تفسیر ابن عربى(تأویلات عبد الرزاق) سورة الانشراح
سورة الانشراح
[1- 4]
[سورة الشرح (94): الآيات 1 الى 4]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (4)
أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ استفهام بمعنى إنكار انتفاء الشرح ليفيد ثبوته، أي: شرحنا لك صدرك و ذلك لأن الموحد في مقام الفناء محجوب بالحق عن الخلق لفنائه و ضيق الفاني عن كل شيء إذ العدم لا يقبل الوجود كما كان قبل الفناء محجوبا بالخلق عن الحق لضيق وعائه الوجودي و امتناع قبول وجود التجلي الذاتي الإلهي، فإذا ردّ إلى الخلق بالوجود الحقاني الموهوب و رجع إلى التفصيل وسع صدره الحق و الخلق لكونه وجودا حقيا و ذلك انشراح الصدر أي: شرحناه بنورنا للدعوة و القيام بحقائق الأنباء و الوزر الذي يحمل ظهره على النقيض و هو صوت الكسر، أي: يكسره بثقله هو وزر النبوّة و القيام بأعبائها لأنه في مقام الشهود لم يجد للخلق وجودا فضلا عن الفعل و لم يفرق بين فعل و فعل لشهوده لأفعاله تعالى، فكيف يثبت خيرا و شرّا و يأمر و ينهى و هو لا يرى إلا الحق وحده فإذا ردّ إلى مقام النبوة عن مقام الولاية و حجب بحجاب القلب ثقل ذلك عليه و كاد أن يقصم ظهره لاحتجابه عن الشهود الذاتي حينئذ، فوهب التمكين في مقام البقاء حتى لم يحتجب بالكثرة عن الوحدة و شاهد الجمع في عين التفصيل، و لم يغب عن شهوده بالدعوة و ذلك هو شرح الصدر و هو بعينه وضع الوزر المذكور و رفع الذكر لأن الفاني في الجمع لا يكون شيئا فضلا عن أن يكون مذكورا، و لو بقي في عين الجمع لما صح محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بعد قولنا: لا إله إلا اللّه لفنائه و لما تمّ الإسلام لصحته بهما.
[5- 6]
[سورة الشرح (94): الآيات 5 الى 6]
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6)
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ أي: الاحتجاب الأول بالخلق عن الحق يُسْراً و أيّ يسر هو كشف الذات و مقام الولاية إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ أي: الاحتجاب الثاني بالحق عن الخلق يُسْراً و أيّ يسر هو شرح الصدر بالوجود الموهوب الحقاني و مقام النبوة.
[7- 8]
[سورة الشرح (94): الآيات 7 الى 8]
فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَ إِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)
فَإِذا فَرَغْتَ عن السير باللّه و في اللّه و عن اللّه فَانْصَبْ في طريق الاستقامة و السير إلى اللّه و اجتهد في دعوة الخلق إليه فَارْغَبْ خاصة في الدعوة إليه، أي: لا ترغب إلا إلى ذاته دون ثواب أو غرض آخر لتكون دعوتك و هدايتك به إليه و إلا لما كنت قائما به مستقيما إليه به بل زائغا عنه قائما بالنفس، و اللّه تعالى أعلم.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 443