تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سورة الأنبياء
(21) سورة الأنبياء مكيّة
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
[سورة الأنبياء (21): آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1)
اعلم أنه ما أتي على أحد إلا من الغفلة عما يجب عليه من الحقوق، التي أوجب الشرع عليه أداءها، فمن أحضرها نصب عينيه و سعى جهده في أدائها، ثم حالت بينه و بين أدائها موانع تقيم له العذر عند اللّه، فقد و فى الأمر حقه و وفى اللّه بذمته، و لا حرج عليه و لا جناح، و لا خاطبه الحق بوجوب حق عليه مع ذلك المانع، و أما إذا تغافل حتى أوجب له ذلك التغافل الغفلة آخذه اللّه بها، فإنه متعمل قاصد فيما يحول بينه و بين ما أوجب اللّه عليه فعله و تركه، فما بقي لظهور الساعة؟ و وجود آدم من شروط اقترابها، فهذا أوان الساعة قد اقترب، و لو أزال الناس الغفلة لتنبهوا، و لو تنبهوا لسمعوا خطاب البهائم.
[سورة الأنبياء (21): آية 2]
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ (2)
[وصف الذكر و هو القرآن]
«ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ» ليس الذكر إلا القرآن، و ما هو إلا كلام اللّه المنعوت بالقدم فالذي جاءهم إنما هو المتكلم به، «مِنْ رَبِّهِمْ» من سيدهم و مالكهم و مصلحهم و مغذيهم «مُحْدَثٍ» فوصف الحق الذكر بالحدوث و إن كان كلامه قديما، فحدث عندنا الذكر لا في نفسه تعالى، و الذكر هنا هو المتكلم به لا عين الكلام، فالكلام موصوف بالقدم لأنه راجع إلى ذات المتكلم إذا أردت كلام اللّه، و المتكلم به ما هو عين الكلام، و قد يكون المتكلم به معنى و قد يكون غير معنى، ثم إن ذلك المعنى قد يكون قديما و قد يكون حادثا، فالمتكلم به أيضا لا يلزم قدمه و لا حدوثه إلا من حيث إسماع المخاطب، فإنه سمع أمرا لم يكن سمعه قبل ذلك فقد حدث عنده، فعلى الحقيقة إتيان الذكر على من أتى عليه هو حادث بلا شك، لأن ذلك الإتيان الخاص لم يكن موصوفا بالوجود، و إن كان الآتي أقدم من إتيانه لا من حيث إتيانه بل من حيث عينه،
فكلام اللّه قديم من كونه صفة المتكلم به و هو اللّه، و وصف بأنه محدث الإتيان و النزول أي حدث عندهم بإتيانه كما تقول حدث عندنا ضيف، فإنه لا يدل ذلك أنه لم يكن له وجود قبل ذلك، و لما كان القرآن في حقنا نزل نعت اللّه الذكر هنا بالحدوث، لأنه نزل على محدث لأنه حدث عنده ما لم يكن يعلمه، فهو محدث عنده بلا شك و لا ريب، فكلام اللّه المنعوت بالقدم حدث عندهم حين سمعوه فهو محدث الإتيان قديم بالعين، و جاء في مواد حادثة ما وقع السمع و لا تعلق إلا بها بما دلت عليه هذه الأخبار، و الذي دلت عليه منه ما هو موصوف بالقدم و منه ما هو موصوف بالحدوث، فله الحدوث من وجه و له القدم من وجه، فإن قلت هذا الحادث هل هو محدث في نفسه أو ليس بمحدث،
قلنا اعلم أن كلام الحادث محدث و كلام اللّه له الحدوث و القدم، فله عموم الصفة فإن له الإحاطة و لنا التقييد، فلا يضاف الحدوث إلى كلام اللّه إلا إذا كتبه الحادث أو تلاه، و لا يضاف القدم إلى كلام الحادث إلا إذا تكلم به اللّه عند من أسمعه كلامه، كموسى عليه السلام و من شاء اللّه من عباده في الدنيا و الآخرة و أهل السعادة و أهل الشقاء، و إن قلنا في هذا الحادث إنه صفة الحق التي يستحقها قلنا بقدمها بلا شك، فإنه يتعالى أن تقوم الصفات الحادثات به فكلام الحق قديم في نفسه قديم بالنسبة إليه، محدث أيضا، كما قال عند من أنزل عليه من حيث تعلق علمهم به، فإنه لا يعلم الكون المحدث إلا محدث مثله، لأنه لا يعلم الشيء إلا بصفته النفسية،
فعلمنا باللّه محال، فما تعلق العلم إلا بمحدث، و من وجه آخر يحتمل أن يكون قوله تعالى: «ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ» أي أحدثت بعض هذه الأمور السؤالات، فهو الذكر المحدث لما حدث و قد كان له الوجود، و عين المخاطب مفقود (إلا استمعوه و هم يلعبون) فذم من لم يتلقاه بالقبول، و من هذه الآية ثبت حدوث القرآن عندهم لا في عينه، فنعلم أن القرآن مجدد الإنزال على قلوب التالين له دائما أبدا، لا يتلوه من يتلوه إلا عن تجديد تنزل من اللّه الحكيم الحميد، و قلوب التالين لنزوله عرش يستوي عليها في نزوله إذا أنزل، و بحسب ما يكون عليه القلب المتخذ عرشا لاستواء القرآن عليه من الصفة يظهر القرآن بتلك الصفة في نزوله، و ذلك في حق بعض التالين، و في حق بعضهم تكون الصفة للقرآن فيظهر عرش القلب بها عند نزوله عليه، فقرآن عظيم لعرش عظيم، و قرآن كريم لعرش كريم، و قرآن مجيد لعرش مجيد، فكل قرآن مستو على عرشه بالصفة الجامعة بينهما، فلكل قلب قرآن من حيث صفته مجدد الإنزال لا مجدد العين- راجع سورة البقرة آية 122- و لما كان الاسم الرب لا يرد إلا مقيدا فإذا كان حدوث القرآن في الإنزال على القلب من الرب ينزل مقيدا و لا بد، فيكون عند ذلك قرآنا كريما، أو قرآنا مجيدا، أو قرآنا عظيما، و يكون القلب النازل عليه بمثل ما نزل عليه من الصفة عرشا عظيما، أو عرشا كريما، و إذا حدث نزوله من الرحمن على القلب «ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ» لم يتقيد بإضافة أمر خاص، فكان القلب له عرشا غير مقيد بصفة خاصة، بل له مجموع الصفات و الأسماء، فإن الاسم الرحمن له الإطلاق فكما أن الرحمن له الأسماء الحسنى، لهذا العرش النعوت العلى بمجموعها فإن القرآن إذا نزل على قلب عبد و ظهر فيه حكمه و استوى عليه بجميع ما هو عليه مطلقا كان خلقا لهذا القلب، فما من آية في القرآن إلا و لها حكم في قلب هذا العبد، لأن القرآن لهذا نزل، ليحكم لا ليحكم عليه.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 3 الى 7]
لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7)
أهل الذكر هم أهل القرآن أهل اللّه و خاصته، و أهل القرآن هم الذين يعملون به- راجع سورة النحل آية 43-.
[سورة الأنبياء (21): آية 8]
وَ ما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ ما كانُوا خالِدِينَ (8)
[ما هى الاجساد؟]
الصور المحسوسة التي تظهر فيها الروحانيات تسمى أجسادا، و لا يكون غذاؤها الطعام، فالطعام غذاء الأشباح، أما الجان و لو تشكل فغذاؤه ما يحمله الهواء مما في الأجسام الطبيعية من المطاعم، و الملائكة غذاؤهم ليس كذلك، فالصور ثلاثة عنصرية و نورية و جسدية، فالصور الجسدية أحدثها اللّه بتجل بين اللطائف و الصور، و تتجلى في تلك الصور الجسدية الصور النورية و النارية ظاهرة للعين، و تتجلى الصور الحسية حاملة للصور المعنوية في هذه الصور الجسدية في النوم و بعد الموت و قبل البعث و هو البرزخ الصوري.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 9 الى 16]
ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَ مَنْ نَشاءُ وَ أَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (10) وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَ أَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (12) لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (13)
قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (14) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (15) وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (16)
هو قوله تعالى: «أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً».
[سورة الأنبياء (21): آية 17]
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (17)
«لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً» يعني الولد «لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا» و ما له ظهور إلا من الصاحبة التي هي الأم، و هي من لدنه فما خرج عن نفسه، و جاء بحرف لو فدل على الامتناع «إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ» أي ما كنا فاعلين أن نتخذه من غيرنا، و من جعل إن شرطا لا نفيا يكون معنى إن كنا فاعلين أن نتخذ لهوا نتخذه من عندنا لا من عندكم.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 18 الى 19]
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ (19)
«وَ مَنْ عِنْدَهُ» هم الملائكة المهيمة الكروبيون جلساء الحق تعالى بالذكر، فإن اللّه تعالى لما تسمى بالملك رتب العالم ترتيب المملكة، فجعل له خواص من عباده و هم الملائكة المهيمة.
