تفسیر ابن عربی سوره البقره

تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سوره البقره آیه 183-209

[سورة البقرة (2): آية 183]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)

الصوم هو الإمساك و الرفعة يقال صام النهار إذا ارتفع، و لما ارتفع الصوم عن سائر العبادات كلها في الدرجة سمي صوما، و رفعه سبحانه بنفي المثلية عنه في العبادات و سلبه عن عباده مع تعبدهم به و أضافه إليه سبحانه، أخرجه النسائي عن أبي أمامة قال: أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فقلت: مرني بأمر آخذه عنك، قال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له، و ورد في الخبر أن اللّه تعالى يقول: الصوم لي و أنا أجزي به، و خرج مسلم في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي و أنا أجزي به، و الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث يومئذ و لا يسخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم إني صائم، و الذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند اللّه يوم القيامة من ريح المسك، و للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح بفطره، و إذا لقي ربه عزّ و جل فرح بصومه‏] و اعلم أن الصوم المشروع منه واجب و منه مندوب إليه، و الواجب على ثلاثة أنواع: منه ما يجب بإيجاب اللّه تعالى ابتداء و هو صوم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، أي في صيامه أو عدة من أيام أخر، في حق المسافر أفطر أو لم يفطر عندنا، و في حق المريض، و منه ما يجب لسبب موجب، و هو صيام الكفارات، و منه ما يجب من اللّه بما أوجبه الإنسان على نفسه و هو غير مكروه، و هو صوم النذر، فإنه يستخرج به من البخيل، و ما ثم واجب غير ما ذكرنا، و الصوم عمل مستور عن كل ما سوى اللّه، لا يعلمه من الإنسان إلا اللّه تعالى، لأنه ترك و ليس بعمل وجودي فيظهر للبصر أو يعمل بالجوارح، فهو عمل مستور عن كل ما سوى اللّه، لا يعلمه من الصائم إلا اللّه تعالى، و الصائم هو الذي سماه الشرع صائما لا الجائع- إشارة و اعتبار- لو علم الإنسان من أي مقام ناداه الحق تعالى بالصيام في قوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» و أنه المخاطب‏

______________________________
بالكل (184) «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ» الآية، يقول: فرض عليكم الصيام، و هو الإمساك عن كل ما أمر الشرع أن يمسك عنه الصائم، من طلوع الفجر المستطير إلى غروب‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 257

في نفسه وحده بهذه الجمعية، فإنه قال: [يصبح على كل سلامى منكم صدقة] فجعل التكليف عاما في الإنسان الواحد، و إذا كان هذا في عروقه فأين أنت من جوارحه، من سمعه و بصره و لسانه و يده و بطنه و رجله و فرجه و قلبه، الذين هم رؤساء ظاهره، و اعلم أن اللّه ناداك من كونك مؤمنا من مقام الحكمة الجامعة، لتقف بتفاصيل ما يخاطبك به على العلم بما أراده منك في هذه العبادة، فقال: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ» أي الإمساك عن كل ما حرم عليكم فعله أو تركه‏ «كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» يعني الصوم من حيث ما هو صوم، فإن كان أيضا يعني به صوم رمضان بعينه كما ذهب إليه بعضهم، غير أن الذين قبلنا من أهل الكتاب زادوا فيه إلى أن بلغوا خمسين يوما و هو مما غيروه، و قوله: «كَما كُتِبَ» أي فرض‏ «عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» و هم الذين هم لكم سلف في هذا الحكم و أنتم لهم خلف‏ «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» أي تتخذوا الصوم وقاية، فإن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أخبرنا أن الصوم جنة، و الجنة الوقاية، و لا يتخذونه وقاية إلا إذا جعلوه عبادة، فيكون الصوم للحق من وجه ما فيه من التنزيه، و يكون من وجه ما هو عبادة في حق العبد جنة و وقاية من دعوى فيما هو للّه لا له، فإن الصوم لا مثل له، فهو لمن لا مثل له، فالصوم للّه ليس لك، قال تعالى: في الخبر المروي [الصوم لي‏] ثم قال:

[سورة البقرة (2): آية 184]

أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)

«أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ» العامل في الأيام كتب الأول بلا شك، فإنه ما عندنا علم بما كتب‏

______________________________
الشمس، بنية القربة إلى اللّه تعالى عبادة «كَما كُتِبَ» أي مثل ما فرض‏ «عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» من الأمم الخالية «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» اللّه فيما أمرتم به من الإمساك عنه من أكل و شرب و نكاح و غيبة زمان الإمساك، ثم قال: (185) «أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ» فقللها لأن بنية أفعال لجمع القلة، و كذلك أفعل و أفعلة و فعلة، و نصبه بكتب الأول على المفعولية، و كذلك أيام شهر رمضان‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 258

على من قبلنا، هل كتب عليهم يوم واحد و هو عاشوراء، أو كتب عليهم أيام، و الذي كتب علينا إنما هو شهر، و الشهر إما تسعة و عشرون يوما و إما ثلاثون يوما، بحسب ما نرى الهلال، و الأيام من ثلاثة إلى عشرة لا غير، فطابق لفظ القرآن ما أعلمنا به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في عدد أيام الشهر، فقال: [الشهر هكذا و أشار بيده عشرة أيام، ثم قال: هكذا يعني عشرة أيام، و هكذا، و عقد إبهامه في الثالثة، يعني تسعة أيام، و في المرة الأخرى لم يعقد الإبهام، فأراد أيضا عشرة أيام‏] و ذلك لما قال تعالى: «أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ» عدد الشارع أيام الشهر بالعشرات حتى يصح ذكر الأيام موافقا لكلام اللّه، فإنه لو قال ثلاثون يوما لكان كما قال في الإيلاء لعائشة، قد يكون الشهر تسعة و عشرين يوما، و لم يقل هكذا و هكذا كما قال في عدد شهر رمضان، فعلمنا أنه أراد موافقة الحق تعالى فيما ذكر في كتابه، ثم قال: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» فأتى بذكر الأيام أيضا و أشار إلى المخاطبين بقوله: «مِنْكُمْ» و هم الذين آمنوا، و الذي أذهب إليه أن المريض و المسافر إن صاما شهر رمضان فإن ذلك لا يجزيهما، و أن الواجب عليهما عدة من أيام أخر، غير أني أفرق بين المريض و المسافر إذا أوقعا الصوم في هذه الحالة في شهر رمضان، فأما المريض فيكون الصوم له نفلا، و هو عمل بر و ليس بواجب عليه، و لو أوجبه على نفسه فإنه لا يجب عليه، و أما المسافر لا يكون صومه في السفر في شهر رمضان و لا في غيره من عمل بر، و إذا لم يكن من عمل بر كان كمن لم يعمل شيئا، و هو أدنى درجاته، أو يكون على ضد البر و نقيضه و هو الفجور، و لا أقول بذلك، إلا أني أنفي عنه أن يكون في عمل بر في ذلك الفعل في تلك الحال، و على المسافر أن يفطر في كل ما ينطلق عليه اسم السفر، و كذلك المريض عليه أن يفطر في أقل ما ينطلق عليه اسم مرض، و الواجب عدة من أيام أخر في غير رمضان، فهو واجب موسع الوقت من ثاني يوم شوال إلى آخر عمره، و إذا كنا مسافرين فأفطرنا فنقضي أيام رمضان أو نؤديه في أيام غير معينة، فإن اللّه تعالى نكّر

______________________________
بالنسبة إلى أيام السنة قليلة، ثم قال: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» يأتي تفسيره في الآية التي تلي هذه، و الذي يتعلق من ذلك بهذه الآية، أنه من رجح الصوم على الإطعام لما كان مخيرا بينهما مع الطاقة، كان حكمه إذا مرض أو سافر عدة من أيام أخر، إذ قد انقضى زمان شهر رمضان بنية الصوم لو لا المرض أو السفر، فلا يجوز له‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 259

الأيام في قوله‏ «فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» فالذي يجب على المكلف في سفره عدة من أيام أخر، له الاختيار في تعيينها، و إذا قضيت أيام رمضان من مرض أو سفر فاقضه متتابعا كما أفطرته متتابعا، تخرج بذلك من الخلاف‏ «وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ» الآية عندي مخصصة غير منسوخة في حق الحامل و المرضع و الشيخ و العجوز، فالحامل و المرضع يطعمان و لا قضاء عليهما، و الشيخ و العجوز إذا لم يقدرا على الصوم يفطران و لا يطعمان، فإن الإطعام شرع مع الطاقة على الصوم، و أما من لا يطيقه فقد سقط عنه التكليف في ذلك، و ليس في الشرع إطعام من هذه صفته من عدم القدرة عليه، فإن اللّه ما كلف نفسا إلا وسعها و ما كلفها الإطعام، فلو كلفها مع عدم القدرة لم نعدل عنه و قلنا به، و الإطعام مد عن كل يوم‏ «وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ» فقد قال فيه إن الصوم لا مثل له، فهو عبادة لا مثل لها في الخيرية «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» قد تكون إن هنا بمعنى ما يقول. ما كنتم تعلمون أن الصوم خير من الإطعام لو لا ما أعلمتكم، و يكون معناها أيضا «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» الأفضل فيما خيرتكم فيه، فقد أعلمتكم مرتبة الصوم و مرتبة الإطعام-

[التخيير اختبار و ابتلاء]

تحقيق- اعلم أن الحق إذا خير العبد فقد حيره، فإن حقيقته العبودية فلا يتصرف إلا بحكم الاضطرار و الجبر، و التخيير نعت السيد ما هو نعت العبد، و قد أقام السيد عبده في التخيير اختبارا و ابتلاء، ليرى هل يقف مع عبوديته أو يختار فيجري في الأشياء مجرى سيده، و هو في المعنى مجبور في اختياره مع كون ذلك عن أمر سيده، فكان لا يزول عن عبوديته و لا يتشبه بربه فيما أوجب اللّه عليه التخيير، و لما نبه تعالى عباده على أن الصوم خير لهم إذا اختاروه أبان لهم بذلك عن طريق الأفضلية، ليرجحوا الصوم على الفطر، فكان هذا من رفقه سبحانه بهم‏

______________________________
في القضاء الإطعام كما جاز في زمان رمضان، لأن الصوم قد ترتب في الذمة بالترجيح في زمان التخيير، و انقضى الزمان على ذلك، ثم قال: «وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ» أي يصومونه طاقتهم‏ «فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ» لكل يوم إطعام مسكين، و اختلف الناس في قدر ذلك، و الأولى أن يكون الإطعام نصف صاع من طعام، إذ قد نص الشارع عليه في بعض الكفارات، فالرجوع إلى الرسول عليه الصلاة و السلام عند الخلاف أولى‏ «فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً» أي زاد على الواجب من جنسه فأطعم أكثر من مسكين أو أكثر من نصف صاع‏ «فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ» أي أعظم لأجره‏ «وَ أَنْ تَصُومُوا» بدلا من الإطعام‏ «خَيْرٌ لَكُمْ» عند اللّه و أعظم أجرا «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» أي إن عملتم بما

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 260

حيث أزال عنهم الحيرة في التخيير بهذا القدر من الترجيح، و مع هذا فالابتلاء له مصاحب، لأنه تعالى لم يوجب عليه فعل ما رجحه له، بل أبقى له الاختيار على بابه، أما في الكفارة فإن الترتيب أولى من التخيير، فإن الحكمة تقتضي الترتيب، و اللّه حكيم و الحكمة في بعض الأشياء أولى من الترتيب لما اقتضته الحكمة، و العبد في الترتيب عبد اضطرار كعبودة الفرائض، و العبد في التخيير عبد اختيار كعبودة النوافل، و فيها رائحة من عبودية الاضطرار، و بين عبادة النوافل و عبادة الفرائض في التقريب الإلهي بون بعيد في علو الرتبة، فإن اللّه جعل القرب في الفرائض أعظم من القرب في النوافل، و أن ذلك أحب إليه.

[سورة البقرة (2): آية 185]

شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى‏ ما هَداكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)

«شَهْرُ رَمَضانَ» سمي الشهر شهرا من الشهرة لاشتهاره و تمييزه و اعتناء المسلمين به و أصحاب تسيير الكواكب، يقول: شهر هذا الاسم الإلهي، فإن رمضان من الأسماء الإلهية، فشارك شهر رمضان الحق في الاسم، فتعينت له حرمة على ما هي لسائر شهور

______________________________
أعلمتكم، و هذه الآية مخصصة بالمرضع و الشيخ و العجوز و إن كانوا قادرين على الصوم لكن ببذل المجهود من طاقتهم، و خرج من هذه الآية غير هؤلاء بالآية الأخرى، فارتفع الحكم بالتخيير إلى الحكم بوجوب الصوم في حق قوم موصوفين بصفة مخصوصة، و لم يرتفع فيمن ذكرناهم، إذ أحكام الشرع تتبع الأسماء و الأحوال، فلكل اسم و حال حكم ليس للآخر، و هو أسدّ الوجوه المذكورة في هذا الفصل (186) «شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ» الآية، نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن يقال رمضان فإن رمضان اسم من أسماء اللّه تعالى و قولوا شهر رمضان، فيكون معناه شهر اللّه، و إن كان رمضان اسما لهذا الشهر، فأراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم رفع اللبس، فإذا أمنّا الالتباس فلنا أن نقول رمضان، قال عليه السلام: [من قام رمضان إيمانا و احتسابا] و قال: [من صام‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 261

السنة، فإنه أفضل الشهور، و جعله من الشهور القمرية حتى تعم بركته جميع شهور السنة، فيظهر في كل شهر من شهور السنة الشمسية، فيحصل لكل يوم من أيام السنة حظ منه، فأضاف اللّه الشهر إليه تعالى من اسمه رمضان، و هو اسم غريب نادر، ورد الخبر بذلك، روى أبو أحمد بن عدي الجرجاني عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء اللّه تعالى‏] لذلك قال تعالى: «شَهْرُ رَمَضانَ» و لم يقل رمضان، «الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ» أي في صومه أي في إيجاب صومه القرآن بقوله تعالى:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) خرج مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال: [إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة و غلقت أبواب النار و صفّدت الشياطين‏] زاد النسائي في كتابه [و نادى مناد في كل ليلة يا طالب الخير هلم، و يا طالب الشر أمسك‏] فنزل القرآن بصوم شهر رمضان على التعيين دون غيره من الشهور، فما فرض اللّه الصوم الذي لا مثل له في العبادات ابتداء إلا في شهر سماه سبحانه باسم من أسمائه، فلا مثل له في الشهور، لأنه ليس في أسماء شهور السنة من اسم تسمى به اللّه إلا رمضان، و الصوم صفة صمدانية يتنزه الإنسان فيها عن الطعام و الشراب و النكاح و الغيبة، و هذه كلها نعوت إلهية يتصف بها العبد في حال صومه، و القرآن الجمع، فلهذا جمع بينك و بينه في الصفة الصمدانية و هي الصوم، فما كان فيه من تنزيه فهو للّه، فإنه قال الصوم لي، و من كونه عبادة فهو لك، ثم إن اللّه تعالى أنزل القرآن في هذا الشهر في أفضل ليلة تسمى ليلة القدر، فإن اللّه أنزل الكتاب فرقانا في ليلة القدر ليلة النصف من شعبان، و أنزله قرآنا في شهر رمضان، كل ذلك إلى السماء الدنيا، و من هناك نزل في ثلاث و عشرين سنة فرقانا نجوما ذا آيات و سور لتعلم المنازل و تتبين المراتب، فمن نزوله إلى الأرض في شهر شعبان يتلى فرقانا، و من نزوله في شهر رمضان يتلى قرآنا، فأنزل القرآن فيه‏ «هُدىً لِلنَّاسِ وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقانِ» من كونه رمضان، و أما من كونه في ليلة القدر فأنزله كتابا مبينا أي بينا أنه كتاب، و بين كون الشي‏ء كتابا و قرآنا و فرقانا مراتب متميزة يعلمها العالمون باللّه،

______________________________
رمضان‏] و لم يذكر لفظة شهر لأنه أمن الالتباس في ذلك، إذ الغرض التعريف عند السامع بما قصده المتكلم، قال تعالى: «شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ» في هذا دليل على أن ليلة القدر تكون في رمضان لأنه قال: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) يعني القرآن، يقال نزل إلى السماء

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 262

«هُدىً» أي بيانا «لِلنَّاسِ» على قدر طبقاتهم و ما رزقوا من الفهم عنه، «وَ بَيِّناتٍ» فكل شخص على بينة تخصه بقدر ما فهم من خطاب اللّه في ذلك، «مِنَ الْهُدى‏» و هو التبيان الإلهي‏ «وَ الْفُرْقانِ» فإنه جمعك أولا معه في الصوم بالقرآن، ثم فرقك لتتميز عنه بالفرقان، فأنت أنت و هو هو، فبما هو الصوم له فهو من باب التنزيه، و هو لك عبادة لا مثل لها «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» يقول فليمسك نفسه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته، خرج مسلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم ذكر رمضان فضرب بيده فقال:

الشهر هكذا و هكذا، ثم عقد إبهامه في الثالثة، صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين، و قد ورد عنه صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: إنا أمة أمية لا نكتب و لا نحسب، الشهر هكذا و هكذا و هكذا، و عقد الإبهام، و الشهر هكذا و هكذا و هكذا، يعني تمام الثلاثين، و حديث أقدروا من حمله على التضييق ابتدأ بصوم رمضان من يوم الشك، و من حمله على التقدير حكم بالتسيير، و ذلك يرجع إلى الحساب بتسيير القمر و الشمس، و هو مذهب ابن الشخير، و به أقول، و إذا رؤي الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية، و إن رؤي بعد الزوال فهو لليلة الآتية، و من أبصر هلال الصوم وحده عليه أن يصوم، و كذلك يفطر برؤية هلال الفطر وحده، و قد نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أن يقال رمضان كما سبق أن ذكرنا، و فرض اللّه صومه و ندب إلى قيامه، و هو يتضمن صوما و فطرا لأنه يتضمن ليلا و نهارا، و اسم رمضان ينطلق عليه في حال الصوم و الإفطار، حتى يتميز من رمضان الذي هو اسم اللّه تعالى، فإن اللّه تعالى له الصوم الذي لا يقبل الإفطار، و لنا الصوم الذي يقبل الفطر، فصوم شهر رمضان واجب على كل إنسان مسلم بالغ عاقل صحيح مقيم غير مسافر، و هو عين هذا الزمان المعلوم المشهور المعيّن من الشهور الاثني عشر شهرا، الذي بين شعبان و شوال، و المعين في هذا الزمان صوم الأيام دون الليالي، و حد يوم الصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فهذا هو حد اليوم المشروع للصوم لا حد اليوم المعروف بالنهار

______________________________
الدنيا في هذه الليلة جملة واحدة، و قيل ينزل منه في كل ليلة القدر في رمضان قدر ما ينزل منه على النبي عليه السلام في سائر السنة، و قد ورد أن الصحف و الكتاب المنزلة على الأنبياء نزلت كلها في رمضان، فوصل إلينا من ذلك أن صحف إبراهيم نزلت أول ليلة من رمضان، و التوراة

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 263

«وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ»– راجع آية 183- «فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» معدودات لا يزاد فيها و لا ينقص منها «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ» فيما خاطبكم به من الرفق في التكليف‏ «وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» و هو ما يشق عليكم، تأكد بهذا القول: «وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» و قوله: «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً» أي فإن مع عسر المرض يسر الإفطار، و مع عسر السفر يسر الإفطار «وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ» برؤية الهلال أو بتمام الثلاثين‏ «وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ» تشهدوا له بالكبرياء، تفردوه به و لا تنازعوه فيه، فإنه لا ينبغي إلا له سبحانه، فتكبروه عن صفة العسر و اليسر «عَلى‏ ما هَداكُمْ» أي وفقكم لمثل هذا و بيّن لكم ما تستحقونه مما يستحقه تعالى، «وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» فجعل ذلك نعمة يجب الشكر منا عليها لكوننا نقبل الزيادة، فنبهنا بما هو مضمون الشكر لنزيده في العمل.

