ليس له عليك سلطان، فلا تقل زيّن لي و دعاني فأوقعني في الخسران، أنت الذي أجبت و وقعت منه، و لعنه ليس إلا التنحي عنه، فما دعاك إلا بلسان الحال، فإن أجبته بلسان الحال لم ينفع لعنه بالمقال.
[سورة إبراهيم (14): الآيات 23 الى 24]
وَ أُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (23) أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ (24)
[ «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ»]
قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ» أطلق النظر على الكيفيات و المراد بذلك بالضرورة المكيفات لا التكييف، فإن التكييف راجع إلى حالة معقولة لها نسبة إلى المكيّف و هو اللّه تعالى، و ما أحد شاهد تعلق القدرة الإلهية بالأشياء عند إيجادها، فالكيفيات المذكورة التي أمرنا بالنظر إليها لا فيها، إنما ذلك لنتخذها عبرة و دلالة على أن لها من كيّفها، أي صيّرها ذات كيفيات، و هي الهيئات التي تكون عليها المخلوقات المكيّفات.
[سورة إبراهيم (14): آية 25]
تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)
اعلم أن الحق و إن أوجد العالم و وصف نفسه بما وصف، ما زال في منزلة تنزيهه و تمييزه عن خلقه بذاته، مع معيته بكل خلق من خلقه.
[سورة إبراهيم (14): الآيات 26 الى 32]
وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (27) أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ (29) وَ جَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30)
قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خِلالٌ (31) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (32)
«وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ» باطن المعتقد كون اللّه هو لفاعل للأشياء، لا أثر لمخلوق و لا لسبب ظاهر و لا باطن فيها، فإن الأسباب جعلها اللّه ابتلاء ليتميز من يقف عندها ممن لا يرى وقوع الفعل إلا بها ممن لا يرى ذلك و يرى الفعل للّه من ورائها، عندها، لا بها.
[سورة إبراهيم (14): الآيات 33 الى 34]
وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ (33) وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)
[و آتاكم من كل ما سألتموه]
«وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ»– إشارة- أوحى اللّه إلى بعض أنبيائه: يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك و خلقتك من أجلي، فلا تهتك ما خلقت من أجلي فيما خلقت من أجلك، يا ابن آدم إني و حقي لك محب، فبحقي عليك كن لي محبا، كيف لا يحب الصانع صنعته؟! و نحن مصنوعاته بلا شك، فإنه خالقنا و خالق أرزاقنا و مصالحنا، و الصنعة مظهرة علم الصانع لها بالذات و اقتداره و جماله و عظمته و كبريائه، فإن لم يكن فعلى من و فيمن و بمن، فلا بد منا و لا بد من حبه فينا، فهو بنا و نحن به، كما قال صلّى اللّه عليه و سلم في ثنائه على ربه: [فإنما نحن به و له] فلم يزل يحب، فلم يزل ودودا، فهو يوجد دائما في حقنا، فهو كل يوم في شأن، و لا معنى للوداد إلا هذا، فنحن بلسان الحال و المقال لا نزال نقول له: افعل كذا، افعل كذا، و لا يزال هو تعالى يفعل، و من فعله فينا نقول له: افعل، أ ترى هذا فعل مكره و لا مكره له؟ تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا، بل هذا حكم الاسم الودود منه.
| سمع اللّه صوت سائله | بالذي قد أراده منا | |
| فلهذا نكونه أبدا | و لهذا عنا فما زلنا | |
فأعطانا الحق تعالى الوجود أولا، و هو الخير الخالص، و هو صفته تعالى، و لو كان عنده أكمل من ذلك ما بخل به علينا، ثم لم يزل يعطي ما يستحقه الموجود مما به قوامه و صلاحه، فقال: «وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها» نعم اللّه لا تحصى من حيث أسبابها الموجبة لها، أي للذة و التنعم، فالأسباب لا تحصى كثرة، و اللذة واحدة، و هي النعمة المحققة، فسمى الشيء باسم الشيء إذا كان مجاورا له أو كان منه بسبب «إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» للبقاء على المخالفة مع إرداف النعم، فالصبر على إرداف النعم لما في طيها من المكر الإلهي أعظم من الصبر على الرزايا، فإن النعم أعظم حجاب عن اللّه إلا من وفقه اللّه.
[سورة إبراهيم (14): الآيات 35 الى 43]
وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَ ما نُعْلِنُ وَ ما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (39)
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَ تَقَبَّلْ دُعاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (41) وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (43)
وصف اللّه تعالى الظالمين يوم القيامة بكونهم مقنعي رءوسهم، أي رافعين إلى اللّه يسألونه المغفرة عن جرائمهم، فإن الإقناع ارتفاع «لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ» بهتا لتعظيم ما يروا «وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ».