[سورة الأنبياء (21): آية 20]
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20)
[تسبيح الملائكة]
تسبيح الملائكة مثلنا في أنفاسنا دوام متوال من غير مشقة نجده في تنفسنا، بل الأنفاس عين الراحة لنا، بل لولاها لمتنا، فالملائكة لا يلحقهم في تسبيحهم عي و لا نصب، فإن نسبة التسبيح إليهم نسبة الأنفاس إلينا، تقتضيها نشأتهم كما تقتضي نشأتنا الأنفاس، لأن عالم الأرواح ما يتعبهم القيام و لا يدركهم الملل، لأن النشأة النورية خارجة عن حكم الأركان، فيسبحون الليل و النهار لا يفترون في غير ليل و لا نهار، و هذا التسبيح لا يكون إلا عن شهود دائم لا عن تقديس عرضي، و ما عندنا خبر من جانب الحق تعالى في ذلك مروي و لا غير مروي أن هذا المقام ناله أحد من البشر، و بهذا القدر يتبين فضل الملك على الإنسان في العبادة لكونه لا يفتر، لأن حقيقة نشأته تعطيه أنه لا يفتر، فتقديسه ذاتي لأن تسبيحه لا يكون إلا عن حضور مع المسبح، و ليس تسبيحه إلا لمن أوجده، فهو مقدس الذات عن الغفلات، فلم تشغله نشأته الطبيعية النورية عن تسبيح خالقه على الدوام، مع كونهم من حيث نشأتهم يختصمون، كما أن البشر من حيث نشأته تنام عينه و لا ينام قلبه، و لم يعط البشر قوة الملك في ذلك لأن الطبيعة يختلف مزاجها في الأشخاص، و هذا مشهود بالضرورة في عالم العناصر.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 21 الى 22]
أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22)
[الدليل العقلى على أحديّة الخالق]
«لَوْ كانَ فِيهِما» يعني في السماء و الأرض «آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» فإنه قد أجمعنا مع المشركين على ثبوته سبحانه، و خالفونا في الأحدية، فكان الدليل المنصوب لهم من عند اللّه على أحديته، أنه لو كان له شريك في فعله يسمى إلها لكان لا يخلو إما أن يختلفا في كون الشيء أو يتفقا، فإن اختلفا فالذي ينفذ اقتداره هو الإله، و الذي يعجز ليس بإله، و إن اتفقا فيقدّر الاختلاف، فيلزم منه ذلك بعينه، و تقدير الإمكان في المحال بالفرض، كوقوع الكائن في أحد الإمكانين على السواء، و هذا القدر كاف فيما يعطيه عقول الأعراب، فإنه لا أجهل ممن اتخذ شريكا مع اللّه.
اعلم أن العلم بتوحيد الألوهة لمسمى اللّه لا توحيد الذات، فإن الذات لا يصح أن تعلم أصلا فالعلم بتوحيد اللّه علم دليل فكري لا علم شهود كشفي، فالعلم بالتوحيد لا يكون ذوقا أبدا و لا تعلق له إلا بالمراتب، قال تعالى: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ» و هذا بطريق فرض المحال، فوحد الإله، و ما تعرض لذات اللّه سبحانه، لأن الفكر فيها ممنوع شرعا (لفسدتا) أي لم يوجدا يعني العالم العلوي و هو السماء، و السفلي و هو الأرض، أي لو كان مع اللّه إله آخر لفسد النظام و الأمر، و قد وجد الصلاح و هو بقاء العالم، فدل على أن الموجد له لو لم يكن واحدا ما صح وجود العالم، هذا دليل الحق على أحديته، و طابق الدليل العقلي في ذلك، و لو كان غير هذا من الأدلة أدل منه عليه لعدل إليه و جاء به، و ما عرفنا بهذا و لا بالطريق إليه في الدلالة عليه، فقوله تعالى: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» هذه المقدمة، و المقدمة الأخرى السماء و الأرض و أعني بهما كل ما سوى اللّه ما فسدتا، و هذه هي المقدمة الأخرى، و الجامع بين المقدمتين و هو الرابط الفساد، فانتجتا أحدية المخصص و هو المطلوب، و إنما قلنا ذلك لأنه لو كان ثم إله زائد على الواحد لم يخل هذا الزائد إما أن يتفقا في الإرادة أو يختلفا، و لو اتفقا فليس بمحال أن يفرض الخلاف لننظر من تنفذ إرادته منهما، فإن اختلفا حقيقة أو فرضا في الإرادة فلا يخلو إما أن ينفذ في الممكن حكم إرادتيهما معا و هو محال، لأن الممكن لا يقبل الضدين و إما أن لا ينفذا، و إما أن ينفذ حكم إرادة أحدهما دون الآخر، فإن لم ينفذ حكم إرادتيهما فليس واحد منهما بإله، و قد وقع الترجيح فلا بد أن يكون أحدهما نافذ الإرادة و قصر الآخر عن تنفيذ إرادته فحصل العجز، و الإله ليس بعاجز، فالإله من نفذت إرادته و هو اللّه الواحد لا شريك له، و لهذا الأصل ما بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بعثا قط و لو كان اثنين إلا قدم أحدهما و جعل الآخر تبعا، و إن لم يكن كذلك فسد الأمر و النظام، فلا يصح إقامة ملك بين مدبرين، و إن اتحدت إرادتهما، و لما كان لا يصح عقلا و لا شرعا تدبير ملك بين أميرين متناقضين في أحكامهما و إن فرض اتحاد الإرادة في حق المخلوقين فإن حكم العادة يأبى ذلك و الشرع في حق هذين الأميرين، لم يرد اللّه تعالى أن يدبر هذا الملك إلا واحد، و صرح بذلك على لسان رسوله صلّى اللّه عليه و سلم (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) شعر:
| جمع الأنام على إمام واحد | عين الدليل على الإله الواحد | |
فجعل اللّه للناس إماما في الظاهر واحدا يرجع إليه أمر الجميع لإقامة الدين، و أمر عباده أن لا ينازعوه، و من ظهر عليه و نازعه أمرنا اللّه بقتاله، لما علم أن منازعته تؤدي إلى فساد في الدين الذي أمرنا اللّه بإقامته، و أصله قوله تعالى: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) فمن هناك ظهر اتخاذ الإمام و أن يكون واحدا في الزمان ظاهرا بالسيف.
[سورة الأنبياء (21): آية 23]
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ (23)
للّه الحجة البالغة في قوله: (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) فإنه ما فعل من نفسه ابتداء و إنما فعل بك في وجودك ما كنت عليه في ثبوتك. و لهذا قال: (وَ هُمْ يُسْئَلُونَ) و قد أطلعهم اللّه عند ذلك على ما كانوا عليه و أن علمه ما تعلق بهم إلا بحسب ما هم عليه فيعرفون إذا سئلوا أنه تعالى ما حكم فيهم إلا بما كانوا عليه، و إذا سئلوا و هم يشهدون اعترفوا فيصدق قوله: «فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ و لكن أكثر الناس لا يعلمون» فإن سر القدر هو كون العبد مجبورا في اختياره، و مع أن اللّه فاعل مختار فإن ذلك من أجل قوله: (وَ يَخْتارُ) و قوله:
(وَ لَوْ شِئْنا) و لا يفعل إلا ما سبق به علمه، و تبدل العلم محال، فمن تفطن للقول الإلهي فإن معناه في غاية البيان و لشدة وضوحه خفي، و من وقف على هذه المسألة لم يعترض على اللّه في كل ما يقضيه و يجريه على عباده، و فيهم و منهم، و لهذا قال: «لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ» فلو كنت عاقلا تفهم من اللّه كفتك هذه الآية في المقصود، فإن هذه الآية متعلقة بالقهر و الجبروت و إثبات الملك، فإذا ثبتت هذه الأوصاف في قلب العبد استحال عليه طلب العلة، و كل ما يكون فيه اعتراض، فإن أفعال الحق لا ينبغي أن تعلل، فإنه ما ثم علة موجبة لتكوين شيء إلا عين وجود الذات و قبول عين الممكن لظهور الوجود، فالأزل لا يقبل السؤال عن العلل، و لا يصدر ذلك إلا من جاهل باللّه- الوجه الثاني- «لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ» في عباده مثل المصادرة إذا لم تقع عن حساب أو تجاوز في الأخذ حد الاستحقاق، و كذا القهر و الإرعاد و الإبراق و الأخذ و الرحمة و العفو و التجاوز و الانتقام و الحساب (وَ هُمْ يُسْئَلُونَ) للأخذ و التجاوز بعد التقرير و الحساب و السؤال، فلله الحجة البالغة- تحقيق- من احتج عليك بما سبق فقد حاجك بحق، و مع هذا فهي حجة لا تنفع قائلها، و لا تعصم حاملها، و مع كونها ما نفعت سمعت و قيل بها، و إن عدل في الشرع عن مذهبها، فإنه لا يسأل عما يفعل و هم يسألون و لكن أكثر الناس لا يشعرون.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 24 الى 25]
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَ ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24) وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)
[توحيد الاقتدار و التعريف]
هذا هو التوحيد التاسع عشر في القرآن و هو توحيد الاقتداء و التعريف، و هو توحيد الإناية، و ما ثم من الأعمال السارية في كل نبوة إلا إقامة الدين و الاجتماع عليه، و كلمة التوحيد، فقال تعالى: (وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) و بوب البخاري على هذا ما جاء أن الأنبياء دينهم واحد و ليس إلا التوحيد و إقامة الدين و العبادة، ففي هذا اجتمعت الأنبياء عليهم السلام، و اختصاص هذا الوحي بالأناية (أنا) دل على أنه كلام إلهي بحذف الوسائط، فما أوحى إليهم منهم، فإنه لا يقول (أنا) إلا من هو متكلم، فإن قيل فقد قال إنه ينزل بمثل هذا الملائكة، فهذا لا يبعد أن تأخذه الرسل من وجهين إذا نزلت به الملائكة يكون على الحكاية، و إذا ورد مثل هذا معرى عن القرائن أو النص عليه حمل على ما هو الأصل عليه، فما يقول أنا إلا المتكلم و هنا يقول الحق لرسوله صلّى اللّه عليه و سلم عليه و سلم معرضا كذا فكن أنت مثل من سبقك من الرسل، و جاء بالعبادة و لم يذكر الأعمال المعينة، فإنه قال: (لكل جعلنا منكم شرعة و منهاجا) و هي الأعمال التي ينتهي فيها مدة الحكم المعبر عنه بالنسخ.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 26 الى 28]
وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28)
قوله تعالى: «وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى» في الشفاعة يوم القيامة، فأذن تعالى في السؤال و هو لا يأذن و في نفسه أن لا يقبل سؤال السائل.