[الصوم‏]

– إشارة- «شَهْرُ رَمَضانَ‏ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» اعلم أيدك اللّه أن الصوم هو الإمساك و الرفعة، يقال: صام النهار، إذا ارتفع، و لما ارتفع الصوم عن سائر العبادات كلها في الدرجة سمي صوما، و رفعه سبحانه بنفي المثلية عنه في العبادات، و سلبه عن عباده مع تعبدهم به، و أضافه إليه سبحانه، و جعل جزاء من اتصف به بيده من إثابته، و ألحقه بنفسه من نفي المثلية فقوله تعالى [كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي‏] أي صفة الصمدانية و هي التنزيه عن الغذاء ليس إلا لي، و إن وصفتك به فإنما وصفتك باعتبار تقييد ما من تقييد التنزيه، لا بإطلاق التنزيه الذي ينبغي لجلالي، فقلت [و أنا أجزي به‏] فكان الحق جزاء الصوم للصائم إذا انقلب إلى ربه و لقيه بوصف لا مثل له، و هو الصوم، إذ كان لا يرى من ليس كمثله شي‏ء إلا من ليس كمثله شي‏ء، فإنه سبحانه لا مثل له بالأدلة العقلية و الشرعية، فأول مراتب الصوم عندنا هو الصوم العام المعروف الذي تعبدنا اللّه به، و هو الصوم الظاهر في الشاهد، على تمام شروطه، ثم صوم النفس عند الخواص، بما هي آمرة للجوارح، و هو إمساكها عما حجر عليها في مسئلة مسئلة و ارتفاعها عن ذلك، و آخرها صوم القلب الموصوف بالسعة للنزول الإلهي، حيث قال تعالى [وسعني قلب عبدي‏] و له صوم و هو إمساكه هذه السعة أن يعمرها أحد غير خالقه، فإن عمرها أحد

______________________________
لستّ خلت منه، و الإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت منه، و القرآن لأربع و عشرين ليلة خلت منه، فيكون نزول القرآن ليلة القدر ليلة خمس و عشرين من رمضان، و وجه آخر في قوله: «الَّذِي‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 264

غير خالقه فقد أفطر في الزمان الذي يجب أن يكون فيه صائما إيثارا لربه.

و اعلم علمك اللّه من لدنه علما، و جعل لك في كل أمر حكمة و حكما، أن رمضان اسم من أسماء اللّه تعالى، و هو الصمد، و لما كان مجي‏ء رمضان سببا في الشروع في الصوم، فتح اللّه أبواب الجنة، و الجنة الستر، فدخل الصوم في عمل مستور لا يعلمه منه إلا اللّه تعالى، لأنه ترك و ليس بعمل وجودي فيظهر للبصر، أو يعمل بالجوارح، فهو مستور عن كل ما سوى اللّه، لا يعلمه من الصائم إلا اللّه تعالى، و الصائم الذي سماه الشرع صائما لا الجائع، و غلّق اللّه أبواب النار، فإذا أغلقت أبواب النار عاد نفسها عليها، فتضاعف حرها عليها و أكل بعضها بعضا، كذلك الصائم في حكم طبيعته إذا صام غلق أبواب نار طبيعته، فوجد الصائم حرارة زائدة لعدم استعمال المرطبات، و وجد ألم ذلك في باطنه، و تضاعفت شهوته للطعام الذي يتوهم الراحة بتحصيله، فتقوى نار شهوته بغلق باب تناول الأطعمة و الأشربة، و صفّدت الشياطين، و هي صفة البعد، فكان الصائم قريبا من اللّه بالصفة الصمدانية، فإنه في عبادة لا مثل لها، فقرب بها من صفة ليس كمثله شي‏ء، و من كانت هذه صفته فقد صفدت الشياطين في حقه، و متى طلع هلال المعرفة في أفق قلوب العارفين من الاسم الإلهي «رمضان» وجب الصوم، و متى طلع هلال المعرفة في أفق قلوب العارفين من الاسم الإلهي‏ «فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ»* وجب الفطر على الأرواح من قوله «السماوات» و على الأجسام من قوله «و الأرض» و اعتبار السفر فإن السالك هو المسافر في المقامات، و المسافر إلى اللّه يسافر ليشهده، فما هو في حال شهود، و المريض مائل عن الحق، لأن المرض النفسي ميل النفس إلى الكون.

______________________________
أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ» أي الذي أنزل في شأنه القرآن، يريد بذلك قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ) يقال نزل القرآن في شأن عمر بكذا و كذا، و قوله: «هُدىً لِلنَّاسِ» منصوب على الحال و العامل فيه أنزل‏ «وَ بَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى‏ وَ الْفُرْقانِ» و دلائل واضحات يهتدي بها، و يفرق بها بين الحق و الباطل، ثم قال: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» يقول: من كان حاضرا في أهله مقيما فليصمه‏ «وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ» يقول: أو في سفر، أو على عزم سفر إذا دخل مدينة و أقام بها لشغل يقتضيه و هو عازم على السفر في كل يوم و قد يستروح منه فطر المسافر يوم خروجه قبل خروجه و أن لا يبيت الصوم من الليلة التي عزم‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 265

[سورة البقرة (2): آية 186]

وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)

يقول تعالى للرسول صلّى اللّه عليه و سلم: «وَ إِذا سَأَلَكَ» لكونك حاجب الباب‏ «عِبادِي عَنِّي» و هم عبيد العموم، فما خص عبيدا من عبيد، و أضافهم إليه، أن يقول: «فَإِنِّي قَرِيبٌ» يعني منكم‏ «أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ» و هو الموجب للإجابة، فإنه سبحانه مجيب عن سؤال و دعاء «إِذا دَعانِ» ما لم يقل لم يستجب لي، و سواء دعاه في حق نفسه أو في حق غيره، فوصف الحق نفسه بأنه متكلم إذ المجيب من كان ذا إجابة و هي التلبية، و وصف نفسه بأنه سميع دعاء عباده إذا دعوه، فأجابهم من اسمه السميع و هو الموجب الإجابة، و قدم تعالى إجابته لنا إذا دعوناه على إجابتنا له إذا دعانا، و جعل الاستجابة من العبيد مؤكدة بالسين لما علم من إبايتنا و بعدنا عن إجابته، فقال: «فَلْيَسْتَجِيبُوا» لأنه أبلغ من الإجابة، فإنه لا مانع له من الإجابة سبحانه، فلا فائدة للتأكيد و للإنسان موانع من الإجابة لما دعاه اللّه إليه، و هي الهوى و النفس و الشيطان و الدنيا، فلذلك أمر بالاستجابة، فإن الاستفعال أشد في المبالغة من الإفعال، فقال تعالى: «فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي» يعني إذا دعوتهم إلى القيام بما شرعته لهم، فإنك لا تعامل إلا بما عاملت، فإنه إذا دعاك فأجبته يجيبك إذا دعوته، لذلك قال:

«فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي» فإني دعوتهم على ألسنة أنبيائي بلسان الشرع، و في كتبي المنزلة التي أرسلت رسلي بها إليهم، و اعلم أن الإجابة على نوعين: إجابة امتثال و هي إجابة الخلق لما دعاه إليه الحق، و إجابة امتنان و هي إجابة الحق لما دعاه إليه الخلق، فإجابة الخلق معقولة

______________________________
على السفر في صبيحتها، و قوله: «فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» ذهب بعض العلماء أنه الواجب و إن صام رمضان لم يجزه، و عليه عدة من أيام أخر في السفر و الحضر حيث شاء صامها، بخلاف شهر رمضان، ثم قال: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» و هو رفع الحرج في الدين كما قال: (وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) «وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ» ثلاثين إن غم عليكم‏ «وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ» حامدين‏ «عَلى‏ ما هَداكُمْ» أي وفقكم لصيامه و قيامه‏ «وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» أي و تشكرونه أيضا برخصته لكم بفطره في السفر و المرض، فإن الرخصة نعمة من اللّه يجب الشكر عليها و العمل بها قربة كالعمل بالعزائم (187) «وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 266

و إجابة الحق منقولة لكونه تعالى أخبر بها عن نفسه، و أما اتّصافه بالقرب في الإجابة فهو اتصافه بأنه أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، فشبه قربه من عبده قرب الإنسان من نفسه إذا دعا نفسه لأمر ما تفعله فتفعله، فما بين الدعاء و الإجابة الذي هو السماع زمان، بل زمان الدعاء زمان الإجابة، فقرب الحق من إجابة عبده قرب العبد من إجابة نفسه إذا دعاها، ثم ما يدعوها إليه يشبه في الحال ما يدعو العبد ربه إليه في حاجة مخصوصة، فقد يفعل له ذلك و قد لا يفعل، كذلك دعاء العبد نفسه إلى أمر ما، قد تفعل ذلك الأمر الذي دعاها إليه و قد لا تفعل لأمر عارض يعرض له، و الدعاء على نوعين: دعاء بلسان نطق و قول، و دعاء بلسان حال، فدعاء القول يكون من الحق و من الخلق، و دعاء الحال يكون من الخلق و لا يكون من الحق إلا بوجه بعيد، و ما دعا اللّه أحد إلا أجابه، إلا أن الأمور مرهونة بأوقاتها لمن يعلم ذلك، فلا تستبطئ الإجابة فإنها في الطريق، و في بعض الطريق بعد و هو التأجيل،- وجه آخر في قوله تعالى: «لي» أي من أجلي، لا تعملون ذلك رجاء تحصيل ما عندي فتكونوا عبيد نعمة لا عبيدي‏ «وَ لْيُؤْمِنُوا بِي» يصدقوا بإجابتي إياهم إذا دعوني- تفسير

[الإشارة- «وَ لْيُؤْمِنُوا بِي»]

من باب الإشارة- «وَ لْيُؤْمِنُوا بِي» أي ليكن إيمانهم بي لا بأنفسهم، لأنه من آمن بنفسه لا باللّه لم يستوعب إيمانه ما استحقه، فإذا آمن بي وفّى الأمر حقه، و هذا هو الذي يصدق بالأخبار كلها، و من آمن بنفسه فإنه مؤمن بما أعطاه دليله، و الذي أمرته بالإيمان به متناقض الأدلة متردد بين تشبيه و تنزيه، فالذي يؤمن بنفسه إيمانه بعقله لا بي‏ «لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ» أي يسلكون طريق الرشد كما يفعل الذين إذا رأوا سبيل الرشد اتخذوه سبيلا، فيمشي بهم إلى السعادة الأبدية-

[تحقيق: فَإِنِّي قَرِيبٌ‏]

تحقيق- إن اللّه تعالى ما أخبر نبيه صلّى اللّه عليه و سلم بقربه من السائلين من عباده إلا ليعرف بثلاث أمور: هي القرب و السمع و الإجابة، فلم يترك لعبده حجة عليه بل للّه الحجة البالغة، فإذا تحقق العبد بهذه الآية فأول ما ينتج له الزهد فيما سوى اللّه، فلا يتوسل إليه بغيره، و هو لمن تحقق بالقرب إلى اللّه، فإن التوسل إنما

______________________________
الدَّاعِ إِذا دَعانِ» الآية، يقول لنبيه عليه السلام‏ «إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي» من كان منهم، تدل قرينة الحال، أن سؤالهم عنه سبحانه إذا دعوه ما يكون منه إليهم؟ قال: فقل لهم عني:

إني قريب إجابة دعوة الداع إذا دعاني، و لكن إذا دعاه عن ظهر فقر محقق، معرض بقلبه عما

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 267

هو طلب القرب منه، و قد أخبرنا اللّه تعالى أنه قريب، فلا فائدة لهذا الطلب و خبره صدق، و من تحقق بالقرب الإلهي لا بد أن يسمع الإجابة الإلهية ذوقا، فلا بد من علامة يعطيها اللّه لهذا المتحقق يعلم بها أنه قد أجاب دعاءه، و معلوم أنه أجاب دعاءه، و إنما أريد أن يعلمه أن الذي سأل فيه قد قضي و إن تأخر و أعطي بدله على طريق العوض لما له في البدل من الخير، و قد يكشف له عن خواص الأحوال و الأزمنة و الأمكنة التي توجب قضاء حاجة الداعي فيما سأل فيه، ثم أخبر أنه يجيب سؤال السائلين، فهو إخبار بأن بيده ملكوت كل شي‏ء، و أخبر بالإجابة ليتحفظ السائل و يراقب ما يسأل فيه، لأنه لا بد من الإجابة، فقد يسأل العبد فيما لا خير له فيه لجهله بالمصالح، فهو تنبيه و تحذير أن لا يسأل إلا فيما يعلم أن له فيه الخير الوافر عند اللّه في الدنيا و الآخرة، فمن تنبه لهذا لم يسأل اللّه تعالى في حاجة من حوائج الدنيا على التعيين، و لكن يسأل فيما له في خير يعلمه اللّه مبهما لا يعيّن، فإذا عيّن و لا بد فليسأل فيه الخيرة و سلامة الدين، فكم من سائل عيّن فلما قضيت حاجته لحكمة يعلمها اللّه أدركه الندم بعد ذلك على ما عيّن، و تمنى أنه لم يعيّن، و أما تعيينه في السؤال فيما يرجع إلى أمر الدين فليعين ما شاء و لا مكر فيه و لا غائلة، و كذلك ما يسأل فيه مما يتعلق بالآخرة، فإذا قيل ما سبب عدم الإجابة لأكثر الناس فيما يسألون فيه ربهم؟ فاعلم أن اللّه أخبر أنه يجيب دعوة الداع، و ما دعاؤه إياه إلا عين قوله حين يناديه باسم من أسمائه فيقول: يا اللّه أو يا رب أو رب أو يا ذا المجد و الكرم، و ما أشبه ذلك، فالدعاء نداء و هو تأيه باللّه، فإجابة هذا القدر الذي هو الدعوة و بها سمي داعيا أن يلبيه الحق فيقول: لبيك، فهذا لا بد منه من اللّه في حق كل سائل، ثم ما يأتي بعد هذا النداء فهو خارج عن الدعاء، و قد وقعت الإجابة كما قال، فيوصل العبد بعد النداء من الحوائج ما قام في خاطره مما شاءه، فلم يضمن في هذه الآية إجابته فيما سأل فيه و دعاه من أجله، فهو إن شاء قضى حاجته و إن شاء لم يفعل، و لهذا ما كل مسئول فيه يقضيه اللّه لعبده، و ذلك رحمة به، فإنه قد يسأل فيما لا خير له فيه، فلو ضمن الإجابة في ذلك لوقع و يكون فيه هلاكه في دينه‏

______________________________
سواه، و هذا حال الاضطرار، و متى اختل هذا الشرط فما دعاه، ثم قال كما أنهم إذا دعوني لحاجتهم أجيبهم‏ «فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي» إذا دعوتهم إلى الإيمان بي و بملائكتي و كتبي و رسلي و ما جاءوا إليهم‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 268

و آخرته، و ربما في دنياه من حيث لا يشعر، فمن كرمه أنه ما ضمن الإجابة فيما يسأل فيه، و إنما ضمن الإجابة في الدعاء خاصة كما بيناه، و هذا غاية الكرم من السيد في حق عبده، فإذا سألتم اللّه فاسألوه التوفيق و العافية و العناية في تحصيل السعادة، و قل رب زدني علما، فإن العلم يأبى إلا السعادة، فإن اللّه ما أمر نبيه بطلب الزيادة منه إلا و قد علم أن عين حصول العلم المطلوب هو عين السعادة، ما فيه مكر و لا استدراج أصلا، و ما هو إلا العلم باللّه خاصة لا العلم بالحساب و الهندسة و النجوم، و لو علم ذلك لكان علم دلالة على علم باللّه، و أما وصفه تعالى بالقرب في قوله تعالى: «وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ» و قوله تعالى: «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» و نحوه، يفهمك أن قوله تعالى في الحديث القدسي: (و إن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا) ليس على ظاهره، لأن قربه سبحانه من العبد بنوره و لا تتفاوت درجاته، و إنما البعد صفة العبد، و بعده عن اللّه هو حجابه عن شهود قرب اللّه منه على حسب نور الإيمان في الاستجابة، و بهذا يكون تقرب العبد إلى ربه، و أما تقرب الرب إلى العبد فإشارة بنوره لنوره، و قد جمع اللّه ذلك كله في قوله:

«فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ» و قد قرن الحق تعالى إجابته لكم بإجابتكم له، و قد تقدم دعاؤه لكم في قوله تعالى: «يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَ آمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ» فإن استجبتم استجاب لكم، و إن تصاممتم فما ظلمناهم و لكن كانوا أنفسهم يظلمون، و إنما هي أعمالكم ترد عليكم، فكرامتهم عنده سبحانه و تعالى إجابته لهم إذا دعوه لارتباط الحكمة في المناسبة، فلا يجاب إلا من يجيب، فإذا عمّ الدعاء ذاتنا كلها بحيث لا يبقى فينا جزء له التفاتة إلى الغير، حصلت الإجابة بلا شك على الفور، لأنّا قد علمنا صدقه فيما أخبر به عن نفسه، (وَ مَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَ لَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) فقد غفر لكم و أجابكم إن أنتم أجبتم داعيه، و كلامه حق و وعده صدق، فلب إذا دعاك الحق إليه لا رغبة فيما في يديه، فإنك إن أجبته لذلك فأنت هالك و كنت لمن أجبت، و أخطأت و ما أصبت، و استعبدك الطمع‏

______________________________
به‏ «وَ لْيُؤْمِنُوا بِي» أي أجيبهم إجابة أخرى جزاء لإجابتهم لي، و قرن السين في إجابتهم للمبالغة في ذلك، إذ كان ثم من يدعوهم إلى غير اللّه، ثم قال: «لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ» يقول يتخذون سبيل‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 269

و استرقك، و أنت تعلم أن اللّه لا بد أن يوفيك حقك، فمن كان عبدا لغير اللّه فما عبد إلا هواه، و أخذ به العدو عن طريق هداه، التلبية تولية، فلا تلب إلا الداعي، فإنك لما عنده واعي، ما اختزن الأشياء إلا لك، فقصر أملك و أخلص للّه عملك، و هذا سر إجابة الدعاء، لا رغبة في العطاء- نصيحة- لما كان الاسم اللّه جامعا للنقيضين فهو و إن ظهر في اللفظ فليس المقصود إلا اسما خاصا منه، تطلبه قرينة الحال، فإذا قال طالب الرزق المحتاج إليه: «يا اللّه ارزقني» و اللّه هو المانع أيضا، فما يطلب بحاله إلا الاسم الرزاق، فما قال بالمعنى إلا «يا رزّاق ارزقني»، فمن أراد الإجابة من اللّه فلا يسأله إلا بالاسم الخاص بذلك الأمر، و لا يسأل باسم يتضمن ما يريده و غيره، و لا يسأل بالاسم من حيث دلالته على ذات المسمى، و لكن يسأل من حيث المعنى الذي هو عليه الذي لأجله، جاء و تميز به عن غيره من الأسماء، تميز معنى لا تميز لفظ.

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن ج‏1 269

 

 

[سورة البقرة (2): آية 187]
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى‏ نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَ لا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)
«أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ» أي الليلة التي انتهى صومكم إليها، لا الليلة التي تصبحون‏
______________________________
الرشد في ذلك (188) «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى‏ نِسائِكُمْ» كان الأمر قبل نزول هذه الآية في الصوم، أن الصائم إذا صلى العشاء الآخرة و نام قبل أن يفطر حرم عليه ما يحرم على الصائم‏
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 270
فيها صائمين، فهي صفة تصحبكم إلى ليلة عيد الفطر، و لو كانت إضافة ليلة الصيام إلى المستقبل لم تكن ليلة عيد الفطر فيها «1»، فإنك لا تصبح يوم العيد صائما، و لو صمت فيه لكنت عاصيا، و لا يلزم هذا في أول ليلة من رمضان، فإن الأكل و الشرب و أمثاله كان حلالا قبل ذلك، فما زال مستصحب الحكم، فلهذا جعلناه للصوم الماضي‏ «الرَّفَثُ» يعني الجماع‏ «إِلى‏ نِسائِكُمْ» فجاء بالنساء و لم يقل الأزواج و لا غير ذلك، فإن في هذا الاسم معنى ما في النسإ و هو التأخير، فقد كنّ أخرن عن هذا الحكم الذي هو الجماع زمان الصوم إلى الليل، فلما جاء الليل زال حكم التأخير بالإحلال، فكأنه يقول إلى ما أخرتم عنه و أخرنا عنه من أزواجكم و ما ملكت أيمانكم ممن هو محل للوطء

 

[ «هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ»]
«هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ» المقصود بالضمير «هن» الزوجات و من يحل جماعه، فالمناسبة بينكم صحيحة، ما هي مثل ما تلبستم بنا في صومكم حيث اتصفتم بصفة هي لي و هي الصوم، فلستم لباسا لي و لست لباسا لكم، فإن اللباس يحيط بالملبوس و يستره، فهي تستره بنفسها و غطاها هو بذاته- إشارة لا تفسير- «هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ» الإشارة بهن إلى الأسماء الإلهية، فهو تلبس الحق بالخلق في الصورة التي ظهر عنها الأثر في الشاهد، كما ظهر عقلا عن الحق، هن لباس لكم، و أنتم لباس لهن، تلبس الخلق في الفعل بالحق في الإيجاد بنسبة الفعل إلى الخلق.
______________________________
من الأكل و الشرب و النكاح، و أن عمر بن الخطاب واقع أهله بعد صلاة العشاء، فلما فرغ ندم و بكى و أخبر بذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و قال: [إني أعتذر إلى اللّه و إليك من نفسي هذه الخاطئة، فهل تجد لي رخصة] فقال له النبي صلّى اللّه عليه و سلم: [لم تكن جديرا بذلك يا عمر- الحديث بطوله‏] فأنزل اللّه‏ «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى‏ نِسائِكُمْ» و هو كناية عن الجماع، يقال الرفث و الرفوث و هو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه في الجماع، و قوله: «لَيْلَةَ الصِّيامِ» أي الليلة التي يصبحون في صبيحتها صائمين، فكان لهم النوم و صلاة العشاء حدّا للمنع مثل ما صار طلوع الفجر بعد ذلك، و ما أنزل اللّه في هذه قضاء ذلك اليوم على عمر و لا غيره مما نزلت بسببه الآية، فارتفع القضاء عن من جامع في رمضان و هو صائم و وجبت الكفارة بالسنّة، و لم يثبت في ذلك حديث القضاء، و قوله: «هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ» أي يلابس بعضكم بعضا،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 271
فإن قلت هذا الحق أظهرت غائبا و إن قلت هذا الخلق أخفيته فيه‏

فلولا وجود الحق ما بان كائن‏ و لو لا وجود الخلق ما كنت تخفيه‏

«عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ» من الخيانة لشهادتي عليكم حين قبلتم الأمانة لما عرضتها عليكم، فكنتم تختانون أنفسكم لما حجر عليكم فيما حجره عليكم، فما أراد هنا تعلق علمه تعالى بأنهم يختانون أنفسهم، و إنما المستقبل هنا بمعنى الماضي، فإن اللسان العربي يجي‏ء فيه المستقبل ببنية الماضي إذا كان متحققا، كقوله تعالى: (أَتى‏ أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ) و شبهه، و قد كان الحق كلفهم قبل هذا التعريف أن لا يباشر الصائم امرأته ليلة صومه، فمنهم من تعدى حد اللّه في ذلك، فلما علم اللّه ذلك عفا عمّن وقع منه ذلك و أحلّ له الجماع ليلة صومه، إلا أن يكون معتكفا في المسجد، فما خفف عنهم حتى وقع منهم ذلك، و من من شأنه مثل هذا الواقع فإنه لا يزال يتوقع منه مثله، فأبيح له رحمة به، حتى إذا وقع منه ذلك كان حلالا له و مباحا و تزول عنه صفة الخيانة، فإن الدين أمانة عند المكلف‏ «فَتابَ عَلَيْكُمْ» أي رجع عليكم‏ «وَ عَفا عَنْكُمْ» أي بالقليل الذي أباحه لكم في زمان الإحلال الذي هو الليل، و إنما جعله قليلا لبقاء التحجير فيه في المباشرة للمعتكف في المسجد بلا خلاف، و في غير المسجد بخلاف، و المواصل‏ «فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ» و هو زمان الفطر في رمضان‏ «وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ» و اطلبوا ما فرض اللّه من أجلكم حتى تعلموه فتعملوا
______________________________
بالسكون، فهي له شعار، و هو لها دثار، و إذا لابسها فقد خالطها و اتحد بها، و صورة ذلك أن الزوجين إذا اجتمعا مكافحة و امتص كل واحد منهما ريق صاحبه، و سرى من نفسه فيه، فحصل من ذلك …… «1» و رطوبات ذلك الريق عند الامتصاص بالتقبيل في جسم كل واحد منهما روحا حيوانيا، به حياة ذلك الشخص، فهذا معنى‏ «هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ» إذ الروح الحيواني هو البخار الخارج من تجويف القلب، و ذلك البخار هو الذي خرج من كل واحد منهما و دخل في جوف الآخر، فكان روح كل واحد منهما روحا لصاحبه، فاتحدت أرواحهما و تجاورت أجسامهما، ثمّ قال: «عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ» أي تتعملون في اكتساب خيانة أنفسكم، فإن التاء زائدة إذ الاختيان افتعال من الخيانة، و من رحمته أن قال:
«تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ» و لم يقل [تخونون اللّه‏] إذ كان المؤمن لا يقصد بالمعصية انتهاك حرمة اللّه،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 272

به في كل ما ذكره في هذه الآية، «وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا» أمر بإعطاء ما عليك لنفسك من حق الأكل و الشرب‏ «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ» إقبال النهار «مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ» إدبار الليل، يريد بياض الصبح و سواد الليل، و على ذلك يكون التبيين للناظر إليه حينئذ يحرم الأكل‏ «مِنَ الْفَجْرِ» لانفجار الضوء في الأفق، و ذلك الحد هو الفجر الأبيض المستطير، و هو الأولى من الفجر الأحمر، و الأخذ بالتواتر في ذلك أولى من الأخذ بالخبر الواحد الصحيح، و القرآن متواتر و هو القائل‏ «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ» و الذي أذهب إليه في الحكم أنه لا يحرم الأكل من حصول الطلوع في نفس الأمر، لكن ما حصل البيان عند الناظر، و يحرم الأكل عند تبيّن الفجر و إذا سمع النداء بالفجر الصادق، إذا كان في البلد من يعلم أنه لا ينادي إلا عند الطلوع الذي تصح به الصلاة، فإذا سمع المتسحر ذلك وجب عليه الترك، و قد أجمعوا على أنه يجب على الصائم الإمساك عن المطعوم و المشروب و الجماع، فلا يمنع الأكل طلوع الفجر الأول شرعا، و في الفجر الثاني خلاف، و موضع الإجماع الأحمر، و سمي الفجر الأول الكذاب لأنه ربما يتوهم صاحب السحور أن الأكل محرم عنده و ليس كذلك، فإن علته ضرب الشمس أو طرح شعاعها على البحر فيأخذ الضوء في الاستطالة، فإذا ارتفعت ذهب ذلك الضوء المنعكس من البحر إلى الأفق، فجاءت الظلمة و برزت الشمس إلينا، فظهر ضوؤها في الأفق كالطائر الذي فتح جناحيه، و لهذا سماه مستطيرا، فلا يزال في زيادة إلى طلوع الشمس، و سمت العرب الفجر الكاذب ذنب السرحان لأنه ليس في السباع أخبث منه و لا أكثر محالا، فإنه يظهر
______________________________
لما في قلبه من تعظيم اللّه، و إنما الإنسان تغلب عليه الشهوة في ذلك الأمر، فيتوجه إلى تحصيله و يذهل عما في فعله من ترك تعظيم واجب حق اللّه فيه، و يعلم أن له ربا يأخذ بالذنب و يغفر الذنب، فما خان المؤمن ربه و إنما خان نفسه، حيث فوتها ما لها من الأجر في الوفاء بالأمانة، فقال سبحانه لما علم هذا منهم و أنهم خانوا أنفسهم و لم يخونوا ربهم و لا رسوله، كان هذا القدر شفيعا لهم عند اللّه فأخبر فقال‏ «فَتابَ عَلَيْكُمْ» أي رجع عليكم بتحليل ما كان حرمه عليكم‏ «وَ عَفا عَنْكُمْ» يقول: و أذهب عنكم تحريم ذلك، يقال عفا رسم الدار إذا ذهب أثرها و درس، و أتى بالعفو دون غيره لأنه يتضمن إزالة التحريم و عدم المؤاخذة على الخيانة «فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ» يقول: جاء زمان الإباحة فباشروهن كناية عن النكاح، و لم يذكر الرفث هنا لأنه‏

 

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 273

الضعف ليحقر فيغفل عنه، فينال مقصوده من الافتراس، فإن ذنبه يشبه ذنب الكلب، فيتخيل من لا يعرفه أنه كلب فيأمن منه، فلا يمنع الفجر الأول من يريد الصوم من الأكل، فأمر صلّى اللّه عليه و سلم بأكلة السحور و قال: إنها بركة أعطاكم اللّه إياها، فأكد أمره بها بنهيه أن لا ندعها، فكما صرح بالأمر بها صرح بالنهي عن تركها، و أكد في وجوبها فهي سنة مؤكدة، و عند بعض علماء الشريعة واجبة، و أكلة السحور أشد في التأكيد من صلاة الوتر في جنس الصلاة، لما ورد في ذلك من التصريح بالنهي عن تركها «ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ» كلمة إلى هنا تقتضي دخول الحد في المحدود، و عنه صلّى اللّه عليه و سلم أنه قال: إذا غابت الشمس من هاهنا و جاء الليل من هاهنا فقد أفطر الصائم، فسواء أكل أم لم يأكل فإن الشرع قد أخبر أنه قد أفطر، و قال صلّى اللّه عليه و سلم: للصائم فرحتان فرحة عند فطره- لأنه غذاء طبيعته- و فرحة عند لقاء ربه، و هو غذاؤه الحقيقي الذي به بقاؤه، فإن المغذي هو اللّه تعالى‏ «وَ لا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ» فأبقى تحجير الجماع على من هذه حالته، و كذلك في الأكل و الشرب للذي ينوي الوصال في صومه، يقول صلّى اللّه عليه و سلم: من كان مواصلا
______________________________
صار حلالا، فذكر من الكنايات ما لا يقبح عند العرب ذكره، و ذكر الرفث أولا لأنه وقع منهم في وقت التحريم، و هو كناية يقبح ذكرها عند العرب لقربها في استعمالهم من لفظة التصريح الذي هو النيك، و لهذا قرن هذه اللفظة بالفسوق في الحج فقال: (فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ) و لم يقل غيرها من الكنايات، و ذلك لما فيها من الإفصاح عن الفعل‏ «وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ» أي و اطلبوا و ابحثوا عن ما فرض اللّه لكم عن تحليل و تحريم، فاحكموا فيه بما حكم اللّه، إن كان حراما فحرام أو حلالا فحلال، و من جملة ذلك إباحة الوطء من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، و كذلك أيضا أباح الأكل و الشرب‏ «وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ» الذي هو بياض النهار «مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ» الذي هو سواد الليل‏ «مِنَ الْفَجْرِ» المستطير الممتد عرضا مع الأفق، و هو انفجار الصبح من الليل كانفجار الماء من الحجر، فيحرم عليكم عند ذلك ما ذكرت تحليله بالليل لكم‏ «ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ» أي إلى غروب الشمس، و ليس الحد هنا داخلا في المحدود بخلاف قوله: (وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ) و قوله: (وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) فإن الحد هنالك داخل في المحدود، و ليس الفرق بينهما من اللفظ فإنه على السواء و إنما خرج هذا عن حكم هذا بدليل استفدناه من الشارع، و الألف و اللام في الفجر للتعريف بالفجر الثاني المعترض، فإن الفجر فجران: فجر أول و هو ذنب السرحان، و هو يأخذ في الطول طالبا كبد السماء،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 274

فليواصل حتى السحر، و هو اختلاط الضوء و الظلمة، يريد في وقت ظهور ذنب السرحان ما بين الفجرين المستطيل و المستطير، و يكون الاعتكاف حيث شاء العبد، إلا أنه إن اعتكف في غير مسجد له مباشرة النساء، و إن اعتكف في مسجد فليس له مباشرة النساء و إن نوى الاعتكاف في أيام تقام فيها الجمعة فلا يعتكف إلا في مكان يمكن له مع الإقامة فيه أن يقيم الجمعة، سواء كان في المسجد أو في مكان قريب من المسجد يجوز له إقامة الجمعة فيه، و للمعتكف أن يفعل جميع أفعال البر التي لا تخرجه عن الإقامة بالموضع الذي أقام فيه، فإن خرج فليس بمعتكف‏ «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ» التي أمركم أن تقفوا عندها، فإنه لو لا الحدود ما تميزت المعلومات‏ «فَلا تَقْرَبُوها» لئلا تشرفوا على ما وراءها فتزل قدم، فربما تزل قدم بعد ثبوتها و تذوقوا السوء «كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ» أي دلائله‏ «لِلنَّاسِ»- إشارة- فيتذكر بها «لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» يتخذون تلك الدلائل وقاية و جعلها بمعنى الترجي لأنه ما كل من حصل له العلم وفق لاستعمال ما علمه- إشارة- إذا جاء الليل و أفطر العبد علم أنه عبد فقير متغذ ليس له التنزه حقيقة، و إنما هو أمر عرض له ينبهه على التخلق بأوصاف اللّه من التنزيه عن حكم الطبيعة، و لهذا أخبرنا تعالى في الحديث المروي: أن الصوم له، و كل عمل ابن آدم لابن آدم، يقول: إن التنزه عن الطعام و الشراب و النكاح لي لا لك يا عبدي، لأني‏
______________________________
ثم تعقبه ظلمة، ثم بعد ذلك يطلع الفجر الثاني، و هو الحد المشروع، و في هذه الآية دليل على جواز النية في صوم رمضان من لدن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، إذ النهار من طلوع الشمس إلى غروبها، و الليل من غروب الشمس إلى طلوعها، و الفجر حد مشروع في منع الأكل و الشرب و النكاح للصائم، فمن نوى في ذلك الوقت فقد بيت، و أما قول النبي عليه السلام: [إن بلالا ينادي ليلا فكلوا و اشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم‏] فهو قولنا: إن الفجر حد مشروع في منع الأكل، و قوله ليلا، يقول: إن الليل شديد التمكن إذ لم تبد علامة إقبال النهار، فالفجر علامة إقبال النهار، و في قوله: «أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ» أن الصيام يتم بدخول الليل، و أن الليل ليس بمحل للصوم سواء أكل أو لم يأكل، فيندرج فيه أن الوصال و إن جاز فليس بصوم، و أنه مفطر شرعا و إن لم يأكل، فله أجر في ذلك من حيث ما هو تارك للأكل، لا من حيث هو صائم، و لهذا واصل بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و كان هو يواصل أي يستصحب ترك الأكل، و قوله:«وَ لا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ» قيل نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب و عمار