[سورة إبراهيم (14): الآيات 44 الى 47]
وَ أَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَ وَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (44) وَ سَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَ تَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَ ضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (45) وَ قَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَ عِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (46) فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (47)
يستدل بهذه الآية على عموم الرحمة، فإن الخبر الصدق إذا لم يكن حكما لا يدخله النسخ، و قد ورد بطريق الخبر الوعد و الوعيد، و لما كانت الشريعة نزلت بلسان قوم الرسول صلّى اللّه عليه و سلم، فخاطبهم بحسب ما تواطئوا عليه فممّا تواطئوا عليه في حق المنعوت بالكرم و الكمال إنفاذ الوعد و إزالة حكم الوعيد، و الوعد يكون في الخير و الشر معا، و الإيعاد في الشر خاصة، و ما ورد في الشرع نص في نفاذ الإيعاد و ورد في الوعد، و اللّه أكرم من أن ينسب إليه إنفاذ الوعيد، بل ينسب إليه المشيئة و ترجيح الكرم، وصف بعض الأعراب مع كونه من أهل الأغراض نفسه على طريق التمدح:
| و إني إذا أوعدته أو وعدته | لمخلف إيعادي و منجز موعدي | |
و قد ورد في الصحيح ليس شيء أحب إلى اللّه من أن يمدح، و المدح بالتجاوز عن المسيء غاية المدح، فاللّه أولى به تعالى، و الصدق في الوعد مما يتمدح به، فقال تعالى «فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ» فذكر الوعد، فالثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد، و الحضرة الإلهية تطلب الثناء المحمود بالذات، فيثنى عليها بصدق الوعد لا بصدق الوعيد، بل بالتجاوز، قال تعالى: (وَ نَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ) مع أنه توعد على ذلك، و أخبر عن الإيعاد في تمام الآية بقوله: «إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ» و قال في الوعيد بالمشيئة و في الوعد بنفوذه و لا بدّ، و لم يعلّقه بالمشيئة في حقّ المحسن، لكن في حقّ المسيء علّق المشيئة بالمغفرة و العذاب، و اللّه عند ظن عبده به، فليظن به خيرا، و الظن هنا ينبغي أن يخرج مخرج العلم «إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ» لما كان الانتقام من رحمة المنتقم بنفسه في الخلق، قال اللّه تعالى: «إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ» عن مثل هذا «ذُو انتِقامٍ».
[سورة إبراهيم (14): آية 48]
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ وَ بَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (48)
– الوجه الأول- كما كان في أول الخلق أن الأرض خلقت قبل السماء في ترتيب وجود خلق العالم، كذلك لما وقع التبديل ابتدأ بالأرض قبل السموات، فوقف الخلق على الجسر دون الظلمة، و بدل الأرض غير الأرض، لا في الصفة، فلو كان في الصفة ما ذكر العين، فبدل الأرض و السماء في العين- الوجه الثاني- تبدل الأرض كيف شاء سبحانه إما بالصورة و إما بأرض أخرى ما نيم عليها تسمى بالساهرة- الوجه الثالث- إذا بدلت السماء و الأرض فإنما يقع التبديل في الصور لا في الأعيان، فقوله تعالى: «يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ» التبديل في الصفة لا في العين، فتكون أرض صلاح لا أرض فساد، و تمد مد الأديم فلا ترى فيها عوجا و لا أمتا «وَ السَّماواتُ» هنا هي السموات المعروفة، و هي السبع السموات خاصة، لا السماء ذات البروج، و لا فلك المنازل الذي هو سقف النار، فإن ما دون فلك المنازل يخرب نظامه و تبدل صورته و يزول ضوء كوكبه «وَ بَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ».
[سورة إبراهيم (14): آية 49]
وَ تَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (49)
أورثهم ذلك غضب اللّه تعالى مكانا ضيقا لما في الغضب من الضيق، فكان المشرك مع أمثاله من المشركين، كونهم مقرنين في الأصفاد.
[سورة إبراهيم (14): الآيات 50 الى 52]
سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَ تَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (51) هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَ لِيُنْذَرُوا بِهِ وَ لِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَ لِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (52)
[ «هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ»]
– الوجه الأول- «هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ» فهو بلاغ للإنسان من كونه من الناس «وَ لِيُنْذَرُوا بِهِ» من كونه على قدم غرور و خطر فيحذروا «وَ لِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ» أي بفعل ما يريد ما ثمّ آخر يرده عن إرادته فيك و يصده «وَ لِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ» بما أشهدهم على نفسه أنه ربه، ليقوم بما يجب على المملوك في حق سيده الذي أقر له بالملك، فإن التذكر لا يكون إلا عن علم متقدم منسي، فيذكره من يعلم ذلك، فالقرآن بلاغ من وجه و إنذار من وجه و إعلام من وجه و تذكرة لما نسيه من وجه، و المخاطب بهذا كله واحد العين و هو الإنسان-
الوجه الثاني- ميز اللّه بين طبقات العالم ليعلموا أن اللّه قد رفع بعضهم فوق بعض درجات فقال: «هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ» يريد طائفة مخصوصة لا يعقلون منه سوى أنه بلاغ، يسمعون حروفه إيمانا بها أنها من عند اللّه لا يعرفون غير ذلك «وَ لِيُنْذَرُوا بِهِ» في حق طائفة أخرى عينها بهذا الخطاب «وَ لِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ» في حق طائفة أخرى عينها بهذا الخطاب، و أراد بالعلم هنا الإيمان، و هو الذي يعول عليه في السعادة، فإن اللّه به أمر، و سميناه علما لكون المخبر هو اللّه فقال: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) و قال تعالى: «وَ لِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ» «وَ لِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ» في حق طائفة أخرى و هم العلماء باللّه و بالأمر على ما هو عليه، فيتذكر أرباب العقول ما كانوا قد علموه قبل، أي ما جاءوا بما تحيله الأدلة الغامض إدراكها، فإنها لب الدلالات، و القرآن واحد في نفسه، تكون الآية منه تذكرة لذي اللب، و توحيدا لطالب العلم بتوحيده، و إنذارا للمترقب الحذر، و بلاغا للسامع ليحصل له أجر السماع، كالأعجمي الذي لا يفهم اللسان، فيسمع فيعظم كلام اللّه من حيث نسبته إلى اللّه، و لا يعرف معنى ذلك اللفظ حتى يشرح له بلسانه و يترجم له عنه.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج2، ص: 445