[سورة الأنبياء (21): آية 29]
وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)
[جزاء الاعمال]
اعلم أنه ما في علمي أن أحدا يقع منه هذا القول و هو يجوع و يمرض و يغوط و أمثال هذا إلا فرعون لما استخف قومه، و أما قوله: «مِنْ دُونِهِ» أي نزولا عن المرتبة التي للّه، و هذا مثل قولهم: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» فهو و إن كان أنزل منه في الرتبة فهو عنده أنه إله، و قد أثبت جهله بقوله من دونه فإنه أثبت الغير بقوله من دونه، فأخبر اللّه أن جزاء هذا القائل يكون غاية البعد لأن من قال: «إِنِّي إِلهٌ» قد جعل نفسه في غاية القرب فكان جزاؤه غاية البعد عن سعادته في جهنم، فينزل إلى قعرها، و جهنم من جهنام يقال بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر، و هنا تنبيه حيث قرن هذا الحال بالقول لا بالعلم و الحسبان، فإن قال قائل ما نظن أنه قد علم أن الأمر كذا فتخيل أن قوله مطابق لعلمه و هذا يستحيل وقوعه من أحد علما لعلمه بذاته و افتقاره و قصوره في نفسه- تحقيق- كما أن لكل أجل كتاب فلكل عمل جزاء، و القول عمل فله جزاء، إن اللّه عند لسان كل قائل، و ليس بعد الخواطر أسرع عملا منه، أعني من اللسان، فالقول أسرع الأعمال، و لا يتولى حساب صاحبه إلا أسرع الحاسبين، لأن متولي الحساب على الأعمال من الأسماء الإلهية ما يناسب ذلك.
[سورة الأنبياء (21): آية 30]
أَ وَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ (30)
«كانَتا رَتْقاً»– الوجه الأول- أي غير متميزة «فَفَتَقْناهُما» أي ميزنا بعضها عن بعض ليميز أعيانها ففتق الأرض بما أخرج فيها من معدن و نبات و حيوان، فكان إيجادا عند دوران الأفلاك بعد تقدير- الوجه الثاني- اعلم أن اللّه تعالى قد جعل هذه الأرض بعد ما كانت رتقا كالجسم الواحد كما كانت السماء، ففتق رتقها و جعلها سبعة أطباق كما فعل بالسماوات، فقوله تعالى: «كانَتا رَتْقاً» أي كل واحدة منهما مرتوقة، «فَفَتَقْناهُما» يعني فصل بعضها من بعض حتى تميزت كل واحدة عن صاحبتها، كما قال: «خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ» أي فصل كل سماء على حدة بعد ما كانت رتقا، إذ كانت دخانا فإن الحق استوى إلى السماء و كانت واحدة، ففتقها و سواها سبع سماوات طباقا، فدارت بأفلاكها و فتق الأرض إلى سبع أرضين، سماء أولى لأرض أولى، و ثانية لثانية إلى سبع، و لما كان الأصل في وجودها الماء لهذا قال: «وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ» تنسب عندنا الحياة لكل حي بحسب حقيقة المنعوت بها، و ما في العالم إلا حي، لا كمن لا يرى الحياة إلا في غير الجماد و النامي، فالجماد في نظرك هو حي في نفس الأمر، و أما الموت فهو مفارقة حي مدبّر لحي مدبّر، فالمدبر و المدبر حي، و المفارقة نسبة عدمية لا وجودية،
إنما هو عزل عن ولاية، فكل شيء حي، فإن كل شيء مسبح للّه بحمده، و هذا الماء هو الماء الذي هو أصل في وجود كل شيء و به حياته، و لحياته وصف بالتسبيح، و هو غير هذا الماء المركب البسيط المعهود، فالماء أصل الحياة في الأشياء، فهو سر الحياة، حتى العرش لما خلقه اللّه ما كان إلا على الماء، فسرت الحياة فيه منه، و من هذا الماء كانت حياة الجان و هم لا يشعرون، و حياة العرش و ما حوى عليه من المخلوقات، فإن اللّه يقول: «وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» فجاء بالنكرة، و لا يسبح إلا حي، و أما الماء العنصري فأصله من نهر الحياة الطبيعية الذي فوق الأركان، و هو الذي ينغمس فيه جبريل كل يوم غمسة، و ينغمس فيه أهل النار إذا خرجوا منها بالشفاعة، فهو الماء الذي قال تعالى فيه: «وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ» ثم سرت منه الحياة في الماء العنصري، و أما في عالم الاستحالة فاعلم أن العرش الملك، و ما تم الملك و كمل إلا في عالم الاستحالة، و هو عالم الأركان الذي أصله الماء، و الماء هو الركن الأعظم من العناصر الأربعة و هي الماء و الهواء و النار و التراب، و لو لا عالم الاستحالة ما كان اللّه يصف نفسه بأنه كل يوم في شأن، فالعالم يستحيل و الحق في شأن حفظ وجود أعيانه يمده بما به بقاء عينه من الإيجاد، فهو الشأن الذي هو الحق عليه، فلما كان الماء أصلا لكل حي قال تعالى: «وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ» فالماء أصل العناصر و الاسطقسات، و هو أصل لكل حياة عرضية لا ذاتية، فبالماء حياة الأحياء لما فيه من سر الإحياء، فإن اللّه جعل الماء رزقا لكل حي لأنه بارد رطب، و العالم في عينه غلبت عليه الحرارة و اليبوسة، و سبب ذلك أن العالم مقبوض عليه قبضا لا يتمكن له الانفكاك عنه، لأنه قبض إلهي واجب على كل ممكن، فلا يكون إلا هكذا، و الانقباض في المقبوض يبس بلا شك، فغلب عليه اليبس، فهو يطلب بذاته لغلبة اليبس ما يلين به و يرطب، فتراه محتاجا من حيث يبسه إلى الرطوبة، و أما احتياجه إلى البرودة لأن العالم ممكن لا يصح له أن يكون مطلق الوجود يفعل ما يريد، و هو يريد هذه المرتبة و لا ينال مطلوبه، فيدركه الغبن فيحمى، فتغلب الحرارة عليه فيتأذى، فيخاف الانعدام فيجنح إلى طلب البرودة ليسكن بها ما يجده من ألم الحرارة و يحيي بها نفسه، و يبس القبض الذي هو عليه يطلب الرطوبة، فنظر الاسم الرزاق في غذاء يحيا به يكون باردا، ليقابل الحرارة و سلطانها و يكون رطبا فيقابل به سلطان اليبس، فوجد الماء باردا رطبا فجعل منه كل شيء حي في كل صنف صنف بما يليق به، فكل شيء من الماء عينه و من الهواء حياته، حتى حيوان البحر الذي يموت إذا فارق الماء ما حياته إلا بالهواء الذي في الماء، لأنه مركب، فيقبل الهواء بنسبة خاصة، و هو أن يمتزج بالماء امتزاجا لا يسمى به هواء، كما أن الهواء المركب فيه الماء و به يكون مركبا، لكن امتزاج الماء به امتزاجا خاصا لا يسمى به ماء، فإذا كانت حياة الحيوان بهواء الماء مات عند فقده ذلك الهواء الخاص، و كذلك حيوان البر إذا غرق في الماء مات لأن حياته بالهواء الذي مازجه الماء، لا بالماء الذي مازجه الهواء، و ثم حيوان بري بحري، و هو حيوان شامل برزخي، له نسبة إلى قبول الهواءين، فيحيى بالهواء كما يحيى البري و يحيى في الماء كما يحيى البحري، و بالهواء تكون حياته في الموضعين، و الماء أصله من كونه حيا، ثم قال تعالى: «أَ فَلا يُؤْمِنُونَ» أي يصدقون بذلك و بما يرونه من حياة الأرض بالمطر، و حياة الأشجار بالسقي، حتى الهواء إن لم يكن فيه مائية و إلا أحرق، و إنما قرن به الإيمان لجواز خلافه عقلا، الذي هو ضد الواقع «أَ فَلا يُؤْمِنُونَ» و ينظرون في قولنا: (مِنَ الْماءِ)* فيعلمون طبع الماء و أثره، و فيمن يؤثر و ما يدفع به، فيعلم أن العالم موصوف بنقيض ما يقتضيه الماء فيحكم عليه به، فإن الواقع في العالم غلبة الحرارة و اليبوسة عليه لما ذكرناه، فثار عليه سلطان الحرارة و اليبس، فلم تكن حياة إلا ببارد رطب فكان الماء.
[سورة الأنبياء (21): آية 31]
وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَ جَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31)
لما رأت الملائكة ميد الأرض، و قد حصل لهم التعريف من اللّه بأنها محل خلق يخلقون منها على نشأة مخصوصة، لا يمكن معها التصرف إلا على ساكن فقالت يا ربنا كيف استقرار عبادك على هذه الأرض، فأبدى لهم تجليا أصعقهم به، و خلق من الأبخرة الغليظة المتراكمة الكثيفة الصاعدة من الأرض الجبال، فقال بها عليها فسكن ميد الأرض، و ذهبت تلك الحركة التي لا يكون معها الاستقرار، ثم أفاق الملأ الأعلى من صعقتهم، فرأوا من قدرة اللّه ما هالهم، فقالوا ربنا هل خلقت شيئا أشد من هذه الجبال، فقال نعم الحديد، فقالوا ربنا فهل خلقت شيئا أشد من الحديد، فقال نعم النار، فقالوا ربنا فهل خلقت شيئا أشد من النار، قال نعم الماء، فقالوا ربنا فهل خلقت شيئا أشد من الماء، قال نعم الريح، فقالوا ربنا فهل خلقت شيئا أشد من الريح، قال نعم الإنسان يتصدق بصدقة فلا تعرف شماله ما تنفق يمينه، فهذا هو الذي ملك الهواء، فمن ملك هواه فهو أشد من الهواء، و هو الذي ينبغي أن يقال له إنسان، و من لم يحكم هذا المقام فهو حيوان صورته صورة إنسان لا غير، فقالت سبحانك ما عبدناك حق عبادتك إذ تكلمنا بما لا ينبغي لنا أن نتكلم به فإنك أنت العليم القدير.