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 275

القائم بنفسي لا أفتقر في وجودي إلى حافظ يحفظه عليّ، و أنت تفتقر في وجودك لحافظ يحفظه عليك و هو أنا، فجعلت لك الغذاء و أفقرتك إليه، لأنبهك أني أنا الحافظ عليك وجودك، ليصح عندك افتقارك، و مع هذا الافتقار طغيت و تجبرت و تكبرت، و تعاظمت في نفسك و ما استحييت في ذلك من فضيحتك بجوعك و عطشك، لذلك قال تعالى:«تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها» فإذا دخل العبد في نعت الربوبية و هو اللّه، فقد تعدى حدود اللّه، و هي الحدود الرسمية لا الحدود الذاتية، فإنه ليس بأيدينا من الحدود الذاتية شي‏ء، و لهذا اجترأ العباد عليها و تعدوها و منها عوقبوا، كما إذا أدخل الحق صاحب الحد فيما هو له لم يتصف الداخل بالظلم فما استوجب عقوبة، فلما كان حدا رسميا قبل العبد الدخول فيه، فإن دخل فيه بنفسه من غير إدخال صاحبه فقد عرض نفسه للعقوبة، فصاحب الحد بخير النظرين إن شاء عاقب، و إن شاء عفا، و إن شاء أثنى، كالمتصف بالكرم و العفو و الصفح، و هذه كلها حدود رسمية للحق، لذلك قال: «كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» فوصفهم بالتقوى إذا لم يتعدوها و جعلوها وقاية لهم،- إشارة- قوله تعالى:
«كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ» كما يحرم على المكلف الأكل عند تبين الفجر، كذلك يحرم على صاحب الشهود أن يعتقد أن ثم في الوجود غير اللّه فاعلا بل و لا مشهودا، و ما يمسك عنه الصائم هو علم الذوق، و الذوق أول مبادي التجلي الإلهي.
______________________________
ابن ياسر و أبي عبيدة بن الجراح، كان أحدهم يعتكف فإذا أراد الغائط رجع من المسجد إلى أهله بالليل فيباشر و يجامع امرأته ثم يغتسل و يرجع إلى المسجد، فأنزل اللّه هذه الآية و قرنها بشرطين، الاعتكاف و كونه في المسجد، فإذا اجتمعا فلا خلاف، كالربيبة التي في الحجر مع الدخول بالأم، و إذا انفرد أحد الشرطين لم يلزم الحكم حكم تحريم الجماع للمعتكف في غير المسجد، و قد قيل بذلك، فليس للمعتكف في المسجد أن يجامع أهله ليلا و لا نهارا ما دام في هذه العبادة، و في هذه الآية دليل على جواز الاعتكاف في المساجد كلها، فإنه عمّ بلام الجنس، و الاعتكاف الإقامة في المسجد أدنى ما ينطلق عليه اسم إقامة من ليل أو نهار، بنية القربة و العبادة للّه تعالى، فمنع المعتكف من المباشرة و ما منعه من الأكل و الشرب كما منع الصائم، فدل على جواز الاعتكاف بغير صوم و أنه عمل مستقل، و قوله: «تِلْكَ» إشارة إلى ما تقدم من ذكر الأحكام كلها من صوم و وصية و قصاص، يقول: تلك‏ «حُدُودُ اللَّهِ» التي حدها ليوقف عندها و لا تتجاوز، ثم قال: «فَلا تَقْرَبُوها» مثل قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [الراتع حول الحمى يوشك‏]

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 276

 

 

[سورة البقرة (2): الآيات 188 الى 189]
وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏ وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)
«يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ» سمي الهلال هلالا لارتفاع الأصوات عند رؤيته، فلا ترفع الأصوات إلا بالرؤية «قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ» الوقت الذي نرى فيه الهلال يحكم علينا، فإن كان رمضان أثر فينا نية الصوم، و إن كان هلال فطر أثر فينا نية الفطر، و إن لم يكن إلا هلال شهر من الشهور أثر فينا العلم بزوال حكم الشهر الذي انقضى و حكم الشهر الذي هو هلاله، و تختلف أحوال الناس، فتمتاز الأوقات به لانقضاء الآجال في كل شي‏ء، من المبايعات و المداينات و الأكرية و أفعال الحج، و قال تعالى في هذه الآية: «هِيَ‏
______________________________
[أن يقع فيه‏] فإذا لم يقرب المكلف الحد فأحرى أن يتعداه، فإن الصائم إذا عانق أو قبل أو لمس فقد قرب من الجماع الذي منع منه، فهذا هو القرب، ثم قال: «كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ» يظهر الأدلة الواضحة على ما شرعه‏ «لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» يحذرون الوقوع فيما حرم عليهم، و قد يكون تقربوها تأتوها و هو الأوجه، فإن تقبيل الصائم مشروع، و ما قال: [فلا تقاربوها] ثم قال:
(189) «وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» يقول: «وَ لا تَأْكُلُوا» أي لا يأخذ بعضكم مال بعض بوجه حرّمه اللّه، و قوله: «وَ تُدْلُوا بِها» أي تلقوها «إِلَى الْحُكَّامِ» لمعرفتكم بوجوه المحاكمة و الخصومة فيحكم لكم الحاكم على حد ما يسمع فيقضي لك من مال أخيك‏ «وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» أنكم على الباطل فيما تدعون به، و ذلك على ثلاثة أوجه: إما بحسن الخصام و معرفته بالجدل حتى يظهر الباطل في صورة الحق، و إما باليمين، و إما بشهادة الزور، و إن كان حاكم سوء فبالرشوة و ما في‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 277

 

مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ» و لم يقل للحاج، فأنزل الحج في الآية منزلة الناس، ما أنزله منزلة الديون و البيوع، و إن كان المعنى يطلبه، فعلمنا أن حكم الحج عند اللّه ليس حكم الأشياء التي تعتبر فيها الأهلة، أعني مواقيت الأهلة، و الحج فعل مضاف مخصوص معيّن يفعله الإنسان كسائر أفعاله في بيوعه و مدايناته، فاعتنى بذكر هذه الأفعال المخصوصة لأنها أفعال مخصوصة للّه عزّ و جل بالقصد، ليس للعبد فيها منفعة دنيوية إلا القليل من الرياضة البدنية، و لهذا تميز حكم الحج عن سائر العبادات في أغلب أحواله و أفعاله في التعليل، فأكثره تعبد محض لا يعقل له معنى عند الفقهاء، فكان بذاته عين الحكمة ما وضع لحكمة موجبة، و فيه أجر لا يكون في غيره من العبادات، و تجل إلهي لا يكون في غيره من الأعمال، فالحاج في الحج يجني ثمرة الزمان و ما يحوي عليه من المعارف الإلهية المختصة بشهر ذي الحجة، و يجني ثمرة العدد في المعارف الإلهية، لأن العدد له حكم فيها، فالحج هو المعطي ما يحوي عليه من المعارف الإلهية للحاج، لهذا أضيف الميقات للحج في الهلال و ما أضيف للحاج كما أضيف للناس، «وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏» البر هو
______________________________
ضمنها من جاه و خوف من ذي سلطان، و السبب في نزول هذه الآية أن إمرأ القيس بن عابس الكلبي، و عبدان الحضرمي اختصما في أرض و كان الطالب عبدان و المطلوب إمرأ القيس، و لم تكن لعبدان بينة، فأراد امرؤ القيس أن يحلف فقال النبي عليه السلام: [إن الذين يشترون بعهد اللّه و أيمانهم ثمنا قليلا] إلى آخر الآية، فلما سمعها امرؤ القيس كره أن يحلف و لم يخاصمه في أرضه و حكمه فيها، فقال النبي عليه السلام: [إنما أنا بشر مثلكم و أنتم تختصمون إلي و لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشي‏ء من حق أخيه، فلا يأخذن منه شيئا، فإنما أقضي له قطعة من النار] فبكيا و قال كل واحد منهما حقي لصاحبي فقال: [اذهبا فتوضيا ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه‏] و نزلت الآية «وَ لا تَأْكُلُوا» و معنى‏ «وَ تُدْلُوا» و لا تدلوا فجزم أو منصوب بإضمار إن (190) «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ» الآية، السائل جماعة منهم معاذ بن جبل و ثعلبة، و هما من الأنصار، فقالوا: [يا رسول اللّه ما بال الهلال يبدو مثل الخيط، ثم ينمو حتى يمتلي، ثم ينقص حتى يعود كما بدأ] فأنزل اللّه‏ «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ» ثم قال له: «قُلْ» لهم‏ «هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ» فسماها أهلة و لم يقل هلال، فإن للهلال في كل ليلة حالة من نقص أو زيادة ليس لليلة الأخرى، فهلال الليلة ما هو هلال الليلة التي قبلها و لا التي بعدها، فإن الذي به سمي هلال هذه الليلة على الاختصاص إنما هو لأجل الزائد، أو

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 278

الإحسان، و الإحسان مشاهدة أو كالمشاهدة، فإنه قال صلّى اللّه عليه و سلم في تفسير الإحسان: أن تعبد اللّه كأنك تراه‏ «وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» قوله: «اتَّقُوا اللَّهَ» أي اتخذوه وقاية من كل ما تحذرون، و مسمى اللّه يتضمن كل اسم إلهي، فينبغي أن يتقى منه و يتخذ وقاية، فإنه ما من اسم من الأسماء الإلهية للكون به تعلق إلا و يمكن أن يتقى منه و به، إما خوفا من فراقه إن كان من أسماء اللطف، أو خوفا من نزوله إن كان من أسماء القهر، فما يتقى إلا حكم أسمائه، و ما تتقى أسماؤه إلا بأسمائه، و الاسم الذي يجمعها هو اللّه فأمرنا بتقوى اللّه، أي نتخذه وقاية و نتقيه لما فيه من التقابل، و هو مثل قوله صلّى اللّه عليه و سلم في الاستعاذة منه به فقال:
[و أعوذ بك منك‏] و مقام التقوى، تقوى اللّه مكتسب للعبد، و لهذا أمر به، و هكذا كل مأمور به فهو مقام مكتسب، و لما كان المعنى في التقوى أن تتخذ وقاية مما ينسب إلى المتقى، فإذا جاءت النسبة حالت الوقاية بينها و بين المتقي أن تصل إليه فتؤذيه، فتلقتها الوقاية، لذلك يحتاج إلى ميزان قوي لأمور عوارض عرضت للنسبة، تسمى مذمومة، فيقبلها العبد و لا يجعل اللّه وقاية أدبا، و إن كان لا يتلقاها إلا اللّه في نفس الأمر، و لكن الأدب مشروع للعبد في ذلك، و لا تضره هذه الدعوى لأنها صورة لا حقيقة، و إذا علم اللّه ذلك منك جازاك جزاء من رد الأمور إليه، و عوّل في كل حال عليه، و سكن تحت مجاري الأقدار، و تفرج فيما يحدث اللّه في أولاد الليل و النهار.
______________________________
ما بقي بعد النقص، و إنما سموه هلالا بالحالة التي تكون من المرتقبين له في أول الشهر فيهلون عند رؤية أول الشهر، أي يرفعون أصواتهم تعريفا بأنه قد ظهر، و الإهلال رفع الصوت فبه سمي هلالا، فقال اللّه: جعلت ذلك‏ «مَواقِيتُ» أي أوقات‏ «لِلنَّاسِ» في فطرهم و صومهم، و تأجيل ديونهم، و صلحهم مع الكفار، و كل فعل يضرب له أجل كالمطلقات و الحيض‏ «وَ الْحَجِّ» و خص الحج بالذكر و إن كان داخلا في قوله: «مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَ الْحَجِّ» فإن الحج لهذا البيت ليس من خصوص الناس بل تحجه الملائكة و غيرهم ممن ليس لهم أحكام البشر التي ذكرناها، من المداينات و المصالحات، و الأهلة مواقيت لهم في ذلك، ثم شرع فيما يتعلق بالحج فقال: «وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ» الآية، مثل هذه الأسباب ينبغي أن تذكر حتى يعرف ما معنى دخول البيت من ظهره أو كيف يدخل منه، فاعلم أن سبب نزول هذه الآية أن الأنصار كانت في الجاهلية و الإسلام إذا أحرم أحدهم بالحج أو العمرة و كان من أهل المدر و هو مقيم في أهله لم يدخل منزله‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 279

[سورة البقرة (2): الآيات 190 الى 194]

وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَ لا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)

لما أمر النبي صلّى اللّه عليه و سلم بتبليغ رسالات ربه إلى عباده، لم يشرع له أن يبدأ بالقتال، و المشروع له و للمؤمنين أن يبدءوا بدعائهم إلى الإسلام، فإن أجابوا كففنا عنهم، و إن لم يجيبوا فلا

______________________________
من قبل الباب، و كان يوضع له سلم إلى ظهر البيت فيرقى فيه و ينحدر منه إلى بيته، أو يتسور من الجدار، أو يثقب ثقبا في ظهر بيته فيدخل منه و يخرج حتى يتوجه إلى مكة محرما، و إن كان من الوبر دخل و خرج من وراء بيته، و إن النبي صلّى اللّه عليه و سلم دخل يوما نخلا لبني النجار و دخل معه قطبة بن عامر الأنصاري من بني سلمة من جشم من قبل الجدار و هو محرم، فلما خرج النبي صلّى اللّه عليه و سلم من الباب و هو محرم خرج قطبة من الباب، فقال رجل هذا قطبة خرج من الباب و هو محرم، فقال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: ما حملك أن تخرج من الباب و أنت محرم؟ فقال: يا نبي اللّه رأيتك خرجت من الباب و أنت محرم فخرجت معك، و ديني دينك، فقال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: خرجت لأني من الحمس، فقال قطبة للنبي صلّى اللّه عليه و سلم: إن كنت بأحمس فأنا أحمس، و قد رضيت بهداك و دينك و استننت بسنتك، فأنزل اللّه في قول قطبة بن عامر للنبي صلّى اللّه عليه و سلم: «وَ لَيْسَ الْبِرُّ» أي ليس من البر المشروع و لا المعقول‏ «بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى‏» أي تقوى اللّه،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 280

يخلو إما أن يكونوا أهل كتاب أو لا يكونوا، و إن كانوا أهل كتاب و جنحوا للسلم الذي هو الصلح عرضنا عليهم أن يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون، فإن أبوا أو لم يكونوا أهل كتاب قاتلناهم، فلهذا قال: «وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ» أي لا تبدءوهم بقتال قبل الدعوة و قبل عرض الجزية إن كانوا أهل كتاب، و يدخل أيضا في هذا الخطاب من قاتلنا

______________________________
و أقام الموصوف بها مقامها به، أو يكون و لكن البر بر من اتقى، و قد تقدم الكلام عليه في‏ (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا) «وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها» فحصل من الفائدة في هذه المسألة أن الإنسان أولا كان إذا دخل من باب بيته أتى مباحا أو محظورا، و الآن قد اقترن به الأمر، فيكون في إتيان المحرم إلى بيته من الباب عن أمر الشرع مأجورا و إن كان مباحا، فإنه ما أتاه إلا لأمر الشارع لا لهوى نفسه، و كل مباح إذا اقترن مع فاعله فعله لكون الشارع أباحه له كان له من الأجر ما يقابل حرمة القصد في ذلك لا لعين الفعل، و هو قوله: (وَ ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) فالمباح من ذلك إذا كان فعله له لإباحته، ثم قال: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» قد تقدم الكلام في أول سورة البقرة على التقوى و الفلاح ثم قال: (191) «وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» الآيات، يقول: «وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ» لما أمر النبي صلّى اللّه عليه و سلم بتبليغ رسالات ربه إلى عباده لم يشرع له أن يبدأ بقتال، و المشروع له و للمؤمنين أن يبدءوا بدعائهم إلى الإسلام، فإن أجابوا كففنا عنهم، و إن لم يجيبوا فلا يخلو إما أن يكونوا أهل الكتاب أو لا يكونوا، و إن كانوا أهل كتاب و جنحوا إلى السلم الذي هو الصلح عرضنا عليهم أن يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون، فإن أبوا أو لم يكونوا أهل كتاب قاتلناهم، فلهذا قال: «وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ» أي لا تبدءوهم بقتال قبل الدعوة و قبل عرض الجزية إن كانوا أهل كتاب، و يدخل أيضا في هذا الخطاب من قاتلنا في الحرم الذي يحرم القتال فيه‏ «وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» أي لا تتجاوزوا ما حددنا لكم من النهي عن قتل الرهبان و النساء و الصبيان، و كل من انحجز عن قتالكم من الرجال، و لكن هذا في الحرم خاصة، و أما في غير الحرم فنحن مأمورون بقتال المشركين كافة، فلا يغنيهم كونهم انحجزوا عنهم، فلا نقاتل في الحرم إلا من باشر القتال، و من هنا صوّب من صوب قتال ابن الزبير للحجاج، فإن الحجاج قصده و قاتله لكونه ثبتت خلافته عنده، و من صوب قتال الحجاج لابن الزبير لم تصح عنده خلافة ابن الزبير و رآه خارجا على الإمام، و من خرج على الإمام فقد عصى و الحرم لا يعين عاصيا عند من يرى ذلك، فقاتله الحجاج بحق في الحرم، و لم يكن لابن الزبير أن يقاتله في الحرم و لا في غير الحرم (192) «وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ» يقول: و اقتلوهم‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 281

