تفسیر ابن عربى(رحمه من الرحمن) سوره البقره آیه 153-۱8۲
[سورة البقرة (2): آية 153]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)
لما أمر اللّه عباده المؤمنين بالذكر و الشكر أمرهم أن يستعينوا على ذلك بالصبر و الصلاة،
______________________________
فحدث) و من حدث بها فما سترها، و قال عليه السلام: [التحدث بالنعم شكر]، و كفران النعم على وجهين، كفر بمعنى الجحد و الستر لها لجهله بالمنعم الحق سبحانه، و هم الذين يعتقدون أن اللّه لا يعلم الجزئيات، و الوجه الآخر من كفرها وقوف العبد مع الأسباب التي حصلت النعم عليه عندها لغفلته، و هذه حالة أكثر المؤمنين، و كأنه يقول في هذه الآية: «وَ لا تَكْفُرُونِ» كما كفر أهل الكتاب بما أنعمت عليهم فيما قد أخبرتكم في قولي: (يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا)* (يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا)* في غير ما موضع من كتابي و أبنت لكم عن كفرهم بنعمي، فلا تكفرون أنتم كما كفروا، ثم أيّه سبحانه بالمؤمنين من عباده فقال: (154) «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 226
و أخبرهم بأن اللّه مع الصابرين عليها و على كل مشقة ترضي اللّه مما كلف عباده بها، لأن الصبر من المقامات المشروطة بالمشقات و المكاره و الشدائد المعنوية و الحسية، فجعل الصبر هنا للتطابق في قوله: (وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ) فالصلاة هنا و الصبر عليها و هو الدوام و الثبات و حبس النفس عليها مؤثرة في الذكر و الشكر، فالصبر هنا هو قوله: (وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها) فلذلك ذكر الصبر مع الصلاة، فكما يؤثر الصبر على الذكر و الشكر في الذكر و الشكر، كذلك يؤثر في الصلاة سواء، و تؤثر الصلاة من حيث الصبر عليها في الذكر و الشكر، و من حيث هي صلاة، فإن اللّه أمرنا بذكره و شكره، و الفاتحة تجمع الذكر و الشكر، و هي التي يقرؤها المصلي في قيامه و التسبيح في ركوعه و سجوده، و قال اللّه تعالى: «اسْتَعِينُوا»* على ذكري و شكري «بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ»* فلولا ما علم الحق بأن الصلاة معينة للعبد لما أمره بها، فإنه أنزلها منزلة نفسه، فإن اللّه قال للعبد: قل: (وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) يعني في عبادتك، فجعل للعبد أن يستعين بربه، و أمره أن يستعين في ذكره و شكره بالصلاة، فناهيك يا ولي من حالة و صفة و حركات و فعل أنزله الحق في أعظم الأشياء و هو ذكر اللّه منزلة نفسه، فكأنه من دخل في الصلاة قد التبس بالحق، و الحق هو النور و لهذا قال: [الصلاة نور] فأنزلها منزلة نفسه، قال صلّى اللّه عليه و سلم: [و جعلت قرة عيني في الصلاة] و قرة عيني ما تسر به عند الرؤية و المشاهدة، و قد أقام الحق الصبر و الصلاة مقام نفسه في المعونة، و المصلي يناجي ربه و يشاهده في قلبه، ففي حال المناجاة و الشهود لا يجرأ أحد من المخلوقات يقرب من عبد تكون حالته هذه خوفا من اللّه، و هذا المصلي قليل، و لكن نرجو أن يشفع ظاهر العبد في باطنه، و القدر من الحضور المرعي شرعا هو من الباطن يتأيد مع الفعل الظاهر، فيقوي على ما يقع للمصلي من الوسوسة في الصلاة، فلا يكون لها تأثير في نقص نشأة الصلاة عناية من اللّه.