[سورة الأنبياء (21): آية 32]
وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (32)
[الزمان]
الليل و النهار فصلا اليوم، فمن طلوع الشمس إلى غروبها يسمى نهارا، و من غروب الشمس إلى طلوعها يسمى ليلا، و هذه العين المفصلة تسمى يوما، و أظهر هذا اليوم وجود الحركة الكبرى، و ما في الوجود العيني إلا وجود المتحرك لا غير، و ما هو عين الزمان الذي تطلقه العرب و تريد به الليل و النهار، فإن الزمان أمر متوهم لا حقيقة له، فباختلاف الحركات الفلكية حدث زمان الليل و النهار، و تعينت السنون و الشهور و الفصول، و هذه المعبر عنها بالأزمان، فالزمان و اليوم و الليل و فصول السنة كلها أمور عدمية نسبية لا وجود لها في الأعيان، و كان التوجه من الحق على إيجاد الشمس يخالف توجهه تعالى على إيجاد القمر، فلو كان التوجه واحدا عليهما لما اختلفت الحركات، و هي مختلفة، فدل أن التوجه الذي حرك القمر في فلكه ما هو التوجه الذي حرك الشمس و لا غيرها من الكواكب و الأفلاك، و لو لم يكن الأمر كذلك لكانت السرعة أو الإبطاء في الكل على السواء، لذلك قال تعالى:
«كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» و بذلك تتميز آثارها، فالآثار بلا شك مختلفة، و الفلك لا يكون إلا مستديرا. و اعلم أن أصغر الأيام هي التي نعدها حركة الفلك المحيط، الذي يظهر في يومه الليل و النهار، فأقصر يوم عند العرب و هو هذا لأكبر فلك، و ذلك لحكمه على ما في جوفه من الأفلاك، إذ كانت حركة ما دونه في الليل و النهار حركة قسرية له، قهر بها سائر الأفلاك التي يحيط بها، و لكل فلك حركة طبيعية تكون له مع الحركة القسرية، فكل فلك دونه ذو حركتين في وقت واحد، حركة طبيعية و حركة قسرية، و لكل حركة طبيعية في كل فلك يوم مخصوص، يعد مقداره بالأيام الحادثة عن الفلك المحيط المعبر عنها بقوله:
«مِمَّا تَعُدُّونَ» و كلها تقطع في الفلك المحيط، فكلما قطعته على الكمال كان يوما لها، و يدور الدور، فأصغر الأيام منها هو ثمانية و عشرون يوما مما تعدون، و هو مقدار قطع حركة القمر في الفلك المحيط.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 34 الى 35]
وَ ما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (35)
[علة خلق الموت]
«كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ»* و هو لقاء للّه خاص عينه الحق، إذ هو المشهود في كل حال، و لكن لما عين ما شاء من المواطن و جعله محلا للقاء مخصوص رغبنا فيه، و لا نناله إلا بالخروج من الدار التي تنافي هذا اللقاء و هي الدار الدنيا، خيّر النبي صلّى اللّه عليه و سلم بين البقاء في الدنيا و الانتقال إلى الأخرى فقال الرفيق الأعلى، و ورد في الخبر أنه من أحب لقاء اللّه يعني بالموت أحب اللّه لقاءه و من كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه، فلقيه في الموت بما يكرهه، و هو أن حجبه عنه و تجلى لمن أحب لقاءه من عباده. و لقاء الحق بالموت له طعم لا يكون في لقائه بالحياة الدنيا، فالموت فراغ لأرواحنا من تدبير أجسامنا، فلها ذوق لا يكون لها إلا بالخروج من دار الدنيا بالموت لا بالحال، و هو أن يفارق هذا الهيكل الذي وقعت له به هذه الألفة من حين ولد و ظهر به، بل كان السبب في ظهوره، ففرق الحق بينه و بين هذا الجسم لما ثبت من العلاقة بينهما، و هو من حال الغيرة الإلهية على عبيده لحبه لهم، فلا يريد أن يكون بينهم و بين غيره علاقة، فخلق الموت و ابتلاهم به تمحيصا لدعواهم في محبته فقال: «وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً» و ما فتن اللّه من فتن من عباده إلا بحكم ما ظهر عليهم من الدعاوى فيما يتصرفون فيه أن ذلك الفعل لهم حقيقة أو كسبا، فلو أطلعهم اللّه على اليد الإلهية الخالقة و رأوا نفوسهم آلات صناعية لا يمكن وقوع غير ذلك لما اختبرهم اللّه، فما اختبرهم إلا ليعثروا على مثل هذا العلم فيعصموا من الدعوى فيسعدوا، لذا قال: «وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ».
[سورة الأنبياء (21): الآيات 36 الى 37]
وَ إِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَ هذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَ هُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (36) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (37)
«خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ» هو قوله تعالى: (فخلق الإنسان عجولا) و لو رام غير العجلة ما استطاع، فإن في طبعه الحركة و الانتقال لأنها أصله، فإن خروجه من العدم إلى الوجود نقلة، فهو في أصل نشأته و وجوده متحرك.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 38 الى 47]
وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (38) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَ لا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ (40) وَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (41) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42)
أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَ لا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَ آباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَ فَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَ فَهُمُ الْغالِبُونَ (44) قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَ لا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (45) وَ لَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (46) وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَ كَفى بِنا حاسِبِينَ (47)
[تجسد المعانى]
يأتي اللّه بأعمال بني آدم مع كونها أعراضا صورا قائمة، و هو تجسد المعاني، توضع في الموازين لإقامة القسط، و جعل اللّه الموازين يوم القيامة كثيرة ليزن بكل ميزان ما وضع له، فإن الشرع مثلا قد تعبد كل مجتهد بما أداه إليه اجتهاده، و حرم عليه العدول عن دليله، فكل مجتهد متعبد بما أعطاه اجتهاده، فتوضع الموازين لوزن الأعمال، فيجعل فيها الكتب بما عملوا، و آخر ما يوضع في الميزان قول الإنسان الحمد للّه، و لهذا قال صلّى اللّه عليه و سلم: [الحمد للّه تملأ الميزان] فإنه يلقى في الميزان جميع أعمال العباد إلا كلمة لا إله إلا اللّه فيبقى من ملئه تحميدة فتجعل فيه فيمتلئ بها، و سبب ذلك أن كل عمل خير له عمل مقابل من ضده،
فيجعل هذا الخير في موازنته و لا يقابل لا إله إلا اللّه إلا الشرك، و لا يجتمع توحيد و شرك في ميزان أحد، لأنه إن قال لا إله إلا اللّه معتقدا لها فما أشرك، و إن أشرك فما اعتقد لا إله إلا اللّه، فلما لم يصح الجمع بينهما لم يكن لكلمة لا إله إلا اللّه ما يعاد لها في الكفة الأخرى و لا يرجحها شيء، فلهذا لا تدخل الميزان، و أما المشركون فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا، أي لا قدر لهم و لا يوزن لهم عمل و لا من هو من أمثالهم ممن كذب بلقاء اللّه و كفر بآياته، فإن أعمال خير المشرك محبوطة، فلا يكون لشرهم ما يوازنه، و أما صاحب السجلات فإنه شخص لم يعمل خيرا قط، إلا أنه تلفظ يوما بكلمة لا إله إلا اللّه مخلصا فتوضع له في مقابلة التسعة و التسعين سجلا من أعمال الشر، كل سجل منها كما بين المغرب و المشرق، و ذلك لأنه ما له عمل خير غيرها، فترجح كفتها بالجميع و تطيش السجلات فيتعجب من ذلك، و لا يدخل الموازين إلا أعمال الجوارح شرها و خيرها، السمع و البصر و اللسان و اليد و البطن و الفرج و الرجل، و أما الأعمال الباطنة فلا تدخل الميزان المحسوس، لكن يقام فيها العدل و هو الميزان الحكمي المعنوي، فلهذا توزن الأعمال من حيث ما هي مكتوبة «فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً» «وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ» يعني من العمل «أَتَيْنا بِها وَ كَفى بِنا حاسِبِينَ».
[سورة الأنبياء (21): آية 48]
وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَ هارُونَ الْفُرْقانَ وَ ضِياءً وَ ذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (48)
الضياء ما يدرك به و ما يدرك منه.
[سورة الأنبياء (21): آية 49]
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَ هُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49)
«الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ» اعلم أيدك اللّه أن عبادة اللّه بالغيب عين عبادته بالشهادة، فإن الإنسان و كل عابد لا يصح أن يعبد معبوده إلا عن شهود، إما بعقل أو ببصر أو بصيرة يشهده العابد بها فيعبده، و إلا فلا تصح له عبادة، فما عبد إلا مشهودا لا غائبا، فإن أعلمه بتجليه في الصور للبصر حتى يميزه عبده أيضا على الشهود البصري، و لا يكون ذلك إلا بعد أن يراه بعين بصيرته، فمن جمع بين البصيرة و البصر فقد كملت عبادته ظاهرا و باطنا، و من قال بحلوله في الصور فذلك جاهل بالأمرين جميعا، قال صلّى اللّه عليه و سلم:
اعبد اللّه كأنك تراه، فأمره بالاستحضار، فإنه يعلم أنه لا يستحضر إلا من يقبل الحضور،فاستحضار العبد ربه في العبادة عين حضور المعبود له «وَ هُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ» حتى إن كل دابة تصغي يوم الجمعة شفقا من الساعة.