في الحرم الذي يحرم القتال فيه‏ «وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» أي لا تتجاوزوا ما حددنا لكم من النهي عن قتل الرهبان و النساء و الصبيان و كل من انحجز عن قتالكم من الرجال، لكن هذا في الحرم خاصة، و أما في غير الحرم فنحن مأمورون بقتال المشركين كافة فلا يغنيهم كونهم انحجزوا عنهم، فلا نقاتل في الحرم إلا من باشر القتال، و وقع النهي‏

______________________________
حيث ثقفتموهم أي وجدتموهم على طريق القهر و الغلبة، يقال في اللسان رجل ثقف إذا كان سريع الأخذ لأقرانه، و إذا كان على هذا، فلا يكون قتالهم على وجه الأخذ و الغلبة إلا بعد المنع مما دعوناهم إليه، أو ابتداء القتال منهم، ثم قال: «وَ أَخْرِجُوهُمْ» خطاب للنبي صلّى اللّه عليه و سلم و المؤمنين‏ «مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ» يعني مكة، و هو قول النبي صلّى اللّه عليه و سلم لورقة بن نوفل حين أخبره أن قومه يخرجونه، قال: أو مخرجي هم؟ قال: نعم، فقال اللّه له: «وَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ، وَ الْفِتْنَةُ» أي الابتلاء بالصد عن المسجد الحرام و بمفارقة الأوطان، و الخروج من الديار مع وجود الحياة و تجدد الآلام في كل وقت لذلك‏ «أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ» فإن القتل إنما هو ساعة و ينتقل فيستريح من عذاب مفارقة الوطن عن كره لشغله بما يصير إليه من خير أو شر، و إن أراد بالفتنة الكفر باللّه و الشرك، فنقول: و الشرك باللّه في الحرم أشد من القتل بلا شك، ثم قال:

«وَ لا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ» أي لا تبدءوهم بقتال كما ذكرنا قبل، و قد يفهم من هذا ما ذهب إليه عطاء بن أبي رباح أن الحرم كله مسجد، فإن النهي إنما وقع عن القتال في الحرم، و هذا الخطاب عام إلى يوم القيامة، ثم قال: «فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ» أي فإن قاتلوكم فيه يعني في الحرم، فهنا لا يسوغ إلا قتال من قاتل منهم لا قتال من انحجز عنهم و لم يقاتل لحرمة الحرم، و كذلك في غير الحرم لو انحجز من المحاربين طائفة و لم تقاتل و طلبت السلم منا و أخرجوا أيديهم عن طاعة من قاتلنا منهم لغير خداع فلنا أن نسالم تلك الطائفة، ثم قال:

«كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ» فجعل قتالنا لمن قاتلنا جزاء، و الجزاء لا يكون ابتداء، ففيه تأكيد أن لا نبدأ بقتال كما أشرنا، و الكاف في كذلك إن شئت جعلتها زائدة، و إن شئت كانت صفة، أي مثل ذلك يكون أيضا جزاء الكافرين من أهل الكتاب إذا قاتلوكم و كل من قاتلكم ممن ليس بمشرك لما كانت الآية نزلت في حرب أهل الأوثان الذين ليسوا أهل كتاب، فأراد اللّه تعريفنا بأن ذلك جزاء كل كافر شرعا، ثم قال: (193) «فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» أي فإن انتهوا عن قتالكم في الحرم أو عن الشرك و الكفر، فإن اللّه يغفر لهم ما وقع منهم من الإثم و العدوان في أيام كفرهم‏ «رَحِيمٌ» بكم و بهم حيث قرر لهم أن يسلموا على ما أسلفوا من خير و لم يحبط لهم ما كانوا عليه في الكفر من العتق و البر و مكارم الأخلاق، و إن تمادوا على غيهم و لم ينتهوا قال:

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 282

عن القتال في الحرم، و هذا الخطاب عام إلى يوم القيامة، و قوله تعالى: «فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ» أي فإن قاتلوكم فيه يعني في الحرم فهنا لا يسوغ إلا قتال من قاتل منهم، لا من انحجز عنهم و لم يقاتل لحرمة الحرم، و كذلك في غير الحرم، لو انحجز من المحاربين طائفة

______________________________
(194) «وَ قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ» أي حتى لا يبقى كفر و لا يبقى كافر في قوة تكون منه فتنة، أي محنة و بلاء للمؤمنين‏ «وَ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ» إما بزوال الكفر رأسا، و إما بإعلاء كلمة اللّه على كلمة الكفر بأن يكونوا تحت ذمة المسلمين إن كانوا من أهل الكتاب، و أما المشركون من عبدة الأوثان فليس إلا الإسلام أو القتل‏ «فَإِنِ انْتَهَوْا» أيضا «فَلا عُدْوانَ» أي فلا تعتدوا «إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ» إن اعتدوا عليكم مثل قوله: (وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) فسمى جزاء الظالم ظلما، كأنه عين الظلم الذي فعله عاد عليه، مثل قوله: [إنما هي أعمالكم ترد عليكم‏] ثم قال:

(195) «الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ» نزلت هذه الآية في عمرة القضاء، و ذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عام الحديبية جاء معتمرا و المؤمنين معه، فصدهم المشركون عن المسجد الحرام و الوصول إليه، و كان في الشهر الحرام الذي هو ذي القعدة، و ما كان لهم أن يصدوه في هذا الشهر، فلما كان في العام القابل جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لعمرة القضاء الذي صدّ عن إتمامها عام أول في هذا الشهر، و كان المشركون قد عاهدوه على أن يخلوا بينه و بين الكعبة ثلاثة أيام في العام الآتي، و خاف المسلمون أن لا يفي المشركون بعهدهم فتأهبوا لقتالهم إن صدوهم، فلما جاءوا أيضا في ذي القعدة خلوا بينهم و بين الكعبة على الشرط المعروف المذكور، فأقاموا ثلاثة أيام ثم خرجوا، و كان اللّه قد أنزل عليهم‏ «الشَّهْرُ الْحَرامُ» الذي قضيتم فيه عمرتكم‏ «بِالشَّهْرِ الْحَرامِ» الذي صدوكم فيه عن تمام العمرة «وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ» أي من انتهك حرمة انتهكت حرمته، فإن دخول المسلمين في عمرة القضاء الحرم كان من أشق شي‏ء على المشركين، و قال اللّه لنبيه و المؤمنين: «فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ» فقاتلكم أو آذاكم‏ «فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ» من غير زيادة «وَ اتَّقُوا اللَّهَ» في الابتداء بالتعدي أو بمجاوزة المثل في القصاص فيمن اعتدى عليكم‏ «وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» بالنصر و الكلاءة، في هذه الآية دليل لمن يرى أن يعتدي من اعتدي عليه بمثل ما اعتدي عليه في مال و غير ذلك من غير حكم حاكم و لا ارتفاع إليه، و هو مذهب ابن عباس، و منع غيره من ذلك و قال له: ليس له أن يتعدى عليه و يرفعه إلى الحاكم، و يكون معنى قوله: «فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ» بعد حكم الحاكم لا تتجاوزوا القدر الذي اعتدى عليكم فيه إذا مكنتم من القصاص، و كلا الوجهين سائغ في الآية، و الأول أقوى و الثاني أحوط، و في عمرة القضاء التي نزلت فيها هذا الآية أنّ الشروع في نوافل العبادات ملزم، قال تعالى: (وَ لا تُبْطِلُوا

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 283

و لم تقاتل و طلبوا السلم منّا و أخرجوا أيديهم من طاعة من قاتلنا منهم لغير خداع فلنا أن نسالم تلك الطائفة.

[سورة البقرة (2): آية 195]

وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)

«وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» و هو هنا البخل‏ «وَ أَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» المحسنون بما أشهدهم من كبريائه.

______________________________
أَعْمالَكُمْ) و فيها قضاء نوافل العبادات، و فيه أنه من صدّ عن عبادة شرع فيها فله أجر الصد و ما له أجر العمل، إذ لو كان له أجر العمل- و فائدة العمل حصول الثواب- و قد حصل، فكان إذا شرع في وقت آخر في مثل ذلك العمل لا يكون قضاء، و إنما يكون ابتداء عمل آخر مشابه للعمل الذي صدّ عنه، و لا كان يسمى ذلك عمرة القضاء، هذا إن كان النقل عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم هذه التسمية، و إن لم تكن منه فهذه عمرة أخرى، و تلك العمرة التي صد عن إتمامها حصل له أجرها و كان محله حيث حبس، و لهذا شرع للمحرم أن يقول: إن محلي حيث حبستني، و إذا لم يقل ذلك عندنا و حبس عن تمام حجه أو عمرته فعليه دم على تركه هذا القول، فإنه السنة، و الدماء في الحج لترك السنن، و النبي صلّى اللّه عليه و سلم قد قضى الركعتين اللتين كان يصليهما بعد الظهر بعد العصر، و أخبر أنهما تلك الركعتان، فقضاهما و ما كان قد شرع فيهما، و إنما جاء الوفد فشغله قبل الشروع فيهما، فكان قضاء لخروج الوقت الذي كان التزم أن يصليهما فيه دائما، ثم قال:

(196) «وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» الآية، يقال أهلك فلان نفسه بيده، فالمعنى و لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة، و قد تكون الباء زائدة، و المعنى و لا تلقوا أيديكم إلى التهلكة، أي إذا دعاكم ما يكون فيه هلاككم لا تلقوا بأيديكم إليه، أي لا تنقادوا و لا تسمعوا له، يحتمل سبيل اللّه هنا طرق البر كلها، و يحتمل الجهاد خاصة، و إن كان نزولها في الجهاد لما آثرت الأنصار الإقامة في أهلها و إصلاح أموالها و ترك الجهاد حين فشا الإسلام و كثر، و لكن سبيل اللّه كثيرة، فالعدول إلى التخصيص تحكم أنه المقصود بالآية، و التهلكة هنا يحتمل أمران: الواحد البخل، و الآخر التبذير، فكأنه يريد الاقتصاد في النفقة حتى لا يقعد ملوما محسورا، و لا يترك أولاده عالة يتكففون الناس، و هذا يبنى على قدر الأوقات، فقد يحسن في وقت بل يجب إخراج المال كله‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 284

[سورة البقرة (2): آية 196]

وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَ لا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (196)

«وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ» و هو إتيانهما على الكمال، و تمامهما إتيانهما كما شرعتا، و العمرة بلا شك تنقص عن أفعال الحج، و كمالها إتيانها كما شرعت، «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ» المحصر هو الممنوع عن الحج أو العمرة بأي نوع كان من المنع، بمرض أو بعدو أو غير ذلك،

______________________________
لإقامة الدين و المصلحة، و قد يحسن في وقت الاقتصاد في النفقة و ترجيح إبقاء البعض من المال، فقال تعالى: «وَ أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» أي أخرجوا ما رزقكم اللّه و جعلكم مستخلفين فيه في سبيل اللّه، أي في الطريق التي فرض اللّه عليكم، أو ندبكم أن تخرجوا فيها الأموال، و إذا أمر الإنسان أن يبذل نفسه التي هي أشرف من ماله و يهلكها في سبيل اللّه فالمال أحرى و أولى‏ «وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» يقول: إلى البخل بذلك، فإن فيه الهلاك، أو يقول: «وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» بأن تنفقوها مبذرين، و التبذير الإنفاق في غير طاعة اللّه، و هو الإسراف و قد يكون الإنفاق في غير الأولى، و هو أن يتعرض له سبيلان إلى الخير، و أحدهما آكد في الدين من الآخر و أعظم و للشرع به عناية، غير أن نفس هذا المكلّف صاحب المال له غرض نفسي في السبيل الآخر الذي هو دون الآخر في عناية الشرع به، فينفق فيه و يترك الأولى، فيكون ممن ألقى بيده إلى التهلكة، حيث اختار ما لم يختر له الحق، و لا سيما و اللّه يقول: (وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) فأثبت هذا العبد لنفسه ما نفاه الحق عنه، ثم قال: «وَ أَحْسِنُوا» في النفقة، و هذا يؤيد ما ذكرناه، و هو أن الإحسان أن تعبد

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 285

و المحصر يحل من عمرته و حجه حين أحصر، فإن كان المحرم قال حين أحرم إن محلي حيث تحبسني كما أمر، فلا هدي عليه، و يحل حيث أحصر، و إن لم يقل ذلك و ما في معناه فعليه الهدي، و إن كان مع المحصر هدي تطوع نحره حيث أحل، و لا إعادة على المحصر في حج التطوع و عمرته إن كان عليه في ذلك حرج، فإن لم يكن عليه فيه حرج فليعد، و أما الفريضة فلا تسقط عنه إلا إن مات قبل الإعادة فيقبلها اللّه له عن فريضته، و إن لم يحصل منه إلا ركن الإحرام، بل و لو لم يحصل منه إلا القصد و التعمل، و ما أوقع الخلاف بين العلماء في الإحصار إلا فهمهم في اللسان، لأنه جاء في الآية بالوزن الرباعي، و نقل أنه يقال: حصره المرض و أحصره العدو، و قوله تعالى: «أُحْصِرْتُمْ» هو من أحصر لا من حصر، يقال:

فعل به كذا إذا أوقع به الفعل، فإذا عرضه لوقوع الفعل يقال فيه أفعل، و في اللسان أحصره المرض و حصره العدو بغير ألف، فهو في المرض من الفعل الرباعي، و في العدو من الفعل الثلاثي‏ «فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وَ لا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، فَمَنْ كانَ‏

______________________________
اللّه في هذه النفقة كأنك تراه، و إذا كنت بهذه المثابة فمن المحال أن ترجح إلا ما رجح اللّه من النفقة في إحدى السبيلين، و يختار ما اختاره و قال: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» يقول: الذين يعبدونه على المشاهدة، لأن جميع الخيرات و إيثار جناب الحق تستلزم الإحسان في العبادة، ثم قال:

(197) «وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ» الآيات، في هذه الآية دليل على أن الشروع ملزم، و أن الإنسان إذا شرع في عبادة من تطوع أو واجبة عليه، لزمه إتمامها على حد ما شرعها اللّه، إما في كتابه أو على لسان رسوله المبلغ عنه و المبين، كما شرع فيمن أحرم بالحج و ليس له هدي أن يرد حجه عمرة و لا بد، أو المرأة تحرم بعمرة فتحيض و تعرف أن حيضتها تكون معها في أيام الحج فترفض عمرتها و تحرم بالحج، فإذا قضت الحج طافت بالبيت و قضت مكان عمرتها عمرة، فقوله: «وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلَّهِ» معرى عن الموانع، و ليس في هذه الآية دليل على وجوب الحج و العمرة على هذه القراءة، و إنما ورد الأمر بالإتمام لمن دخل فيهما أو في أحدهما على الشرط المعتبر المشروع، و لما قرن الحق بينهما في الإتمام و ما أفرد للعمرة لفظا ثانيا من هذا الفعل، يستروح منه ترجيح القران على الإفراد، و الكل جائز و إنما يقع الخلاف إما في الأفضل في ذلك، و إما فيما فعله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم من ذلك، هل كان قارنا أو حاجا؟ و أما قوله: «لِلَّهِ» يريد الإخلاص في العبادة للّه‏ (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ) لا يشوبه شي‏ء من عمل لأجل ثواب أو خوف عقاب، و إنما يقصد بذلك امتثال أمر اللّه إن كان واجبا، أو إتيان ما رغب اللّه في إتيانه‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 286

مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ» الفدية واجبة على من أماط الأذى من ضرورة، و من أماط الأذى من غير ضرورة عليه دم، فإنه غير متأذ في نفسه، أي أنه ليس بذي ألم لذلك، و لذلك جعل محل الأذى الرأس المحس به و ما جعله الشعر، فما ثم ضرورة توجب الحلق، و لا فدية على من أماط الأذى ناسيا، و الناسي هنا هو الناسي لإحرامه، و الفدية هنا على التخيير، صيام ثلاثة أيام، أو صدقة إطعام ست مساكين نصف صاع لكل مسكين، أو نسك شاة «فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» أوجب اللّه على المتمتع بالعمرة و هي الحج الأصغر أن يقدم الهدي إما نسيكة على ما تيسر، و إما صوما لمن قصده بتلك الزيارة، فهي الهدية له فإن الصوم له و هو الذي نزل عليه الحاج، فلذلك كان الصوم هدية لأنه يستحقها، بل هي أليق به من الهدي، فإنه لا يناله من الهدي إلا التقوى خاصة من المهدي، و الصوم كله هو له فهو أعظم من الهدية، و الهدية من القادم للذي قدم عليه معتادة، و إنما جعل اللّه الصوم لمن لم يجد هديا لأن الهدي ينال الحق منه التقوى، و ينال العبد منه ما يكون له به التغذي و قوام نشأته، فراعى سبحانه منفعة العبد مع ما للحق فيه من نصيب التقوى مع الوجود، فقال تعالى:

«فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ» فإذا لم يجد رفق به سبحانه فأوجب عليه الصوم، إذ كان الصوم له فأقامه مقام الهدية، بل هو أسنى، و قنع الحق بثلاثة أيام‏

