تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق) سورة نوح- عليه السلام-
سورة نوح- عليه السلام-
[1- 6]
[سورة نوح (71): الآيات 1 الى 6]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (1) قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَ يُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4)
قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَ نَهاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِراراً (6)
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ بالمجاهدة و الرياضة في سبيله وَ اتَّقُوهُ بالتجرّد عما سواه حتى صفاتكم و ذواتكم وَ أَطِيعُونِ بالاستقامة يَغْفِرْ لَكُمْ ذنوب آثار أفعالكم و صفاتكم و ذواتكم وَ يُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ معين لا أجل بعده، و هو الفناء في التوحيد إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ الذي هو توفيه إياكم بذاته إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ بوجود غيره بل يفنى كل ما عداه لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي في مقام الجمع بين الظلمة و النور إلى التوحيد فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً لأنهم كانوا بدنيين ظاهريين لا يرون النور إلا للضوء الجسماني و لا الوجود إلا للجواهر الجسمانية الغاسقة، فينفروا عن إثبات نور مجرد أنوارهم بالنسبة إليه ظلمات.
[7- 9]
[سورة نوح (71): الآيات 7 الى 9]
وَ إِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَ أَصَرُّوا وَ اسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَ أَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (9)
وَ إِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ و تسترهم بنورك تصاموا عنه لعدم فهمهم و قصور استعدادهم أو زواله وَ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ و تستروا بأبدانهم و التحفوا بها لشدّة ميلهم إليها و تعلقهم بها و احتجابهم وَ أَصَرُّوا على ذلك و لم يعزموا التجرّد وَ اسْتَكْبَرُوا لاستيلاء صفات نفوسهم و استعلاء غضبهم ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً نزلت عن مقام التوحيد و دعوتهم إلى مقام العقل و عالم النور ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ بالمعقولات الظاهرة وَ أَسْرَرْتُ لَهُمْ في مقام القلب بالأسرار الباطنة ليتوصلوا إليها بالمعقولات.
[10- 12]
[سورة نوح (71): الآيات 10 الى 12]
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (11) وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (12)
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ أي: اطلبوا أن يستركم ربّكم بنوره فتتنوّر قلوبكم و تكاشفوا
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 373
بالحقائق الإلهية و الأسرار الغيبية يُرْسِلِ سماء الروح عَلَيْكُمْ مِدْراراً بأمطار المواهب و الأحوال وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ المكاسب و المقامات وَ بَنِينَ التأييدات القدسية من عالم الملكوت وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ الصفات في مقام القلب و أنهار العلوم.
[13- 14]
[سورة نوح (71): الآيات 13 الى 14]
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (13) وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (14)
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً أي: تعظيما يوقركم بالترقي في الدرجات إلى عالم الأنوار وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً كل طور أشرف مما قبله و كان حالكم فيه أحسن و شرفكم أزيد مما تقدمكم، فما بالكم لا تقيسون الغيب على الشهادة و المعقول على المحسوس و المستقبل على الماضي فترتقون إلى سماء الروح بسلم الشريعة و العلم و العمل كما ارتقيتم بسلم الطبيعة و الحكمة و القدرة في أطوار الخلقة.
[15- 16]
[سورة نوح (71): الآيات 15 الى 16]
أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (15) وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (16)
أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً من مراتب الغيوب السبعة المذكورة ذات طبقا بعضها فوق بعض وَ جَعَلَ قمر القلب فِيهِنَّ نُوراً زائدا نوره على نور النفس و نجوم القوى وَ جَعَلَ شمس الروح سِراجاً* باهرا نوره.