[سورة الأنبياء (21): آية 50]
وَ هذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَ فَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50)
لما ذكر الحق تعالى في القرآن قصص الأولين و الآخرين، و شرائع المتقدمين و منازلهم و مراتبهم و سابقتهم و مآلهم جعله ذكرا و سماه به.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 51 الى 58]
وَ لَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا بِهِ عالِمِينَ (51) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (52) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (53) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (54) قالُوا أَ جِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (55)
قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَ أَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَ تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58)
– إشارة- اجعل الأصنام جذاذا، و اعتصم باللّه عياذا، فلا تستند إلى غير اللّه تعالى، بل إلى اللّه وحده رب الأرباب، «إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ» ما ترك إبراهيم عليه السلام الكبير إلا ليقيم الحجة على خصومه.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 59 الى 60]
قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (60)
[الفتوة]
أطلق اللّه على ألسنة المشركين فتوة إبراهيم لأنه قام في اللّه حق القيام، و من فتوته عليه السلام أنه جاد بنفسه على النار إيثارا لتوحيد ربه، (راجع الفتوة في سورة الكهف آية 13) و من صفات الفتيان و الفتوة: الفتى ابن الوقت، مخافة المقت، لا يتقيد بالزمان، كما لا يحصره المكان، لا تصحب من إذا قلت له: باسم اللّه قال لك أين تذهب؟
ليس للفتى من الزمان، إلا الآن، لا يتقيد بما هو عدم، بل له الوجود الأدوم، زمان الحال، لا ينقال، لا فتى إلا عليّ، لأنه الوصي و الولي، الفتيان رؤساء المكانة و المكان، لهم الحجة و السلطان، و الدليل و البرهان، عليهم قام عماد الأمر، و هم على قدم حذيفة في علم السر، لهم التمييز و النقد، و هم أهل الحل و العقد، لا ناقض لما أبرموه، و لا مبرم لما نقضوه، و لا مطنب لما قوضوه، و لا مقوض لما طنبوه، إن أوجزوا أعجزوا، و إن أسهبوا أتعبوا، إليهم الاستناد و عليهم الاعتماد، الفتى هو صاحب الفتوح، ما عنده جموح، سهل الهوى و الانقياد، و مع هذا فهو مع من زاد بزاد و بغير زاد، الفتى من لا يزال للعلم طالبا، و من الجهل هاربا.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 61 الى 63]
قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (62) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (63)
[ «قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا»]
– الوجه الأول- «قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا» أحالهم على الكبير من الأصنام على نية طلب السلامة منهم، فإنه قال لهم: «فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ» يريد توبيخهم، و لهذا رجعوا إلى أنفسهم و هو قوله تعالى: «وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ» في كل حال، و إنما سمى ذلك كذبا لإضافة الفعل في عالم الألفاظ إلى كبيرهم، و الكبير هو اللّه على الحقيقة، و اللّه هو الفاعل المكسر للأصنام بيد إبراهيم، فإنه يده التي يبطش بها كذا أخبر عن نفسه، فكسر هذه الأصنام التي زعموا أنها آلهة-
الوجه الثاني- لما كان اللّه تعالى هو الكبير بما نصبه المشركون من الآلهة لهذا قال الخليل في معرض الحجة على قومه مع اعتقاده الصحيح أن اللّه هو الذي كسر الأصنام المتخذة آلهة، حتى جعلها جذاذا مع دعوى عابديها بقولهم: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى»، فاعترفوا أن ثم إلها كبيرا أكبر من هؤلاء، و نسبوا الكبر له تعالى على آلهتهم، فقال إبراهيم عليه السلام: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ» فجاء بلفظ الكبيرلأنهم قائلون بكبرياء الحق على آلهتهم التي اتخذوها، فهذا الذي قاله إبراهيم عليه السلام صحيح في عقد إبراهيم عليه السلام، و إنما أخطأ المشركون حيث لم يفهموا عن إبراهيم ما أراد بقوله: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ»، فكان قصد إبراهيم عليه السلام بكبيرهم اللّه تعالى و إقامة الحجة عليهم، و هو موجود في الاعتقادين، و كونهم آلهة ذلك على زعمهم، و الوقف عليه حسن تام، و ابتدأ إبراهيم بقوله: «هذا» إشارة ابتداء و خبره محذوف يدل عليه قوله:
«بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ»، أو «هذا قولي» فالخبر محذوف يدل عليه مساق القصة، «فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ» إقامة الحجة عليهم منهم، فهم يخبرونكم، و لو نطقت الأصنام في ذلك الوقت لاعترفوا بأنهم عبيد، و أن اللّه هو الكبير العلي العظيم، و لنسبت الفعل إلى اللّه لا إلى إبراهيم، فإنه مقرر أن الجماد و النبات و الحيوان قد فطرهم اللّه على معرفته و تسبيحه بحمده، فلا يرون فاعلا إلا اللّه، و من كان هذا فطرته كيف ينسب الفعل لغير اللّه، فكان إبراهيم على بينة من ربه في الأصنام أنهم لو نطقوا لأضافوا الفعل إلى اللّه، لأنه ما قال لهم سلوهم إلا في معرض الدلالة، سواء نطقوا أو سكتوا، فإن لم ينطقوا يقول لهم: «لم تعبدون ما لا يسمع و لا يبصر و لا يغني عنكم من اللّه شيئا» و لا عن نفسه، و لو نطقوا لقالوا إن اللّه قطعنا قطعا، لا يتمكن في الدلالة أن تقول الأصنام غير هذا، فإنها لو قالت الصنم الكبير فعل ذلك بنا لكذبت، و يكون تقريرا من اللّه بكفرهم وردا على إبراهيم عليه السلام، فإن الكبير ما قطعهم جذاذا، و لو قالوا في إبراهيم إنه قطعنا لصدقوا في الإضافة إلى إبراهيم و لا تلزم الدلالة بنطقهم على وحدانية اللّه ببقاء الكبير، فيبطل كون إبراهيم قصد الدلالة، فلم تقع و لم يصدق (و تلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه) فكانت له الدلالة في نطقهم لو نطقوا كما قررنا، و في عدم نطقهم لو لم ينطقوا، و مثل هذا ينبغي أن يكون قصد الأنبياء عليهم السلام، فهم العلماء صلوات اللّه عليهم، و لهذا قال تعالى:
[سورة الأنبياء (21): الآيات 64 الى 65]
فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (65)
فقال اللّه لمثل هؤلاء (أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ) فالذين عبدوا من ينطق و يدعي الألوهة أقرب حالا من عبادة من لا يسمع و لا يبصر و لا يغني عنهم شيئا، و هذا قول إبراهيم لأبيه، و هو الذي قال فيه تعالى: «وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ» و أبوه من قومه فقول الخليل عليه السلام «فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ» من الحجة التي أعطاه اللّه، و منها.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 66 الى 67]
قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَ لا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ (67)
هذه الآية تدل على أن إبراهيم عليه السلام نبه قومه على أن العلم باللّه من كونه إلها من مدركات العقول، فما أحالهم إلا على أمر يصح منه أن ينظر فيعلم بنظره ما هو الأمر عليه.
[سورة الأنبياء (21): آية 68]
قالُوا حَرِّقُوهُ وَ انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (68)
و من فتوة إبراهيم عليه السلام أن باع نفسه في حق أحدية خالقه لا في حق خالقه، لأن الشريك ما ينفي وجود الخالق، و إنما يتوجه على نفي الأحدية.
[سورة الأنبياء (21): آية 69]
قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (69)
[النار تحرق بحقيقتها لا بصورتها]
الأعيان لا تنقلب، و الحقائق لا تتبدل، فالنار تحرق بحقيقتها لا بصورتها، فالخطاب للصورة و هي الجمرات، و أجرام الجمرات محرقة بالنار، فلما قامت بها النار سميت نارا، فتقبل البرد كما قبلت الحرارة، فخاطبها الحق بقوله: «يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ» و هو أجره الذي آتاه اللّه في الدنيا، فنجاه اللّه من النار و جعلها عليه بردا و سلاما، و هي في الظاهر نار و لكن ما أثرت إحراقا في جسم إبراهيم و لا وجد ألما لها، فليس العجب من ورد في بستان، و إنما العجب من ورد في قعر النيران، إبراهيم الخليل عليه السلام في وسط النار يتنعم و يلتذ، و لو لم يكن عليه السلام إلا في حمايتها إياه من الوصول إليه، فالأعداء يرونها في أعينهم نارا تأجج، و هو يجدها بأمر اللّه إياها بردا و سلاما عليه، فأعداؤه ينظرون إليه و لا يقدرون على الهجوم عليه.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 70 الى 73]
وَ أَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَ نَجَّيْناهُ وَ لُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (71) وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ نافِلَةً وَ كُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (72) وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إِيتاءَ الزَّكاةِ وَ كانُوا لَنا عابِدِينَ (73)
فأثنى عليهم و لم يكونوا يؤدون سوى الفرائض.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 74 الى 78]
وَ لُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ نَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (74) وَ أَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) وَ نُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَ أَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَ نَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (77) وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (78)
[إذا لم تراقب خواطرك]
– إشارة- لا تغلب على مقلتك النوم، فتنفش في غنم القوم، أي إذا لم تراقب خواطرك فإنها تتصرف فيما لا ينبغي، و النفش الرعي ليلا، و هو محل الظلمة و الغيب.