______________________________
إن كان تطوعا، ثم قال: «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» يقول: فإن منعكم مانع من إتمام الحج و حبسكم حابس عنه بعد إحرامكم من عدو أو مرض أو ما كان، قال تعالى: (لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) فالظاهر أن الفقر أحصرهم عن الضرب في الأرض، و هذا هو أوجه عموم الموانع، على أن الناس اختلفوا كثيرا في هذا الإحصار المذكور في هذه الآية، فما من نوع من أنواع المنع إلا و قد قال به قائل، فلا فائدة في إيراده، إذ قد أدخلناه في قولنا: [أو ما كان‏] و إذا كان ذلك كذلك، فنقول إن المحصر بالعدو اتفق الأكثرون على أنه يحل من عمرته أو حجه حين أحصر، و قالت طائفة منهم الثوري لا يتحلل إلا يوم النحر، فأما القائلون بتحلله حين أحصر اختلفوا في إيجاب الهدي، فمنهم من منع و قال لا يجب عليه هدي، و إن كان معه هدي نحره حيث أحل و هو قول مالك، و قال غيره بوجوب الهدي عليه و أن ينحره حيثما أحل، و قال أبو حنيفة يذبحه بالحرم، و أما إعادة

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص:287

في الحج رفقا به، حتى يكون قد أتى إليه بشي‏ء، فيفرح القادم بتلك التقدمة التي قدمها لربه في هذا القدوم، و أخّر السبعة إذا رجع إلى أهله، فهناك يأخذها منه، و القارن عندنا أن يهلّ بالعمرة و الحج معا، فإذا أهلّ بالعمرة ثم بعد ذلك أهلّ بالحج فهو مردف و هو قارن أيضا، و لكن بحكم الاستدراك، فمن جمع بين العمرة و الحج في إحرام واحد فهو قران، سواء قرن بالإنشاء أو بعده بزمان ما لم يطف بالبيت، و ذلك كله إن ساق الهدي، فإن لم يسق معه هديا وجب عليه الفسخ و لا بد، و القارن للعمرة و الحج يطوف لها طوافا واحدا و سعيا واحدا و حلقا واحدا أو تقصيرا، و الهدي يجزئ و لو أهدى دجاجة، و أجمعوا على أن الكفارة على الترتيب، فلا يكون الصيام إلا بعد أن لا يجد هديا، و إذا شرع في الصيام فقد انتقل واجبه إلى الصوم و إن وجد الهدي في أثناء الصوم، و صيام الثلاثة أيام ما لم ينقض شهر ذي الحجة، و أما السبعة الأيام فإذا صامها في الطريق أجزأته، و اتفق العلماء على أنه‏

______________________________
ما أحصر عنه فقال قوم لا إعادة عليه، و قال آخرون عليه الإعادة، و قال بعضهم إن كان أحرم بالحج فعليه حجة و عمرة، و إن كان قارنا فعليه حجة و عمرتان، و إن كان معتمرا قضى عمرته، و هل يقصر المحلل بالإحصار أم لا؟ فيه خلاف، و قد ثبت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم حلق رأسه حين صدّ، و أما المحصر بالمرض فذهبت طائفة إلى أنه يطوف بالبيت و يسعى بين الصفا و المروة و يتحلل بعمرة، لأن الحج إذا فاته بطول المرض ينقلب عمرة، و هو قول ابن عمر و ابن عباس و غيرهما، و قال العراقيون حكمه حكم المحصر بالعدو يحل مكانه، و يرسل هديه و يقدر يوم النحر و يحل في ذلك اليوم، و به يقول عبد اللّه بن مسعود، و قال داود و أبو ثور لا هدي عليه، و اتفقوا على إيجاب القضاء عليه، و أما من فاته الحج بغير مانع مرض أو عدو من الأسباب الموجبة لفوات الحج كالخطأ في رؤية الهلال أو عدد الأيام، فحكمه عند بعضهم حكم المحصر بالمرض، و قال بعضهم من فاته الحج بعذر غير المرض يحلل بعمرة و لا هدي عليه، و عليه إعادة الحج و الاستقصاء في هذه المسألة عندي لا يكون إلا بالجمع بين الكتاب و السنة، و ذلك أن المحصر الذي منعه مانع فوته الحج إما أن يكون قادرا على الوصول إلى البيت أو غير قادر، فإن كان متمكنا من الوصول إلى البيت فليس له أن يحل و لا ينحر هديه حتى يطوف بالبيت و يسعى، و إن كان غير متمكن أحل في موضعه، فإن كان له هدي ساقه معه نحره، و ليس عليه استئناف هدي آخر، لحديث مالك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم حل هو و أصحابه بالحديبية فنحروا الهدي و حلقوا رءوسهم و حلوا من كل شي‏ء قبل أن يطوفوا بالبيت و قبل أن يصل إليه الهدي، ثم لم يعلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم أمر أحدا

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 288

إن صامها في أهله أجزأته‏ «تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ» النصوص عزيزة و هو النص الصريح في الحكم و الأمر الجلي، فإن المتواتر و إن أفاد العلم فإن العلم المستفاد من التواتر إنما هو عين هذا اللفظ، أو العلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قاله أو عمله، و مطلوبنا بالعلم ما يفهم من ذلك القول و العمل حتى يحكم في المسألة على القطع، و هذا لا يوصل إليه إلا بالنص الصريح المتواتر، و هذا لا يوجد إلا نادرا، مثل قوله تعالى: «تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ» في كونها عشرة خاصة، فإن المنصوص و المحكم لا إشكال فيه و لا تأويل، و الألفاظ الظاهرة تحتمل معاني متعددة ما يعرف الناظر قصد المتكلم بها منها، «ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» يريد بذلك إجازة الصوم في أيام التشريق من أجل رجوعه إلى بلده، لا أن المكي ليس بمتمتع، و اتفق على أنه ليس على المكي دم، و الآية محتملة، و حاضري المسجد الحرام هم ساكنوا

______________________________
من أصحابه و لا ممن كان معه أن يقضوا شيئا و لا أن يعودوا لشي‏ء، و الحديبية موضع خارج عن الحرم فإن لم يكن معه هدي فيجب عليه أن يشتري هديا لقوله تعالى: «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» فإن تمكن له إرسال الهدي إلى الحرم لينحر هنالك، فإن شاء أرسله و هو الأولى، لحديث ناجية بن جندب الأسلمي: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بعث معه الهدي حين صد حتى نحره في الحرم، أخرجه النسائي، و هل يقدر له فلا يحل حتى ينحر؟ ليس عندنا نص في ذلك، فإن أقام على إحرامه حتى يصل الهدي إلى الحرم فبقوله تعالى: «وَ لا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» و إن لم يقم فبحديث مالك الذي ذكرناه آنفا، و إن لم يتمكن له إرسال الهدي نحره حيث صد و أحل بحديث مالك، و لا قضاء عليه فيما صد عنه و أحصر، و لا في هديه، في هذا الحديث، فإن ترجح عنده حديث الحجاج بن عمرو: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم قال: [من عرج أو كسر- زاد أبو داود- أو مرض فقد حل و عليه حجة أخرى‏] و قال أبو داود في حديثه عليه الحج من قابل، و فيه عن ابن عباس و أبي هريرة، خرج هذا الحديث النسائي، فإن أضاف إلى قضاء ما حصر عنه قضاء الهدي فبحديث أبي داود عن ابن عباس:

أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم أمر أصحابه أن يبذلوا الهدي الذي ذكره عام الحديبية في عمرة القضاء، و إن لم يقض شيئا من هذا كله فبحكم الأصل، إذ القضاء يفتقر إلى أمر من الشارع، كما يفتقر الأداء، و لا سيما و قد ورد في حديث مسلم عن عائشة قالت: دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم على ضباعة بنت الزبير فقال لها: أردت الحج؟ قالت: و اللّه ما أجدني إلا وجعة، فقال لها: حجي و اشترطي و قولي: اللهم محلي حيث حبستني، و قال الترمذي قولي: لبيك اللهم لبيك، محلي من الأرض‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 289

الحرم مما رد الأعلام إلى البيت، فإنه من لم يكن فيه فليس بحاضر بلا شك، فلو قال تعالى في حاضر المسجد الحرام كنا نقول بما جاور الحرم، لأن حاضر البلد ربضه إلى الخارج عن سوره، امتد في المساحة ما امتد، و إنما علق سبحانه ما ذكره بحاضري المسجد الحرام و هم الساكنون فيه، و معنى التمتع تحلل المحرم بين النسكين العمرة و الحج، و هذا عندي ما يكون إلا لمن لم يسق الهدي، فإن ساق الهدي و أحرم قارنا فإنه متمتع من غير إحلال، فإنه ليس له أن يحل حتى يبلغ الهدي محله، فقوله تعالى: «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ» أي المتمتع يلزمه حكم الهدي، فإن كان له هدي و هو بحالة الإفراد بالعمرة أو القران، فذلك الهدي كافيه و لا يلزمه هدي و لا يفسخ جملة واحدة، و إن أفرد بالحج و معه هدي فلا فسخ، فقوله: «إِلَى» هنا بمعنى مع، و لهذا يدخل القارن في قوله: «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ» أي مع الحج، فتعم المفرد و القارن، و أما من نوى الحج و ليس معه هدي فواجب عليه الفسخ و أن يحوّل النية إلى العمرة، و يحل ثم ينشئ الحج، ثم قال تعالى: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ».

______________________________
حيث تحبسني، زاد النسائي، فإن لك على ربك ما استثنيت، و ليس في شي‏ء من هذه الروايات الأمر بالقضاء في شي‏ء، لا فيما حصر عنه و لا في الهدي، فمن ثبت عنده ما ذكرناه من أحاديث القضاء فهي زيادة حكم يجب العمل به، و من لم يثبت عنده ذلك خيرناه، فإن شاء قضى و إن شاء لم يقض، ثم قال: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ» فإن حلق رأسه المحرم لأذى قام به من مرض و غيره‏ «فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ» ثم عيّن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قدر الفداء من كل ما وقع فيه التخيير، فقال النبي صلّى اللّه عليه و سلم لكعب بن عجرة حين أمره بحلق رأسه و هو محرم: إن شئت فأطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام، أو صم ثلاثة أيام، أو اذبح شاة، و هو مخير أن يحلق قبل الفداء أو بعده، ثم قال: «فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ» الأظهر في هذه الآية أنها في المتمتع الحقيقي، فيكون معناه و إذا لم تكونوا خائفين فتمتعتم بالعمرة إلى الحج‏ «فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» قال بعض شيوخنا و يدل على صحة هذا التأويل قوله سبحانه: (ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) و المحصر يستوي فيه حاضر المسجد الحرام و غيره، قلنا: فإذا أمنتم الموانع و قد فات الحج و سواء كان عن إحصار أو غير إحصار أحل بعمرة بلا شك، فإن حج من سنته تلك كان متمتعا فوجب عليه هدي التمتع، و إن لم يحج من

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 290

 

 

[سورة البقرة (2): آية 197]

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى‏ وَ اتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (197)

الأشهر المعلومات في الحج هي شوال و ذو القعدة و ذو الحجة عندنا، و أما العمرة ففي أي وقت شاء من السنة، و لا كراهة في تكرارها في السنة الواحدة «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ‏

______________________________
سنته فلا هدي عليه و ليس بمتمتع، [و هدي التمتع‏ إما بدنة أو بقرة، و في الشاة خلاف، و أما النسك فبأي شي‏ء كان‏ «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ» يعني الهدي‏ «فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ» فإن صامها قبل يوم النحر و بعد الإحرام بالحج فقد صامها في الحج، و إن صامها في أيام التشريق فقد صامها في الحج إذ قد بقي عليه من مناسك الحج رمي الجمار، و أستحب للمتمتع إذا أخر صيام الثلاثة الأيام إلى بعد يوم النحر أن يؤخر طواف الإفاضة حتى يصومها، ليكون صومه لها و هو متلبس بالحج قبل أن يفرغ منه، و أما غير المتمتع فالسنة أن يطوف طواف الصدر يوم النحر، ثم قال:

«وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ» يعني إذا رجعتم إلى فعل ما كان حجزه عليكم الإحرام في أي وقت شاء، في أهله و في غير أهله، و أما قوله: «تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ» و معلوم أن ثلاثة و سبعة تكون عشرة، ففائدة ذكر العشرة رفع الالتباس و الاحتمال الذي في الواو من قوله: (وَ سَبْعَةٍ) من التخيير و الإباحة بين الثلاثة و السبعة إن شاء جمع بينهما و إن شاء صام أحدهما فأي شي‏ء فعل من ذلك أجزأه، فرفع الحق هذا الالتباس بقوله: «عَشَرَةٌ» فكان الجمع و لا بد، و أما قوله: «كامِلَةٌ» يريد أنها قامت في البدل من الهدي مقام الهدي على الكمال، ثم قال: «ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» لا خلاف أن أهل الحرم لا متعة لهم، و هو ظاهر الآية، و لا أدري ما حجة من خرج عن ظاهر الآية إلى أن جعل ذلك ما دون المواقيت أو مسافة تقصر فيها الصلاة، كل ذلك تحكم من غير حجة «وَ اتَّقُوا اللَّهَ» أي احذروه‏ «أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» أي قوي العقوبة لمن لا يتقي محارمه و تعدى حدوده، و سميت عقوبة لأنها تكون عقيب الذنب، أي متأخرة عنه، ثم قال تعالى: (198) «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ» أي الزمان الذي يفرض فيه الحج أشهر معلومات، أي كانت العرب تعلمها، و هي شوال و ذي القعدة و ذي الحجة كله عندنا، و قيل […]

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 291

فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ»– شعر.

الحج فرض إلهي على الناس‏ من عهد والدنا المنعوت بالناس‏
فرض علينا و لكن لا نقوم به‏ و واجب الفرض أن نلقى على الراس‏

فإن اللّه أخبرنا أن الكعبة أول بيت وضعه للناس معبدا، و الحج في اللسان تكرار القصد إلى المقصود، و العمرة الزيارة «فَلا رَفَثَ» و هو النكاح، و قد أجمع المسلمون على أن الوطء يحرم على المحرم مطلقا، غير أنه إذا وقع فعندنا فيه نظر في زمان وقوعه، فإن وقع منه بعد الوقوف بعرفة أي بعد انقضاء زمان جواز الوقوف بعرفة من ليل أو نهار فالحج فاسد و ليس بباطل، لأنه مأمور بإتمام المناسك مع الفساد، و يحج بعد ذلك، و إن جامع قبل الوقوف بعرفة و بعد الإحرام فالحكم فيه عند العلماء كحكمه بعد الوقوف يفسد و لا بد، من غير خلاف أعرفه، و لا أعرف لهم دليلا على ذلك، و نحن و إن قلنا بقولهم و اتبعناهم في ذلك، فإن النظر يقتضي إن وقع قبل الوقوف أن يرفض ما مضى و يجدد الإحرام و يهدي، و إن كان بعد الوقوف فلا، لأنه لم يبق زمان للوقوف، و هنا بقي زمان للإحرام، لكن ما قال‏

______________________________
و عشر من ذي الحجة، و قيل تسع من ذي الحجة، و القولان سائغان في كلام العرب، لكن الحقيقة فيه أن يكون الشهر كله، و إنما يعرف ما عدا ذلك بقرينة لا بمجرد الإطلاق، و هنا في هذه الآية ما ثم قرينة تدل أنه يريد بعض الشهر، فلو أحرم الإنسان بالحج بعد فراغه من مناسك الحج جاز له ذلك، فإنه أحرم في أشهر الحج، فإنه لا خلاف عند العرب أنها تسمي ذا الحجة شهر الحج، و هو أحق بهذا الاسم من شوال و ذي القعدة، إذ ليس لك فيهما أن تفعل من أفعال الحج سوى الإحرام بالحج و السعي إن جئت البيت، و جميع المناسك تقع في ذي الحجة، فهو أولى بالاسم، ثم قال: «فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ» أي فمن أحرم فيهن بالحج‏ «فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ» فجعل حكم المحرم بالحج حكم المصلي، و لهذا تسمى التكبيرة الأولى التي يدخل بها في الصلاة تكبيرة الإحرام، و قال تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ) فقال في الحج: «فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ» فيفترقان من وجه و يجتمعان من وجه، فقوله: «فَلا رَفَثَ» قد يريد لا نكاح في الحج و هو الأظهر، و هل يتلفظ باسمه على التصريح؟ فيه خلاف، و الذين أجازوا التصريح به كابن عباس أجازه عند الرجال أو وحده، و لم يجزه عند النساء، و كان ابن عباس ينشد و هو محرم:

خرجن يمشين بنا هميسا إن تصدق الطير ننك لميسا

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 292

به أحد، فجرينا على ما أجمع عليه العلماء، مع أني لا أقدر على صرف هذا الحكم عن خاطري، و لا أعمل عليه، و لا أفتي به، و لا أجد دليلا، خرج أبو داود في المراسيل أن رجلا من جذام جامع امرأته و هما محرمان، فسأل الرجل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم فقال لهما: اقضيا نسككما و أهديا هديا، ثم ارجعا، حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما، فتفرقا و لا يرى منكما واحد صاحبه، و عليكما حجة أخرى، فتقبلان حتى إذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرقا و لا يرى منكما أحد صاحبه، فأحرما و أتما نسككما و أهديا، و على ذلك فمن جامع أهله عليه أن يمضي في مقام نسكه إلى أن يفرغ مع فساده، و لا يعتد به، و عليه القضاء من قابل على صورة مخصوصة شرّعها له الشارع‏ «وَ لا فُسُوقَ» الفسوق الخروج و هو هنا الخروج على سيده- و من باب الإشارة- الخروج على سيده، فيدعي في نعته و يزاحمه في صفاته‏ «وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ، وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ، وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى‏» التقوى هنا ما يتخذه الحاج من الزاد ليقي به وجهه من السؤال و يتفرغ لعبادة ربه، و ليس هذا هو التقوى المعروف، و لهذا ألحقه بقوله عقيب ذلك:

«وَ اتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ» فأوصاه أيضا مع تقوى الزاد بالتقوى فيه، و هو أن لا يكون إلا من وجه طيب، فجاء الأمر بالزاد، فعلمنا أنّا قوم سفر نقطع المناهل بالأنفاس، و التقوى في الزاد ما يقي به الرجل وجهه عن سؤال غير اللّه، و ما زاد على وقايتك فما هو لك، و ما ليس لك لا تحمل ثقله فتتعب به، و أقل التعب فيه حسابك على ما لا تحتاج إليه، فلما ذا تحاسب عليه، هذا لا يفعله عاقل ناصح لنفسه، و ما ثمّ عاقل، لأنه ما ثمّ إلا من يمسك الفضل و يمنع البذل، و المسافر و ماله على قلة، فإنه ما من منهلة يقطعها و لا مسافة إلا و قطاع الطريق على مدرجته، فخير الزاد ما يتقي به، و أما تقوى اللّه ففي أمره‏ «وَ اتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ».