______________________________
وَ الصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» لما تقدم مقالات أهل الكتاب و غيرهم مما آذوا به اللّه و رسوله و المؤمنين، قال اللّه للمؤمنين: «اسْتَعِينُوا»* على ما تجدونه في أنفسكم من الآلام لذلك و طلب الانتقام منهم و مؤاخذتهم «بِالصَّبْرِ»* أي بحبس نفوسكم عن الاشتغال بهم إن اللّه صبور مع الصابرين، فتخلقوا بأخلاقه مع كونه قادرا على أخذهم، و يسمع أذاهم و يعلم في ذلك سرهم و نجواهم، و أنتم إنما تسمعون ذلك منهم في أوقات متفرقة، و استعينوا أيضا بالصلاة، أي اشتغلوا
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 227
[سورة البقرة (2): آية 154]
وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154)
لما تقرب الشهداء بأنفسهم إلى اللّه في قتال أعداء اللّه كانت لهم الحياة الدائمة و الرزق الدائم و الفرح بما أعطاهم اللّه، فلا يقال في الشهداء أموات لنهي اللّه عن ذلك، لأن اللّه أخذ بأبصار الخلق عن إدراك حياتهم، كما أخذ بأبصارهم عن إدراك الملائكة و الجن مع معرفتنا أنهم معنا حضور، و لا نعتقد أيضا في الشهداء أنهم أموات بقوله تعالى:
(وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ) و خبر اللّه صدق، فثبتت لهم الحياة لما قصدوا القربة إلى اللّه بنفوسهم، فما مات من قتله أعداء اللّه في سبيل اللّه، فجمع اللّه لهم بين الحياتين، فالمقتول في سبيل اللّه في معترك حرب الكفار حي يرزق، و لذلك لا يغسل، و إنما أمرنا بغسل الميت، و هذا الشهيد الخاص
______________________________
بمناجاتي و الحديث معي عن ذلك، و قصد إلى الصلاة دون سائر العبادات من الفرائض و النوافل لوجهين: الواحد أنه ما ثم عبادة تتضمن مناجاة الحق و الحديث معه و أن يقول معه، و يقول له إلا الصلاة، فهي مشغلة للعبد عن ما سواها، فقيل استعن بالصلاة، فإن الصوم ليس فيه شغل بحديث مع اللّه و لا غيره، ثم إن فرضه شهر في السنة، و الزكاة كذلك، و الحج مرة في العمر، و الجهاد متى ما حضر عدو، و نوافل هذه العبادات كذلك، إنما تكون في أزمان بعيدة، و الصلاة مستصحبة ليلا و نهارا، فرضها و نافلتها، و أوقات النهي إذا كان على طهارة ينتظر الصلاة فهو في صلاة، فما أمرهم الحق إلا بما يكون لهم معونة بلا شك على ذلك، و وجه آخر أن الصبر هنا في هذه الآية هو جهادهم و قتالهم، أي احبسوا نفوسكم على قتالهم و الفتك فيهم، فإن اللّه معكم مؤيد و ناصر، و هو الأظهر، فإنه سبحانه أردف هذه الوصية بقوله: (وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ) و هو الأوجه في تفسير الصبر هنا على الجهاد، و لما كان القتال مشغلا عن الصلاة، أوصى بالصلاة، أي أنّ الاشتغال بها أمام العدو مع احتداد القتال على معاينة منهم لذلك، إرهاب في قلوبهم، ليعلموا أن في مقابلتهم رجالا لا يشغلهم خوف هجوم عدوهم عليهم في حال صلاتهم عن صلاتهم، و أيضا يقول لهم اللّه: لما أمرتكم بالصبر الذي هو حبس النفس على قتال الأعداء عن الصلاة إذا حضر وقتها لا يشغلكم ذلك، فإن في حضوركم معي فيها تقوية لكم و معونة، فإنها مذكرة لكم أنكم بعيني و أني معكم، و من قتل منكم فإنه لا يموت، بل هو حي عندي، فقال تعالى: (155) «وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ» لا يلزم من
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 228
لا يقال فيه إنه ميت و لا يحسب أنه ميت، بل هو حي بالخبر الإلهي الصدق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و لكن اللّه أخذ بأبصارنا عن إدراك الحياة القائمة به كما أخذ بأبصارنا عن إدراك أشياء كثيرة، كما أخذ أيضا بأسماعنا عن إدراك تسبيح النبات و الحيوان و الجماد و كل شيء، و لذلك قال تعالى: «وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ» بحياتهم، كما يحيي الميت عند السؤال و نحن نراه من حيث لا نشعر، و نعلم قطعا أنه يسأل، و لا يسأل إلا من يعقل، و لا يعقل إلا من هو موصوف بالحياة، فنهينا أن نقول فيهم أموات، و أخبرنا أنهم أحياء و لكن لا نشعر.
[سورة البقرة (2): آية 155]
وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)
الجوع بئس الضجيع، و هذه كلها أسباب بلاء يبتلي اللّه به عباده حتى يعلم الصابرين منهم، و هو العالم بالصابر منهم و غير الصابر ثم قال: «وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ» على ما ابتليتهم به من ذلك، فحبسوا نفوسهم عند الحدود و لم يتعدوها مطلقا.