[سورة الأنبياء (21): آية 79]
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَ كُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً وَ سَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَ الطَّيْرَ وَ كُنَّا فاعِلِينَ (79)
«فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ» مع نقيض الحكم «وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً» فكان علم داود علما مؤتى، آتاه اللّه، و علم سليمان علم اللّه في المسألة، فحكم اللّه في القصة حكم سليمان فهو مصيب بعين الحكم و مصيب في الاجتهاد، و داود مصيب من وجه واحد، و حكمه من عند اللّه آتاه إياه، فهو بمنزلة المجتهد المخطئ من أمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فإن العلماء ورثة الأنبياء بإطلاقه صلّى اللّه عليه و سلم، و قد قال في المجتهد إذا أخطأ فله أجر و إن أصاب فله أجران، و من رزق الفهم من المحدثات فقد رزق العلم، و ما كل من رزق علما كان صاحب فهم، فالفهم درجة عليا في المحدثات، و في الفهم عن اللّه يقع التفاضل بين العلماء باللّه، و الفهم قوة لا تتصرف إلا في المبهمات الممكنات و غوامض الأمور، و يحتاج صاحب الفهم لمعرفة المواطن، «وَ سَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَ الطَّيْرَ وَ كُنَّا فاعِلِينَ» داود منصوص على خلافته، و من أعطي الخلافة أعطي التحكم و التصرف في العالم، فترجيع الجبال معه بالتسبيح و الطير تؤذن بالموافقة، فموافقة الإنسان أولى.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 80 الى 83]
وَ عَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (80) وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَ كُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (81) وَ مِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَ يَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَ كُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (82) وَ أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)
[الشكوى إلى اللّه لا تقدح في الصبر]
الشكوى إلى اللّه لا تقدح في الصبر، أ لا ترى إلى أيوب عليه السلام سأل ربه رفع البلاء عنه بقول «أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ» أي أصاب مني، فشكا ذلك إلى ربه عزّ و جل، و قال له: «وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» ففي هذه الكلمة إثبات وضع الأسباب، و عرض فيها لربه برفع البلاء عنه، فإن من النزاع الصبر على البلاء إذا لم يرفع إزالته إلى اللّه، و الدعاء لا يقتضي المنازعة، فإنه ذلة و افتقار، و النزاع رئاسة و سلطنة، فلم يقدح دعاء أيوب عليه السلام في صبره، و قد أثنى اللّه عليه بالصبر، فقال مع ثبوت شكواه «إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ» فذكره بكثرة الرجوع إليه في كل أمر ينزل به، فمن حبس نفسه عند الضر النازل به عن الشكوى إلى اللّه في رفع ما نزل به و صبر مثل هذا الصبر فقد قاوم القهر الإلهي، و الشكوى إلى اللّه أعلى منه و أتم، و لهذا قلنا إن الدعاء لا يقدح و لا يقتضي المنازعة، بل هو أعلى و أثبت في العبودة من تركه، و أما الرضا و التسليم فهما نزاع خفي لا يشعر به إلا أهل اللّه، لذلك رفع أيوب عليه السلام شكواه إلى اللّه لا إلى غيره، بل يجب عليه ذلك، لما في الصبر إن لم يشك إلى اللّه من مقاومة القهر الإلهي، و هو سوء أدب مع اللّه، و الأنبياء عليهم السلام أهل أدب، و هم على علم من اللّه، فاستجاب له ربه و قال:
[سورة الأنبياء (21): آية 84]
فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَ آتَيْناهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ ذِكْرى لِلْعابِدِينَ (84)
فأثبت بقوله تعالى: «فَاسْتَجَبْنا لَهُ» أن دعاه كان في رفع البلاء، فكشف ما به من ضر و شهد له بالصبر، فلو كان الدعاء إلى اللّه في رفع الضر و رفع البلاء يناقض الصبر المشروع المطلوب لم يثن اللّه على أيوب عليه السلام بالصبر، و قد أثنى عليه به، بل من سوء الأدب مع اللّه أن لا يسأل العبد رفع البلاء عنه، لأن فيه رائحة من مقاومة القهر الإلهي بما يجده من الصبر و قوته، و من الأدب الإلهي الذي علمه اللّه أنبياءه و رسله، إن كنت صاحب غرض و تحس بمرض و ألم فاحبس نفسك عن الشكوى لغير من آلمك بحكمه عليك، فإنه ما آلمك و حكم عليك بخلاف غرضك- و غرضك من جعل حكمه فيك- إلا لتسأله في رفع ذلك عنك، بما جعل فيك من الغرض الذي بسببه تألمت، كما فعل بأيوب عليه السلام، فمن لم يشك إلى اللّه مع الإحساس بالبلاء و عدم موافقة الغرض فقد قاوم القهر الإلهي، فالأدب كل الأدب في الشكوى إلى اللّه في رفعه لا إلى غيره، و يبقى عليه اسم الصبر كما قال تعالى في أيوب عليه السلام: «إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً» في وقت الاضطراب و الركون إلى الأسباب، فلم يضطرب و لا ركن إلى شيء غير اللّه إلا إلينا لا إلى سبب من الأسباب، فإنه لا بد طبعا عند الإحساس من الاضطراب و تغير المزاج.- إشارة- لذلك قال بعضهم: الصبر مقاومة، و هو سوء أدب في حق الكامل.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 85 الى 87]
وَ إِسْماعِيلَ وَ إِدْرِيسَ وَ ذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85)وَ أَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86) وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)
«وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً» كان غضب يونس عليه السلام للّه و من أجله، فلما ذهب مغاضبا «فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ» أي ظن أن اللّه لا يضيق عليه من سعة رحمة اللّه فيه، و ما نظر ذلك الاتساع الإلهي الرحماني في حق غيره، فتناله أمته و اقتصر به على نفسه، و كذلك فعل الحق، ففرج اللّه عنه بعد الضيق ليعلم قدر ما أنعم اللّه به عليه، بعد أن أسكن بطن الحوت ما شاء اللّه لينبهه اللّه على حالته، حين كان في بطن أمه من كان يدبره فيه، و هل كان في ذلك الموطن يتصور منه أن يغاضب أو يغاضب، بل كان في كنف اللّه لا يعرف سوى ربه، فرده إلى هذه الحالة في بطن الحوت تعليما له بالفعل لا بالقول، «فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ» عذرا عن أمته، أي تفعل ما تريد و تبسط رحمتك على ما تشاء «سُبْحانَكَ» حيث كنت «إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ» ما أنت ظلمتني، و هذا هو التوحيد
[توحيد الغم]
العشرون في القرآن و هو توحيد الغم، و هو توحيد المخاطب «أنت» و هو توحيد التنفيس.
[سورة الأنبياء (21): آية 88]
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَ نَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَ كَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)
ظن يونس عليه السلام باللّه خيرا فاستجاب له فنجاه من الغم و قذفه الحوت من بطنه على ساحل اليم مولودا على الفطرة، و أنبت عليه اليقطين لنعمته و لنفور الذباب عن حوزته، و نفس اللّه عن يونس بالخروج من بطن الحوت، و أرضاه في أمته، إذ كان غضبه للّه و من أجله، و ظنه بربه أنه لا يضيق عليه، و كذلك فعل، فانظر في هذه العناية الإلهية بهذا النبي و ما جاء به من الاعتراف في توحيده، «وَ كَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ» يعني الصادقين في أحوالهم.
[سورة الأنبياء (21): آية 89]
وَ زَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (89)
من حيث أنه سبحانه وارث فإنه تعالى قال إنه يرث الأرض و من عليها، و هكذا الإشارة في كل خير منسوب مضاف مثل خير الصابرين و الشاكرين، و مثل هذا مما ورد عن اللّه في أي شرع.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 90 الى 91]
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَ وَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَ أَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ يَدْعُونَنا رَغَباً وَ رَهَباً وَ كانُوا لَنا خاشِعِينَ (90) وَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَ جَعَلْناها وَ ابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (91)
[روح عيسى]
روح عيسى منفوخ بالجمع و الكثرة ففيه قوى جميع الأسماء و الأرواح، فإنه قال فنفخنا بنون الجمع، فإن جبريل عليه السلام وهبه لها بشرا سويا، فتجلى في صورة إنسان كامل فنفخ و هو نفخ الحق، كما قال على لسان عبده سمع اللّه لمن حمده.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 92 الى 96]
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) وَ تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (93) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَ إِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (94) وَ حَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (95) حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَ مَأْجُوجُ وَ هُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96)
[يأجوج و مأجوج]
جاء في حديث أبي عيسى الترمذي عن الدجال أن عيسى عليه السلام يقتله بباب لد، ثم قال و يلبث كذلك ما شاء اللّه، ثم يوحي اللّه إليه أن أحرز عبادي إلى الطور، فإني قد أنزلت عبادا لي لا يد لأحد بقتالهم، قال و يبعث اللّه يأجوج و مأجوج و هم كما قال اللّه تعالى:
«مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ» قال فيمر أولهم ببحيرة طبرية فيشربون ما بها، ثم يمر بها آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء، ثم يسيرون إلى أن ينتهوا إلى جبل بيت المقدس، فيقولون لقد قتلنا من في الأرض فهلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد اللّه عليهم نشابهم محمرا دما، و يحاصر عيسى ابن مريم و أصحابه حتى يكون رأس الثور يومئذ خيرا لهم من مائة دينار لأحدكم اليوم، قال فيرغب عيسى ابن مريم إلى اللّه و أصحابه، قال فيرسل اللّه عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى موتى كموت نفس واحدة، قال و يهبط عيسى ابن مريم و أصحابه فلا يجد موضع شبر إلا و قد ملأته زهمتهم و نتنهم و دماؤهم، قال فيرغب عيسى إلى اللّه و أصحابه، قال فيرسل اللّه عليهم طيرا كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم بالمهبل، و يستوقد المسلمون من قسيهم و نشابهم و جعابهم سبع سنين، و يرسل اللّه عليهم مطرا لا يكن منه بيت و لا وبر و لا مدر، قال فيغسل الأرض و يتركها كالزلقة- إلى آخر الحديث- قال أبو عيسى هذا حديث غريب حسن صحيح.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 97 الى 98]
وَ اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (97) إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (98)
«إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» أي الذي انفرد بهذا الاسم «حَصَبُ جَهَنَّمَ» و هو قوله: «وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ»* و هو كل من دعاكم إلى عبادة نفسه، أو عبدتموه و كان في وسعه أن ينهاكم عن ذلك فما نهاكم، فمثل هؤلاء يكونون من حصب جهنم، و قد قرئ حطب جهنم، إذا كان يوم القيامة، و أدخل المشركون دار الشقاء، و هي جهنم، أدخل معهم جميع من عبدوه إلا من هو من أهل الجنة و عمارها فإنهم لا يدخلون معهم فدخولها معهم زيادة في عذابهم.