______________________________
فقيل له: أ ترفث في الحج؟ فقال: إنما ذلك عند النساء، مثل أن يقول الرجل للمرأة و هو محرم:

إذا حللت من إحرامي نكتك، و أما قوله: «وَ لا فُسُوقَ» أي لا يتعدى المحرم شيئا من حدود اللّه مما يخرج به عن أمر اللّه، و لا سيما على من نصبه، و قد يحتمل أن يريد بالفسوق أي لا يفعل فعلا حرّم عليه، يفسد بفعله حجه. مما كان يجوز له فعله قبل الإحرام بالحج، فهو فسوق في حال الحج، و قوله: «وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ» بلا خلاف أنه منصوب على النفي و التبرئة، فهو

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 293

 

 

[سورة البقرة (2): آية 198]

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198)

رفع اللّه الحرج عمن يبتغي فضلا من ربه، و هي التجارة «فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ» و لم يخص مكانا من مكان، و عرفات كلها موقف، و عرنة من عرفات، فمن وقف بعرنة فحجه تام إلا أنه ناقص الفضيلة، فإنه موقف إبليس، فهو موضع مكروه الوقوف به من‏

______________________________
مخالف في الإعراب للفسوق و الرفث، فكان الحكم فيه أشد، و قد قيل في تفسير ذلك وجوه:

أولاها و أحسنها و أوجهها أن العرب كانت تختلف في ذلك كثيرا، و هو قوله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِي‏ءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ) فكانت العرب تحج وقتا في المحرّم و وقتا في ذي الحجة، لتجمع بين حجتين في سنة، و تنقل أسماء الأشهر بعضها لبعض في وقت، ثم ترد أسماءها عليها في وقت آخر، فتقول في صفر و ربيع الأول صفران، و في ربيع الآخر و جمادى الأولى ربيعان، و في جمادى الآخرة و رجب جمادان، و تسمي شعبان رجب، و تسمي رمضان شعبان، و تسمي شوالا رمضان، و تسمي ذا القعدة شوالا، و تسمي ذا الحجة ذا القعدة، و تسمي المحرم ذا الحجة، فتحج في المحرم تلك السنة ثم ترد أسماء الشهور عليها، فتقول لصفر صفر، و لربيعين ربيعان، و لجمادين جمادان، و لرجب رجب، و كذلك شعبان و رمضان ثم شوال، ثم ذو القعدة ثم ذو الحجة، فتحج فيه، فتكون لها حجتان في اثني عشر شهرا، فقال تعالى: «لا جِدالَ فِي الْحَجِّ» فنفى أن يعدل باسم الشهر عن مسماه، و قال النبي عليه السلام في ذلك: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلقه اللّه، السنة اثنا عشر شهرا في كتاب اللّه يوم خلق السموات و الأرض منها أربعة حرم، ذو القعدة و ذو الحجة و المحرم و رجب مضر، الذي بين جمادى و شعبان، و أبطل النسأة، فلا جدال في ذلك، ثم قال: «وَ ما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ» هذا من كرمه و لطفه التصريح بالخير و الإغضاء عن الشر، و لا شك أن من المعلوم أنه من يعلم الخير يعلم الشر، فأخبر عن علمه بالخير ليتحقق العبد الجزاء عليه، و كف عن التعريف بالعلم بالشر مع كونه عالما به، ليعلم العبد من كرم اللّه أنه قد لا يؤاخذ به و يعفو، على أنه قد كان من العرب من يعتقد ما اعتقده بعض النظار من أن اللّه لا يعلم الجزئيات، و لكن باعتبار آخر غير اعتبار النظار، و قد كان بعض العرب يعتقد أنه إذا تكلم جهرا سمعه اللّه، و إذا تكلم سرا لم يسمعه اللّه، فأخبر اللّه في هذه الآية أنه عالم بكل‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 294

أجل مشاركة الشيطان، فما أراد صلّى اللّه عليه و سلم بارتفاعه عن بطن عرنة إلا البعد من مجاورة الشيطان‏ «فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ» و هو المزدلفة، و سماها اللّه بالمشعر الحرام لنشعر بالقبول من اللّه في هذه العبادة بالعناية و المغفرة و ضمان التبعات، و وصفه بالحرمة لأنه في الحرم، فيحرم فيه ما يحرم في الحرم كله، فإنه من جملته، فأمر بذكر اللّه فيه، يعني بما ذكرناه، فإن الشي‏ء لا يذكر بأن يسمى، و إنما يذكر بما يكون عليه من صفات المحمدة، و منها الصلاة، فقد أجمع العلماء على أنه من بات بالمزدلفة و صلى فيها المغرب و العشاء و صلى الصبح يوم النحر و وقف بعد الصلاة إلى أن أسفر ثم دفع إلى منى أن حجه تام.

______________________________
ما يفعله العبد من خير في هذه العبادة و غيرها، و لم يذكر الشر لأنه لم يشرع في هذه العبادة شيئا من الشر، فهو تأكيد لقوله: «وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ» أي لا يفعل في الحج إلا ما شرع أن يفعل في الحج، و اختلفوا في نكاح المحرم و إنكاحه بمعنى العقد لا بمعنى الوطء ما حكمه؟ و في هذه المسألة عندي نظر إذا وطئ قبل الوقوف بعرفة، لأن زمان جواز وقوع الإحرام ما انصرم، و ليس هذا التفسير موضع تفريع المسائل إلا إذا تكلم في أحكام القرآن لمن يستوعب الكلام فيه بإيراد الأحاديث في الأحكام المشروعة، إذ كان الكتاب أحد الأدلة المشروعة، و قوله: «وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى‏» يحرض في هذه الآية على التكثير من الزاد لمن أراد الحج من أهل الآفاق، و تضعيفه لطول الطريق و مفازاته، و ما يطرأ فيه من العوائق، فيطول الزمان على الحاج فقال:

«وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى‏» و هو ما يقي به المرء وجهه عن السؤال عند الحاجة، فإن السؤال يذهب بماء الوجه، و لا شك أنه من لم يتزود و لا استكثر من الزاد في الغالب فإنه ما وقى وجهه عن السؤال، إذ كان معرضا للحاجة، فهذا معنى التقوى هنا، و كذا قوله: (وَ لِباسُ التَّقْوى‏ ذلِكَ خَيْرٌ) من هذا الباب، غير أنه على وجه آخر و نسق غير هذا، ثم قال مما يؤيد ما ذهبنا إليه في تفسير التقوى: «و اتقوني يا أولي الألباب» فخاطب أهل العقول و الاستبصار، و هم الخاصة من عباده الذين نوّر اللّه قلوبهم بالعقل عن اللّه، فقال لهم: «و اتقوني يا أولي الألباب» إذ كان أصحاب الزاد يتخذونه اتقاء الحاجة، فأنا أولى من يتقى، إذ كان بيدي إنزال الحاجة و رفعها، فالعالم العاقل عن اللّه الأديب يستكثر من الزاد في طريق الحج اتقاء اللّه أن ينزل به الحاجة إليه، إذ العبد معرض لذلك و لو بلغ ما بلغ، قال أيوب عليه السلام: (مَسَّنِيَ الضُّرُّ) و قال عليه السلام: (أخرجني الجوع) و العامة من العباد يستكثرون من الزاد اتقاء الحاجة إليه مع الغفلة عن اللّه، فلهذا ضمنت الآية النوعين من التقوى، العام و الخاص، ثم قال: (199) «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ» الآية، يقول لا إثم عليكم في هذه العبادة

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 295

إشارة-

[عرفات و جمع و المزدلفة]

عرفات هي موقف حصول المعرفة باللّه، فإنه لما وصل الحاج إلى البيت، و نال من العلم باللّه ما نال، و نال من المبايعة و المصافحة ليمين اللّه تعالى ما يجده أهل اللّه في ذلك، و حصل من المعارف الإلهية في طوافه بالبيت و سعيه و صلاته بمنى، أراد اللّه أن يميز له ما بين العلم الذي حصل له في الموضع المحرم، و بين المعرفة الإلهية التي يعطيه اللّه المحل في الحل و هو عرفة، فإن معرفة الحل تعطي رفع التحجير عن العبد، و هو في حال إحرامه محجور عليه لأنه محرم بالحج، فيجمع في عرفة بين معرفته باللّه من حيث ما هو محرم و بين معرفة اللّه من حيث ما هو في الحل، فتميز العبد بالحجر لبقائه على إحرامه أنه ليس فيه من الحق المختار شي‏ء، و تميز الحق بالحل أنه غير محجور عليه فهو يفعل ما يريد، و لما كان يوم عرفة ثلاثة أرباع اليوم، من زوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر، و كان ينبغي أن لا نسمى عارفين باللّه، حتى نعلم ذاته و ما يجب لها من كونها إلها، فإذا عرفناه على هذا الحد فقد عرفناه، و هذا لا يكون، فإن المعرفة باللّه على التمام و الكمال لا تكون، فإن يوم عرفة ثلاثة أرباع اليوم، فإنا لما بحثنا بالأدلة العقلية و أصغينا إلى الأدلة الشرعية، أثبتنا وجود الذات و جهلنا حقيقتها، و أثبتنا الألوهة لها، فهو نصف المعرفة بكمالها، و الربع وجودها أعني وجود الذات المنسوبة إليها الألوهة، أما الربع الذي لا يعرف فهو معرفة حقيقتها،

______________________________
المشروعة لإقامة ذكر اللّه، خرج أبو داود عن النبي عليه السلام [أن المناسك شرعت لإقامة ذكر اللّه‏] فربما يتوهم العبد أنه لا ينبغي أن يذكر اللّه فيها إلا بما يخص جنابه من الإجلال و التعظيم و ما تستلزمه تلك العبادة على الخصوص، فأباح اللّه لعباده فيها أن يطلبوا منه فضله من خير الدنيا من المال و الولد و الأهل ما لم يكن، و من خير الآخرة، و لهذا خصه بالاسم الرب، إذ بيده مصالح الدنيا و الآخرة، و هو مالك الملك، و قد يريد بابتغاء الفضل هنا التجارة في هذا اليوم، فرفع الإثم لمن اتجر فيه بحيث أن لا يمنعه ذلك من ذكر اللّه و لا يشغله عن عبادته، و يجعل تجارته في ذلك اليوم من جملة عبادته، و لهذا قال: «فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ» فما عرى هذا الفضل المطلوب عن الإضافة إليه، أي لا أغيب عنكم في حال طلبكم لهذا الفضل و اطلبوه مني، فإني الذي أسوق إليكم الأرباح، و الفضل الزيادة، و الربح زيادة على رأس المال، و ما أمر اللّه بطلبه منه في ذلك اليوم إلا و هو تعالى قد علم أنه يعطيه، فإن خسر التاجر في ذلك اليوم و نقصه من رأس ماله، أو لم يزد عليه شي‏ء، فهي علامة له على غفلته عن اللّه في طلب الفضل منه في وقت تجارته و بيعه و شرائه‏ «فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ» يقول: إذا دفعتم من عرفات، اسم لموضع الوقوف في الحج، و يحتمل‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 296

فلم نصل إلى معرفة حقيقتها و لا يمكن الوصول إلى ذلك، و الزائد على الربع الذي جهلناه أيضا هو جهلنا بنسبة ما نسبناه إليها من الأحكام، فإنا و إن كنا نعرف النسبة من كونها نسبة، فقد نجهل النسبة الخاصة لجهلنا بالمنسوب إليه، فالذي بأيدينا من المعرفة علمنا بوجود الذات و علمنا نسبة الألوهة لها، لا كيفية النسبة، و هو نصف المعرفة، و هو علم بصفات التنزيه و السلوب، و الربع الثالث المعرفة بصفات الأفعال و النسب، أما الربع الرابع فلا يعرف أبدا، و كذلك ما جهلنا من نسبة ما وصف الحق به نفسه من صفة التشبيه، فلا ندري كيف ننسب إليه، مع إيماننا به، و إثباتنا له هذا الحكم مع جهلنا، لكن على ما يعلمه اللّه من ذلك- أما قوله تعالى‏ «فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ» فالمزدلفة من الزلفى و هو القرب، فالوقوف في المزدلفة هو مقام القربة، و الاجتماع بالمعروف فيها، و هو تجل خاص منه لقلوب عباده، و لهذا سميت جمعا، «وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ» و الذكر في طريق اللّه لا يختص بالقول فقط، بل تصرف العبد إذا رزق التوفيق في جميع حركاته، لا يتحرك إلا في طاعة اللّه تعالى، من واجب أو مندوب إليه، و يسمى ذلك ذكر اللّه، أي لذكره في ذلك الفعل أنه للّه بطريق القربة سمي ذكرا، فجميع الطاعات كلها من فعل و ترك إذا فعلت أو تركت لأجل اللّه فذلك من ذكر اللّه، أن اللّه ذكر فيها، و من أجله فعلت أو تركت على حكم ما شرع فيها، و هذا هو ذكر الموفقين من العلماء باللّه.

______________________________
أن يكون علما له مسمى باسم الجمع، أو يكون اسم جمع كمسلمات، واحده عرفة، يقول:

«فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ» و هو المزدلفة و هو جمع، و هو من مناسك الحج، و اختلفوا فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام فيه، هل فاته الحج أو لم يفته؟ فمن جعل ذلك ركنا، قال بفوات الحج إذا فاته، و من لم يجعله ركنا كان حكمه حكم ما ليس بركن، و قوله: «عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ» جعله ظرفا للذكر فيها «وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ» هذا الذكر الآخر لا يختصّ بهذا الموضع و لا بهذه العبادة، بل يعمّ ذكره جميع الأحوال، و قوله: «كَما هَداكُمْ» يقول: مثل ما ذكرتم عند هدايته إياكم من الضلال الذي كنتم عليه، فمعناه كما أنه اعتنى بكم سبحانه بما بينه لكم من الطريق التي تؤدي إلى سعادتكم و كنتم بها جاهلين، قال تعالى: (وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى‏) فاذكروه أنتم شكرا على هذه النعمة، بقبولكم ما هداكم له و مشيكم عليه و اتباعكم سبيله تعظيما له، فإنه من أهدى إليك هدية عناية منه بك، فقبولك إياها دون ردها، فيه تعظيم لجناب المهدي، و شكرك له على ذلك ثناء على ثناء، و ذكر على ذكر، و لهذا كرره في هذا الموضع ملصقا

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 297

[سورة البقرة (2): الآيات 199 الى 200]

ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200)

أمر اللّه بذكر اللّه في أيام التشريق، فإن العرب كانت في هذه الأيام في الموسم تذكر أنسابها و أحسابها لاجتماع قبائل العرب في هذه الأيام، تريد بذلك الفخر و السمعة، فهذا معنى قوله: «كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ» أي اشتغلوا بالثناء على اللّه بما هو عليه على طريق الفخر إذ كنتم عبيده، و فخر العبد بسيده، فإنه مضاف إليه، و أكبر من ذلك من كونه منه، قال صلّى اللّه عليه و سلم: (مولى القوم منهم) و لا فخر للعبد بأبيه، بل فخره بسيده، و إن افتخر العبد بأبيه فإنما يفتخر به من حيث أن أباه كان مقربا عند سيده، لأنه عبد مثله، ممتثلا لأمره واقفا عند حدوده و رسومه، فإنه أيضا عبد اللّه، فلهذا قال: «كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ» أي أديموا

______________________________
به، فقال: «فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ» و من الهداية وقوفنا بعرفات، إذ كانت الحمس لا تقف إلا بالمزدلفة اختصاصا لها على سائر الناس، لشرفها و تميزها بشفوفها في ذلك الموضع على سائر الناس، فهدى اللّه نبيه إلى ما هو الحق عنده من الوقوف في ذلك اليوم بعرفة، و هو قوله: «وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ» في وقوفكم بالمزدلفة، و قوله: (200) «ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ» الأوجه في تأويلها يخاطب الحاج، يقول لهم: ثم أفيضوا كما أفضتم من عرفات إلى المزدلفة، أفيضوا من المزدلفة إلى منى، و قوله: «مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ» يريد قريشا فإن قريشا كانت تفيض من المزدلفة، فلم تكن لهم سوى إفاضة واحدة من المزدلفة إلى منى، و الوجه الآخر: أن يكون الضمير يعود على قريش، يقول لهم: «ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ» يعني من عرفات، فتكون‏ «ثُمَّ» هنا قد سيقت لترتيب الجمل اللفظية، لا لترتيب المعنى، إذ لم يكن في الآيات المذكورة ذكر للحمس، و إنما خاطب في هذه الآيات كل من حج من أحمس و غيره، فحملها على ما قلناه أولى في التأويل، فإنه على التأويل الثاني يكون هذا التأخير يراد به التقديم، فيكون موضعه بعد قوله: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِّ) «ثُمَّ أَفِيضُوا» يعني الحمس و من تحمّس‏ «مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ»

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 298

ذكر آبائكم في هذا الموطن في قلوبكم و ألسنتكم، فإن اللّه تعالى يقول: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ) فما نهاهم عن ذكر آبائهم، و لكن رجح ذكر اللّه على ذكرهم آباءهم بقوله: «أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً» و هو الموصي عباده بقوله: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ) أي كونوا- أنتم من إيثار ذكر اللّه و الفخر به من كونه سيدكم و أنتم عبيد له- على ما كان عليه آباؤكم.