[17- 20]
[سورة نوح (71): الآيات 17 الى 20]
وَ اللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَ يُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (18) وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (19) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً (20)
وَ اللَّهُ أَنْبَتَكُمْ من أرض البدن نَباتاً ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها بميلكم إليها و تلبسكم بشهواتها و لذاتها و بهيئات نفوسكم الجسمانية و غواشيكم الهيولانية وَ يُخْرِجُكُمْ بالبعث منه في مقام القلب عند الموت الإرادي وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ تلك الْأَرْضَ بِساطاً لِتَسْلُكُوا مِنْها سبل الحواس فِجاجاً خروقا واسعة أو من جهتها سبل سماء الروح إلى التوحيد، كما
قال أمير المؤمنين عليه السلام: «سلوني عن طرق السماء فإني أعلم بها من طرق الأرض»
، أراد الطرق الموصلة إلى الكمال من المقامات و الأحوال كالزهد و العبادة و التوكل و الرضا و أمثال ذلك، و لهذا كان معراج النبي صلى اللّه عليه و سلم بالبدن.
[21- 24]
[سورة نوح (71): الآيات 21 الى 24]
قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَ اتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَ وَلَدُهُ إِلاَّ خَساراً (21) وَ مَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً (22) وَ قالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَ لا تَذَرُنَّ وَدًّا وَ لا سُواعاً وَ لا يَغُوثَ وَ يَعُوقَ وَ نَسْراً (23) وَ قَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً (24)
وَ اتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَ وَلَدُهُ إِلَّا خَساراً من رؤساءهم المتبوعين أهل المال و الجاه
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 374
المحجوبين عن الحق الهالكين الذين خسروا نور استعدادهم بالاحتجاب بهما و بالأولاد و الأتباع أو المحجوبين بأموال العلوم الحاصلة بالعقل الشيطاني المشوب بالوهم و نتائج فكرهم المقتضية لمحبة البدن و المال لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ أي: معبوداتكم التي عكفتم بهواكم عليها من ودّ البدن الذي عبدتموه بشهواتكم و أحببتموه و سواع النفس و يغوث الأهل و يعوق المال و نسر الحرص.
[25- 26]
[سورة نوح (71): الآيات 25 الى 26]
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً (25) وَ قالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (26)
مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أي: من أجل أعمالهم المخالفة للصواب أُغْرِقُوا في بحر الهيولى، فَأُدْخِلُوا نار الطبيعة.
[27]
[سورة نوح (71): آية 27]
إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً (27)
إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ملّ عن دعوة قومه و ضجر و استولى عليه الغضب و دعا ربّه لتدمير قومه و قهرهم و حكم بظاهر الحال أن المحجوب الذي غلب عليه الكفر لا يلد إلا مثله، فإن النطفة التي تنشأ من النفس الخبيثة المحجوبة و تتربى بهيئتها المظلمة لا تقبل إلا نفسا مثلها، كالبذر الذي لا ينبت إلا من صنفه و سنخه. و غفل أن الولد سر أبيه، أي: حاله الغالبة على الباطن فربما كان الكافر باقي الاستعداد، صافي الفطرة، نقيّ الأصل بحسب الاستعداد الفطري و قد استولى على ظاهره العادة و دين آبائه و قومه الذين نشأ هو بينهم فدان بدينهم ظاهرا و قد سلم باطنه فيلد المؤمن على حاله النورية كولادة أبي إبراهيم إياه فلا جرم تولد من تلك الهيئة الغضبية الظلمانية التي غلبت على باطنه و حجبته في تلك الحالة عما قال مادة ابنه كنعان، فكان عقوبة لذنب حاله.
[28]
[سورة نوح (71): آية 28]
رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً (28)
رَبِّ اغْفِرْ لِي أي: استرني بنورك بالفناء في التوحيد و لروحي و نفسي اللذين هما أبوا القلب وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ أي: مقامي في حضرة القدس مُؤْمِناً بالتوحيد العلمي و لأزواج الذين آمنوا بي، أي: و نفوسهم فبلغهم إلى مقام الفناء في التوحيد وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ الذين نقصوا حظهم بالاحتجاب بظلمة نفوسهم عن عالم النور إِلَّا تَباراً هلاكا بالغرق في بحر الهيولى و شدّة الاحتجاب، و اللّه تعالى أعلم.
تفسير ابن عربى(تأويلات عبد الرزاق)، ج2، ص: 375