[سورة الأنبياء (21): آية 99]
لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَ كُلٌّ فِيها خالِدُونَ (99)
فيخلد المشرك في النار مع شريكه إن كان حجرا أو نباتا أو حيوانا أو كوكبا، إلا الإنسان الذي لم يرض بما نسب إليه و نهى عنه و كرهه ظاهرا و باطنا، فإنه لا يكون معه في النار، و إن كان هذا من قوله و عن أمره و مات غير موحد و لا تائب كان معه في النار، إلا أن الذي لا يرضى بذلك ينصب للمشرك مثال صورته يدخل معه ليعذب بها، و لا عذاب على كوكب و لا حجر و لا شجر و لا حيوان، و إنما يدخلون معهم زيادة في عذابهم حتى يروا أنهم لن يغنوا عنهم من اللّه شيئا، فيقولون: (لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَ كُلٌّ فِيها خالِدُونَ).
[سورة الأنبياء (21): آية 100]
لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ هُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (100)
[من سبقت لهم الحسنى]
و أما من سبقت لهم الحسنى، و هم الذين لم يأمروا و لم يرضوا، فهم عنها مبعدون كعيسى و عزير و أمثالهما و علي بن أبي طالب و كل من ادعي فيه أنه إله و قد سعد.
[سورة الأنبياء (21): آية 101]
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (101)
فيدخل اللّه مع المشركين في جهنم مثلهم الذين كانوا يصورونها في الكنائس و غيرها، نكاية لهم لأن كل عابد من المشركين قد مسك مثال صورة معبوده المتخيلة في نفسه، فتجسد إليه تلك الصورة المتخيلة و يدخلها النار معه، فإنه ما عبد إلا تلك الصورة التي مسكها في نفسه، و تجسد المعاني المتخيلة غير منكور شرعا و عقلا، فالمشركون يدخلون النار للعقاب و الانتقام، و هؤلاء المعبودون يدخلونها لا للانتقام فإنهم ما ادعوا ذلك و لا المثل، و إنّما أدخلوها نكاية في حق العابدين لها فيعذبهم اللّه بشهودهم إياها، حتى يعلموا أنهم لا يغنون عنهم من اللّه شيئا، لكونهم ليسوا بآلهة كما ادعوا فيهم، و الذين سبقت لهم الحسنى.
[سورة الأنبياء (21): آية 102]
لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَ هُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (102)
«لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها» يعني النار، لما يؤثر السماع في صاحبه من الخوف (وَ هُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ) فإن الآخرة دائمة التكوين عن العالم، فإنهم يقولون في الجنان للشيء يريدونه كن فيكون، فلا يتوهمون أمرا و لا يخطر لهم خاطر في تكوين أمر ما إلا و يتكون بين أيديهم حسا بمجرد حصول الخاطر و الهم و الإرادة و التمني و الشهوة، فشهواتهم كالإرادة من الحق، إذا تعلقت بالمراد تكوّن.
[سورة الأنبياء (21): آية 103]
لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَ تَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103)
[من لا يحزنهم الفزع الأكبر]
اعلم أن للّه عبادا أخفياء لا يعرفهم سواه، قال فيهم صلّى اللّه عليه و سلم إنهم يوم القيامة يكونون على منابر من نور ليسوا بأنبياء و لا شهداء، تغبطهم الأنبياء و الشهداء، يعني بالشهداء هنا الرسل، فإنهم شهداء على أممهم، و كان الاغتباط من كونهم لم يكونوا رسلا فارتاحوا، و إن كانت الرسل أرفع مقاما منهم، فإنهم لا يدخلهم خوف البتة، فغبط الأنبياء و الشهداء إياهم فيما هم فيه من الراحة و عدم الحزن و الخوف في ذلك الموطن، و الأنبياء و الرسل و علماء هذه الأمة الصالحون الوراثون درجات الأنبياء خائفون و جلون على أممهم، و أولئك لم يكن لهم أمم و لا أتباع، و هم آمنون على أنفسهم مثل الأنبياء على أنفسهم آمنون لا يحزنهم الفزع الأكبر من أجل نفوسهم، فهذه الفئة هم أولياء اللّه الذين لا يخافون، لأنهم ما لهم أمم و لا أتباع يخافون عليهم، فارتفع الخوف عنهم في ذلك اليوم في حق نفوسهم و في حق غيرهم، كما قال تعالى: (لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ) فقد كانوا مجهولين عند الناس فلم يكونوا في الدنيا يعرفون، و لا في الآخرة يطلب منهم الشفاعة، فهم أصحاب راحة عامة في ذلك اليوم، و الوجه الآخر الذي ذكرناه أنهم لم يكونوا لهم أتباع، فإذا كان في القيامة جاءت الأنبياء و العلماء خائفة يحزنهم الفزع الأكبر في غاية من شدة الخوف على أممهم لا على أنفسهم، و الأمم و المؤمنون و العامة و العصاة خائفون على أنفسهم لما ارتكبوه من المخالفات، و هؤلاء ما لهم أتباع يخافون عليهم، و لا ارتكبوا مخالفة توجب لهم الخوف، فجاءت هذه الطائفة مستريحة غير خائفة لا على نفوسهم، و لا يحزنهم الفزع الأكبر على أممهم، إذ لم يكن لهم أمم، ففي مثل هذا يغبطهم النبيون و الشهداء في ذلك الموقف خاصة (وَ تَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) أن يرتفع الحزن و الخوف فيه عنكم في حق أنفسكم و حق الأمم، إذ لم تكن لكم أمة و لا تعرفتم لأمة مع انتفاع الأمة بكم، ففي هذا الحال تغبطهم الأنبياء المتبوعون، فإذا أدخلوا الجنة و أخذوا منازلهم تبينت المراتب و تعينت المنازل، و ظهر عليون لأولي الألباب.
[سورة الأنبياء (21): آية 104]
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (104)
[فى الاعادة]
قال صلّى اللّه عليه و سلم في حديث جابر المشهور أول ما خلق اللّه نور نبيك يا جابر. و قال صلّى اللّه عليه و سلم أنا أول من تنشق عنه الأرض- بحث في الإعادة- قال تعالى: (كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) و قال: (كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) الإعادة تكرار الأمثال في الوجود، لأن تكرار العين ليس بواقع للاتساع الإلهي، و لكن الإنسان في لبس من خلق جديد، فهي أمثال يعسر الفصل فيها لقوة الشبه، فالإعادة إنما هي في الحكم، مثل السلطان يولي واليا ثم يعزله ثم يوليه بعد عزله، فالإعادة في الولاية، و الولاية نسبة لا عين وجودي، أ لا ترى الإعادة يوم القيامة إنما هي في التدبير، فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قد ميز بين نشأة الدنيا و نشأة الآخرة، و الروح المدبر لنشأة الدنيا عاد إلى تدبير النشأة الآخرة، فهي إعادة حكم و نسبة لا إعادة عين فقدت ثم وجدت، و أين مزاج من يبول و يغوط و يتمخط من مزاج من لا يبول و لا يغوط و لا يتمخط؟ و الأعيان التي هي الجواهر ما فقدت من الوجود حتى تعاد إليه، بل لم تزل موجودة العين، و لا إعادة في الوجود لموجود فإنه موجود، و إنما هي هيآت و امتزاجات نسبية.