[سورة البقرة (2): الآيات 201 الى 203]

وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ (201) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (202) وَ اذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى‏ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)

إن الناس اختلفوا في الإعادة من المؤمنين القائلين بحشر الأجسام، و نحن نثبت الحشر في النشأة الروحانية المعنوية مع الحشر المحسوس في الأجسام المحسوسة، و الميزان المحسوس‏

______________________________
من عرفات، و يكون الناس هنا من بقي على ملة إبراهيم في الوقوف بعرفة في ذلك اليوم، و على هذا أكثر أهل التأويل، و فيه بعد في سياق الآية و إن كان صحيح المعنى، و الذي ذهبنا إليه أقرب بالمساق، ثم قال: «وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ» إشعار بما كان عليه من الخطأ من وقف يوم عرفة بجمع، و قد يكون الاستغفار طلبا من العباد إلى اللّه أن يضمن التبعات عنهم لأربابها بإرضاء الخصوم، حتى ينقلبوا من حجهم مطهرين من جميع الذنوب، و ما أمرهم بالاستغفار في هذا الموطن إلا و هو يغفر لهم، و لو لم يكن كذلك لم يكن للاستغفار المأمور به على التعيين فائدة، فقال: «إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ» إذا استغفر تموه‏ «رَحِيمٌ» بكم حيث أمركم أن تستغفروه، ثم قال:

(201) «فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ» في هذا المساق إشعار و نوع حجّة لمن لا يرى أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، لأنه ما ذكره على التعيين كما ذكر الإحرام بفرض الحج، و ذكر عرفات و ذكر المزدلفة يقوي من احتج بالحديث في أنه من لم يدرك من الليل المزدلفة و لا صلى مع الإمام صلاة الصبح لم يدرك الحج، فما ذكر إلا هؤلاء و ما بقي أدخله في ذكر المناسك، فقال: «فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ» الآية، يقال: منسك بكسر السين و هو الاسم و منسكا بفتح‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 299

و الصراط المحسوس، و النار و الجنة المحسوستين، فإن كل ذلك حق، و أعظم في القدرة، فإن ثمّ نشأتين، نشأة الأجسام و نشأة الأرواح و هي النشأة المعنوية، و لو لا أن الشرع عرّف بانقضاء هذه الدار، و أن كل نفس ذائقة الموت، و عرف بالإعادة، و عرف بالدار الآخرة،

______________________________
السين، يقال نسك ينسك نسكا و نسيكة و منسكا إذا ذبح نسكه بفتح السين، و يجمع على مناسك، و النسك أيضا العبادة و الزهد، و المنسك الموضع المشروع للعبادة فيه، و مناسك الحج من ذلك، فإنها أماكن مخصوصة و أفعال مخصوصة، و هي ما بين فرض و سنة و استحباب، فقال تعالى: «فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ» أي الأفعال التي شرعناها لكم في أماكنها، على حد ما شرعناها من واجب و غيره‏ «فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ» يدل على أن عادتهم كانت جارية منهم في ذلك الزمان بعد فراغ المناسك يذكرون آباءهم و يفتخرون بأنسابهم، و يقومون النسابون في ذلك الوقت فيذكرون الأنساب، و حكاية أبي بكر الصديق مع الأعرابي مذكورة بحضور النبي عليه السلام، فلما كان لهم بذكر آبائهم في ذلك الموطن شدة عناية، قال اللّه لهم: «فَاذْكُرُوا اللَّهَ» مثل ذكركم آباءكم، أي افتخروا باللّه و اذكروا نعمه عليكم كما تذكرون آباءكم‏ «أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً» يقول: بل أكثر ذكرا، لأن الذي تنسبونه لآبائكم من الفخر الذي تفخرون به إنما هو من عطائي و نعمتي، و أنا أحق بالذكر، و إنما قرر ذكر الآباء بالخير من البر بالوالدين و الإحسان لهم، و قد قرر الشارع ذلك لعباده فقال: (أَنِ اشْكُرْ لِي) و هو قوله: «أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً» (وَ لِوالِدَيْكَ) و هو قوله:

«كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ» و قال: (وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) (وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً) و لم يخص سبحانه بهذا الذكر الذي أمرنا به ذكرا من ذكر، لكن نبه بما ذكر بعد ذلك أن الدعاء من الذكر المطلوب هنا، إذ كان من دعاك فقد ذكرك، و ليس كل من ذكر دعا، فقال تعالى: «فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ» (202) «وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ» يقول: فمن الناس‏ «مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا» يطلب من اللّه خيرا في الدنيا، و ما له في الدعاء في خير الآخرة «مِنْ خَلاقٍ» أي من نصيب، و هذا حالة من اشتدت ضرورته في الدنيا حتى أنسته الآخرة، فأخبر اللّه تعالى عنه أنه ما جعل للآخرة في دعائه نصيبا و «منهم» يعني من الناس‏ «مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً» أي حالة حسنة في كل شي‏ء و من كل شي‏ء «وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً» أي حالة حسنة كذلك، «وَ قِنا عَذابَ النَّارِ» يعم عذاب الدنيا و الآخرة، إذ يجمعهما العذاب، فإن النار قد تكون في الدنيا رحمة لإصلاح معايش الناس، فالمسئول الوقاية من عذابها، و من خصص التأويل بحسنة دون حسنة فقد قيد ما أطلقه اللّه في الإخبار عنهم، و الناس يسألون بحسب أغراضهم،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 300

و عرف أن الإقامة فيها في النشأة الآخرة إلى غير ما نهاية ما عرفنا ذلك، و ما خرجنا في كل حال من موت و إقامة و بعث أخروي و جنان و نعيم و نار و عذاب بأكل محسوس و شرب محسوس و نكاح محسوس و لباس على المجرى الطبيعي، فعلم اللّه أوسع و أتم، و الجمع بين العقل و الحس و المعقول و المحسوس أعظم في القدرة و أتم في الكمال الإلهي، فالأولى بكل ناصح نفسه الرجوع إلى ما قالته الأنبياء و الرسل على الوجهين المعقول و المحسوس، إذ لا دليل للعقل يحيل ما جاءت به الشرائع، فألزم الإيمان نفسك تربح و تسعد إن شاء اللّه.

______________________________
و أما من ذهب من أهل التأويل إلى أن القائلين‏ «رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ» أنهم الذين لا رغبة لهم فيما عند ربهم من الأجر و الثواب في الآخرة عن قصد، فما هم بمؤمنين و لا قضى هذا منسكا مشروعا قط، و الظاهر أن الحق سبحانه ما قسم إلا الذين قضوا مناسكهم، و قوله: (203) «أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا» يعم الفريقين، و أما الفريق الثاني فلا شك فيه، و أما الفريق الأول الذين غفلوا عن طلب خير الآخرة لشغلهم بما غلب عليهم من ضيق الدنيا، فأخبر تعالى أن لهم نصيبا في الآخرة مما كسبوه من الأعمال في الحج، و ما لهم من حيث دعاؤهم في الآخرة نصيب، و أما الآخرون فلهم نصيب من أعمالهم و لهم نصيب في الآخرة أيضا من دعائهم في ذلك، ثم نبه سبحانه بقوله: «وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ» لتعجيل نيل ما كسبوه من أعمالهم، أخبر أنه يحاسبهم سريعا ليفضوا إلى نعيمهم، فهي بشرى لهم سرعة الحساب لمن يحاسب، و فيه فائدة أخرى ليتنبه طالب الدنيا بأنه محاسب على ما يؤتيه اللّه منها، فيكون معظم طلبه ما يتعلق بجانب الآخرة و يقلل من ذكر طلب الدنيا، إذ الدنيا جواز ليس له منها إلا سد جوعة و ستر عورة بأي نوع كان، (204) «وَ اذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ» الأيام المعدودات هي أيام التشريق، و هي أربعة أيام بيوم النحر، و إنما أمر اللّه بالذكر في هذه الأيام فإنها كما قال عليه السلام:

[أيام أكل و شرب و بعال‏] و هذه أسباب مؤدية إلى الغفلة عن ما يجب علينا من شكر اللّه على ما أعاننا عليه من قضاء مناسكه، و ما أسبغ علينا من نعمه التي كان حرمها علينا في حجنا، و أمرنا بالذكر و شرع في هذه الأيام التكبير إدبار الصلوات و الدعاء عند رمي الجمار، و قسم الجمار على الأيام كلها، كل ذلك حتى لا نغفل، و لم يقيد الذكر في هذه الأيام المعدودات كما قيده في الأيام المعلومات على ما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء اللّه، و أرسل الذكر هنا مطلقا حتى يعم جميع الأذكار بجميع النعم، إذ كان عقيب فراغ من عبادات جمة و نعم متوالية، فسبحان العليم الحكيم، مرتب الأمور مواضعها، و قوله: «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ» يريد يومين بعد يوم‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 301

[سورة البقرة (2): آية 204]

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى‏ ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (204)

الإنسان ألد الخصام حيث خاصم فيما هو ظاهر الظلم فيه، و ليس إلا الربوبية.

[سورة البقرة (2): الآيات 205 الى 206]

وَ إِذا تَوَلَّى سَعى‏ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (205) وَ إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْسَ الْمِهادُ (206)

حد جهنم بعد الفراغ من الحساب و دخول أهل الجنة الجنة من مقعر فلك الكواكب الثابتة إلى أسفل سافلين، هذا كله يزيد في جهنم مما هو الآن ليس مخلوقا فيها، و لكن ذلك‏

______________________________
النحر، من تعجل فيهما فنفر في اليوم الثاني فلا إثم عليه، و فيه وجهان: الوجه الواحد أنه مغفور له سواء عجل أو أخر، ما ينفر إلا و هو مغفور له، و الوجه الآخر، من تعجل فنفر في اليوم الثاني فلا إثم في تعجيله حيث ترك اليوم الثالث‏ «وَ مَنْ تَأَخَّرَ» إلى اليوم الثالث‏ «فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ» لتأخيره إذ كان التعجيل مشروعا، و كان يمكن أن يكون منهيا عنه، و كان التأخير مشروعا و كان يمكن أن يكون منهيا عنه، فلما كان التعجيل و التأخير مشروعين، ارتفع الإثم بترك كل واحد منهما لا بتركهما معا، و قوله: «لِمَنِ اتَّقى‏» أي من كان تعجيله و تأخيره من حيث ما هو مشروع له فقد اتقى، و قوله: «وَ اتَّقُوا اللَّهَ» يعني في المستأنف، فإنه مغفور له بحجه، فليتق اللّه فيما بقي من عمره، فأمره اللّه بذلك و أعلمه أنه إليه يحشر يوم القيامة، فقال: «وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» ليلزم طريق الاستقامة، فهو إيقاظ له لئلا تجنح النفس و تسكن إلى ما تقدم من مغفرة اللّه له في حجه (205) «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» الآيات، إلى قوله:

(وَ لَبِئْسَ الْمِهادُ) هؤلاء الآيات و إن كانت نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، فهي عامة في كل من هو بهذه الصفة من النفاق و الفساد، يقول: «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ» لما فيه من اللين و اللطف عند ما يلقاك أو يلقى أحباءك‏ «وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى‏ ما فِي قَلْبِهِ» من غير ذلك من العداوة و البغضاء لك، و هذا لا يكون ممن يعرف أنه نبي و يجحد ما هو متيقن بصدقه، لقوله:

«وَ يُشْهِدُ اللَّهَ» أي أنه يقول لربه: اشهد عليّ أني عدو لهذا، و أني أعتقد فيه أنه كاذب، على‏

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 302

معد حتى يظهر، إلا الأماكن التي عيّنها اللّه، فإنها ترجع إلى الجنة يوم القيامة، مثل الروضة التي بين منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و بين قبره صلّى اللّه عليه و سلم، و كل مكان عينه الشارع، و كل نهر، فإن ذلك كله يصير إلى الجنة، و ما بقي فيعود نارا كله و هو من جهنم، و الجنة و جهنم عندنا مخلوقتان غير مخلوقتين، فأما قولنا مخلوقة، فكرجل أراد أن يبني دارا فأقام حيطانها كلها الحاوية عليها خاصة، فيقال قد بنى دارا، و غير مخلوقة هو ما يوجد فيها نتيجة أعمال العباد.

______________________________
جهة القربة إلى اللّه، فإنه أمكن في العداوة لاتخاذه ذلك دينا، و لو كان يعلم أنه حق لقال: و يشهد اللّه بفتح الياء و رفع اللّه على الفاعلية «وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ» أي شديد الخصومة في الحالتين، إذا نازعه أحد فيه صلّى اللّه عليه و سلم خاصمه أشد الخصومة تحببا للنبي صلّى اللّه عليه و سلم و تملقا له، و إذا نازعه أحد في صدق نبوة محمد أنه على الحق في محل لا يعرف أنه يصل إليه ذلك الكلام، خاصمه أشد الخصومة في الرد على النبي و الكفر به و لهذا وصفه بما قال: (206) «وَ إِذا تَوَلَّى» يقول: و إذا غاب عنك‏ «سَعى‏ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها» أي بالفساد «وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ» بحرق الزرع و عقر البقر «وَ النَّسْلَ» بالقتل‏ «وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ» إبقاء على من أنزلت من أجله هذه الآية، ليرجع إلى الإسلام، و هو من القول اللين الذي أمر اللّه نبيه موسى و هارون أن يقولا لفرعون فقال: (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ) و إن كان قد علم سبحانه أنه لا يتذكر و لا يخشى، فقال: «وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ» فنفى عن نفسه حب الفساد، لعله يرجع عن هذه الصفة، و لم يسمه لقوله: «وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى‏ ما فِي قَلْبِهِ» لقصده التقرب بذلك إليه سبحانه، ثم قال ينبه على شرفه في نفسه، و تمكن الكبرياء من قلبه، و أنه بمحل من العظمة في نفسه أن يقول له من هو في نفسه دونه اتق اللّه، فقال: (207) «وَ إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ» كبر ذلك عليه لا تكبرا على اللّه و لكن احتقارا بالمخاطب، فأخبر تعالى أنه‏ «أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ» أي حمية الجاهلية «بِالْإِثْمِ» أي على الإثم الذي ينهى عنه، فيفعله لجاجا و عزة على القائل له هذا، فأخبر سبحانه المؤمنين ليريحوا أنفسهم من مثل هذا المتكبر، فقال: «فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ» أي كفايته جهنم، أي جهنم تكفيكم شره‏ «وَ لَبِئْسَ الْمِهادُ» يذم مقره فيها، قال السدي: نزلت هذه الآيات في الأخنس بن شريق ابن عمرو بن وهب بن أبي سلمة الثقفي، و اسم أمه ريطة بنت عبد اللّه بن أبي قيس القرشي، من بني عامر بن لؤي، و كان حليفا لبني زهرة، أقبل إلى النبي صلّى اللّه عليه و سلم فأظهر الإسلام، فأعجب النبي صلّى اللّه عليه و سلم ذلك منه، و قال: إنما جئت أريد الإسلام و اللّه يعلم أني لصادق، ثم خرج من عند النبي صلّى اللّه عليه و سلم، فمر بزرع لقوم من المسلمين و حمر، فأحرق الزرع و عقر الحمر، فنزلت الآيات، و قال ابن عباس: نزلت في رجال من المنافقين، لما أصيبت السرية أصحاب خبيب بالرجيع،

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 303

[سورة البقرة (2): الآيات 207 الى 209]

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (207) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)

«فَإِنْ زَلَلْتُمْ» من زل إذا زلق‏ «مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ» أي لا يتوصل أحد إلى معرفة كنه الألوهية أبدا، و لا ينبغي لها أن تدرك، عزت و تعالت علوا كبيرا «حَكِيمٌ» فإن الحق تعالى ما هو فعله مع الأغراض التي أوجدها في عباده، و إنما هو مع ما تطلبه الحكمة، و الذي اقتضته الحكمة هو الواقع في العالم، فعين ظهوره هو عين الحكمة، فإن فعل اللّه لا يعلل بالحكمة بل هو عين الحكمة، فإنه لو علل بالحكمة لكانت الحكمة هي الموجبة له ذلك، فيكون الحق محكوما عليه، و الحق تعالى لا يكون محكوما عليه.

______________________________
بين مكة و المدينة، قال المنافقون: يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا [كذا]، لا هم قعدوا في بيوتهم و لا هم أدوا رسالة صاحبهم، فأنزل اللّه هذه الآية، ثم قال: (208) «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ» الآية، لما باع المؤمن نفسه من اللّه، و اشتراها اللّه منه، أخبرنا بذلك فقال: «وَ مِنَ النَّاسِ» عامة «مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ» و هو المؤمن يبيع نفسه من اللّه بالجهاد في سبيله، أو كلمة حق عند أمير جائر، يغلب على ظنه أنه يقتله إذا أمره بمعروف أو نهاه عن منكر، طلبا لمرضاة اللّه، أي ليرضى اللّه عنه بذلك، «وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» حيث لم يعزم عليهم في ذلك، و لا كلفهم، بل وسع عليهم على ثلاثة أنحاء، فقال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: [من رأى منكم منكرا فليغيره بيده- فهذا أقواهم إيمانا- فإن لم يستطع فبلسانه- و هذا ضعف عن الأول- فإن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الإيمان ليس وراء ذلك مثقال حبة من خردل من إيمان‏] فهذا من رأفته بعباده (209) «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً» نزلت في جماعة من مؤمني أهل الكتاب، منهم عبد اللّه بن سلام، استأذنوا النبي صلّى اللّه عليه و سلم في أن يعملوا ببعض ما في التوراة من أمر السبت و غيره، فنزلت‏ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» أي صدقوا بما جاء من عندنا «ادْخُلُوا»

رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج‏1، ص: 304

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *

دکمه بازگشت به بالا
-+=