[سورة الأنبياء (21): آية 105]
وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (105)
– إشارة- الأرض هي أرض العبادة التي يرثها الصالحون في الطاعة، فإن الصالح لا يرث من الأرض إلا إتيانها للّه طائعة مع السماء، حين قال لها و للأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين، فورث العباد منها الطاعة للّه و هي المعبر عنها بالقنوت.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 106 الى 107]
إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (106) وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (107)
[رحمة للعالمين]
ما كان السبب في إنزال هذه الآية إلا أنّه لمّا اشتد قيام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في اللّه و غيرته على الحق، و كان في مقام الغيرة على جناب اللّه تعالى و ما يستحقه، أخذ يقنت في صلاته شهرا كاملا و هو القنوت، يدعو على طائفة من عباد اللّه بالهلاك و العذاب و الانتقام في قصة رعل و ذكوان و عصية عصت اللّه و رسوله، فكان يقول اللهم عليك بفلان و فلان، و ذكر ما كان منهم فأنزل اللّه عليه وحيه بواسطة الروح الأمين، يا محمد إن اللّه يقول لك ما أرسلك سبابا و لا لعانا، أي طرادا، أي لا تطرد عن رحمتي من بعثتك إليه، و إنما بعثك رحمة، أي لترحم مثل هؤلاء، كأنه يقول له: بدل دعائك عليهم كنت تدعوني لهم. و أوحى اللّه تعالى إليه في ذلك لما علم من إجابته إياه إذا دعاه في أمر، فنهاه عن الدعاء عليهم و سبهم و ما يكرهون إبقاء لهم و رحمة بهم، كما قال صلّى اللّه عليه و سلم حين جرحوه اللهم اهد قومي إنهم لا يعلمون ثم تلا عليه جبريل عليه السلام كلام ربه (وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) فعتب الحق رسوله صلّى اللّه عليه و سلم في حق المشرك الذي أخبر أنه لا يغفر له بهذه الآية، و ما خص مؤمنا من غيره، فلم يقل تعالى «للمؤمنين خاصة» فلم يخص الحق مؤمنا من كافر بل قال «وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» أي لترحمهم،
لأنك صاحب القرآن الذي ينطق بأن رحمتي وسعت كل شيء، فعم العالم و لم يخص عالما من عالم، فدخل المطيع و العاصي و المؤمن و الكافر و الموحد و المشرك في هذا الخطاب و كل مسمى العالم، أي لترحمهم و تدعوني لهم لا عليهم، فإنك إذا دعوتني لهم ربما وفقتهم لطاعتي، فترى سرور عينك و قرتها في طاعة، و إذا لعنتهم و دعوت عليهم و أجبت دعاءك فيهم لم يتمكن أن آخذهم إلا بأن يزيدوا طغيانا و إثما مبينا، و ذلك كله إنما يكون بدعائك عليهم، فكأنك أمرتهم بالزيادة في الطغيان الذي نؤاخذهم به، فتنبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لما أدبه به ربه، فقال صلّى اللّه عليه و سلم إن اللّه أدبني فأحسن أدبي، و قد صح عنه صلّى اللّه عليه و سلم أنه كان يقول: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) و نهي عن الدعاء عليهم، قام ليلة إلى الصباح لا يتلو فيها إلا قوله تعالى: «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) و هو قول عيسى عليه السلام، فإنه صلّى اللّه عليه و سلم مرسل إلى جميع الناس كافة ليرحمهم بأنواع وجوه الرحمة، و من وجوه الرحمة أن يدعو لهم بالتوفيق و الهداية،
فلا أحد ممن بعث إليه يبقى شقيا و لو بقي في النار فإنها ترجع عليه بردا و سلاما، فإنه من حين بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم انطلق على جميع من في الأرض من الناس أمة محمد صلّى اللّه عليه و سلم، فعمت العالم رحمته صلّى اللّه عليه و سلم التي أرسل بها، فإن اللّه أخبر أنه أرسله ليرحم العالم، و ما خص عالما من عالم، فأعلمنا اللّه أنه أرسله صلّى اللّه عليه و سلم بالرحمة و جعله رحمة للعالمين، فمن لم تنله رحمته فما ذلك من جهته، و إنما ذلك من جهة القابل، فهو كالنور الشمسي أفاض شعاعه على الأرض، فمن استتر منه في كن أو ظل جدار فهو الذي لم يقبل انتشار النور عليه، و عدل عنه، فلم يرجع إلى الشمس من ذلك منع، و كانت هذه الآية في الدنيا عنوان حكم الآخرة، لأنه إذا كان من
أشرك به يعتب رسوله صلّى اللّه عليه و سلم في الدعاء عليهم، فكيف يكون فعله فيهم إذا تولى سبحانه الحكم فيهم بنفسه، و قد علمنا أنه تعالى ما ندبنا إلى خلق كريم إلا كان هو أولى به، ففي هذه الآية تنبيه على رحمة اللّه بعباده، لأنهم على كل حال عباده، معترفون به معتقدون لكبريائه، طالبون القربة إليه، لكنهم جهلوا طريق القربة و لم يوفوا النظر حقه.- وجه آخر- (وَ ما أَرْسَلْناكَ) و ما أرسل إلا بالعلم (إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) فجعل إرساله رحمة، فهو علم يعطي السعادة في لين، قال تعالى: (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ).
[سورة الأنبياء (21): آية 108]
قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)
اعلم أن الحق لما انتقم و عذب بصفة الغضب، و عفا و تجاوز بصفة الكرم، و عصم بصفة الرحمة، و ظهر الاستناد من الموجودات إلى الكثرة في العين الواحدة، فاستند هذا إلى غير ما استند هذا، زال ابتهاج التوحيد و الأحدية بالأسماء الحسنى و بما نسب إليه من الوجوه المتعددة الأحكام، فلم يبق للاسم الواحد ابتهاج، فرجع إلى أحدية الألوهية، و هي أحدية الكثرة لما تطلبه من الأسماء لبقاء مسمى الأحدية، فقال: (قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) و لم يتعرض إلى ذكر النسب في الأسماء و الوجوه، فإن طلب الوحدة ينافي طلب الكثرة- راجع البقرة آية 164-.
[سورة الأنبياء (21): الآيات 109 الى 112]
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَ إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (109) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَ يَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (110) وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ (111) قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَ رَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (112)
[ «قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ»]
«قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ» أي الحق الذي شرعت لنا ليثبت صدقي عند من أرسلتني إليهم فيما أرسلتني به، فجاء بلفظ يدل على أنه وقع فقال تعالى مخبرا «قالَ» و هو عند العامة ما وقع، فإنه يوم القيامة، و ما أخبر اللّه إلا بالواقع، فلا بد أن يكون ثم حضرة إلهية فيها وقوع الأشياء دائما، لا يتقيد بالماضي فيقال قد وقعت، و لا بالمستقبل فيقال تقع، و لكن متعلقها الحال الدائم، و الحال له الوجود، و من هذه الحضرة الإلهية عنها تقع الإخبارات بالماضي و المستقبل، و الألف و اللام في الحق للحق المعهود الذي بعث به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، أي بما شرعت لي و أرسلتني به، فإن اللّه لا يعاملنا إلا بما شرع لنا لا بغير ذلك، أ لا تراه قد أمر نبيه صلّى اللّه عليه و سلم أن يسأله يوم القيامة أن يحكم بالحق الذي بعثه به بين عباده و بيده، فقال تعالى آمرا «قل» يا محمد، و هي قراءة «رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ» أي فليكن حكمك في الأمم يوم القيامة بما شرعت لهم و بعثتنا به إليهم.
فإن ذلك مما يراد، فإنك ما أرسلتنا إلا بما تريد حتى يثبت صدقنا عندهم، و تقوم الحجة عليهم إذا حكم الحق في كل أمة بما أرسل به نبيه إليهم، و بهذا تكون للّه الحجة البالغة، فما حكم إلا بما شرع و أمر عبده أن يسأله تعالى في ذلك حتى يكون حكمه فيه عن سؤال عبده، كما كان حكم العبد بما قيده من الشرع عن أمر ربه، و أكثر من هذا التنزل الإلهي إلى العباد ما يكون، و هل يحكم اللّه إلا بالحق، فجعل الحق نفسه في هذه الآية مأمورا لنبيه عليه السلام، فإن لفظة احكم أمر، و أمره سبحانه أن يقول له ذلك،
فإن اللّه ما يعامل العبد بأمر إلا قد عامل به نفسه، فأوجب على نفسه كما أوجب عليك، و دخل لك تحت العهد كما أدخلك تحت العهد، فما أمرك بشيء إلّا و قد جعل على نفسه مثل ذلك، هذا لتكون له الحجة البالغة، و وفى بكل ما أوجبه على نفسه، و طلب منك الوفاء بما أوجبه عليك، أ ليس هذا من لطفه؟ أ ليس هذا من كرمه؟ أ لا تراه تعالى لما قال لنبيه داود «فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى قال تعالى جبرا لقلب خلفائه «قل» يا محمد «رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ» فيحكم بنفسه تعالى بالحق الذي بعث به رسله ليصدقهم عند عبيده فعلا بحكمه، كما صدقهم في حال احتجابه بما أيدهم به من الآيات، و لما كان الأصل في الحكم المشروع غلبة الظنّ،
فإن الحاكم لا يحكم إلا بشهادة الشاهد، و هو ليس قاطعا فيما شهد به من ذلك، فما اختلف العلماء في حكم الحاكم بين الخصمين بغلبة الظن، و اختلفوا في حكمه بعلمه، فكانت غلبة الظن في هذا النوع أصلا متفقا عليه و يرجع إليه، و كان العلم في ذلك مختلفا فيه، و الحق تعالى و إن لم يكن عنده إلا العلم فإنه يحكم بالشهود، و لذلك جاء «قل رب احكم بالحق» أي بما شرعت لي و أرسلتني به، فمع علمه تعالى يقيم على خلقه يوم القيامة الشهود، فلا يعاقبهم إلا بعد إقامة البينة عليهم مع علمه، و بهذا قال من قال: إنه ليس للحاكم أن يحكم بعلمه،
أما في العالم فللتهمة بما له من الغرض، و أما في جانب الحق فلإقامة الحجة على المحكوم عليه، حتى لا يأخذه في الآخرة إلا بما شرع له من الحكم في الدنيا على لسان رسوله صلّى اللّه عليه و سلم، و لهذا يقول الرسول لربه عن أمر ربه «رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ» يعني بالحق الذي بعثتني به و شرعت لي أن أحكم به فيهم «وَ رَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ» لو لا ما هو الرحمن ما اجترأ العبد أن يقول رب احكم بالحق، فإنه تعالى ما يحكم إلا بالحق- الوجه الثاني- جعل اللّه في الوجود كتابين، كتابا سماه أمّا، فيه ما كان قبل إيجاده و ما يكون، كتبه بحكم الاسم المقيت، فهو كتاب ذو قدر معلوم فيه بعض أعيان الممكنات و ما يتكون عنها، و كتابا آخر ليس فيه سوى ما يتكون عن المكلفين خاصة، فلا تزال الكتابة فيه ما دام التكليف، و به تقوم الحجة للّه على المكلفين، و به يطالبهم لا بالأم، و هذا هو الإمام الحق المبين الذي يحكم به الحق تعالى الذي أخبرنا اللّه في كتابه أنه أمر نبيه أن يقول لربه «احْكُمْ بِالْحَقِّ»، يريد هذا الكتاب، و هو كتاب الإحصاء فلا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا أحصاها، و كل صغير و كبير مستطر، و هو منصوص عليه في الأم.
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج3، ص: 153