______________________________
كون الإنسان حيا كونه مجتمع الأجزاء على هيئة مخصوصة، أو ذا دم سائل أو ذا نفس، و إنما يلزمه قيام الحياة به مجتمع الأجزاء كان أو مفرق الأجزاء و غير ذلك، و لا يلزم لروحه أن لا تدبر هذه الأجزاء إلا على هذه الهيئة المخصوصة، بل يجوز أن تدبرها على غير هذه الهيئة، و لا يلزم من قيام الحياة به أن ندرك كونه حيا، فإن الحياة ليست من إدراك الحواس، و إذا تقرر هذا، فقد يكون الشهيد في سبيل اللّه حيا و لا نشعر بذلك، لوقوفنا مع العادة في عدم الحركة و التنفس من المقتول، فقال تعالى في حق الشهداء في سبيل اللّه: «وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ» أي لا تعلمون بحياتهم على العادة التي عهدتموها، يقوي بذلك نفوس المؤمنين الذين قال لهم: (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ)* فإن قتلتم فإلينا تنقلبون أحياء لا تموتون، إذ كان الخوف من الموت عند اليأس أشد الخوف، فأمنهم اللّه من ذلك، و لما قال قائل، إنما نهينا أن نقول خاصة، قلنا في قوله: «بَلْ أَحْياءٌ» جوابك، ثم زاد اللّه في بيان ذلك قوله: (وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً) أي كما قلت لك لا تقل إنهم أموات، لا تعتقد أيضا أنهم أموات، و العلم ليس محله اللسان مثل قوله، فنهينا عن الأمرين عن القول و الاعتقاد، ثم قال: (156) «وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ» الآية، و ذلك أنه سبحانه لما أمر المؤمنين بالصبر على أذى نفسي
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 229
[سورة البقرة (2): آية 156]
الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (156)
ثم من فضله و رحمته نعت لنا الصابرين لنسلك طريقهم، و نتصف بصفاتهم عند حلول الرزايا و المصائب التي ابتلى اللّه بها عباده، فقال في نعت الصابرين: «الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» يريد في رفعها عنهم، و قولهم: «إِنَّا لِلَّهِ» فهم للّه في حالهم «وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» عند مفارقة الحال، فالرجوع فيها إلى اللّه ليزول عنه ألمها، فأثنى اللّه على من يقول إذا أصابته مصيبة «إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» و أخبر بما يكون منه لمن هذه صفته و بما لهم منه تعالى في ذلك فقال:
______________________________
غير محسوس، و هو ما يجدونه في أنفسهم من قول الكفار، قد يمكن أن يكون منهم دعوى في الصبر، فقال لهم اللّه: إني ابتليتكم بأمور محسوسة تتألم النفوس لأجلها، فإن صبرتم عندها و احتسبتم و لم يشغلكم ذلك عن عبادتي و رجعتم إليّ في ذلك كله، فسأبشركم بما لكم عندي لذلك، فقال تعالى: «وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ» أي بقليل «مِنَ الْخَوْفِ» أي من الأسباب المخيفة، من جمع عدو لكم لا طاقة لكم بدفعه، حتى أرى هل تخافون غيري، أو ترجعون في دفع ذلك إليّ لعلمكم بأن ذلك من تسليطي، ثم قال: «وَ الْجُوعِ» أي و قلة الرزق و عدمه حتى يمسكم الجوع، فنرى هل ترجعون في دفع ألم الجوع إليّ أو إلى الرزق، ثم قال: «وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ» موت الإبل و الغنم، فإنها أموالهم قد خصوها بهذا الاسم، و قلوبهم منوطة بها «وَ الْأَنْفُسِ» بطاعون يسلطه عليهم «وَ الثَّمَراتِ» بالجوائح، فإن احتسبوا ذلك و صبروا على ما كلفهم اللّه من عبادته في كل ما ابتلاهم به و لم يشغلهم ذلك صدقوا في صبرهم، فبشرهم اللّه فقال: «وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ» ثم نعت الصابر ليعلم من هو الصابر عنده سبحانه الذي يصح له البشرى من اللّه، لأن ذلك لا يدرك إلا بإعلامه، فقال في نعت الصابرين: (157) «الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ» نالتهم مصيبة، أي نزلت بهم رزية في أموالهم و أنفسهم، أية مصيبة كانت مشتق من صاب المطر إذا نزل «قالُوا إِنَّا لِلَّهِ» أي إنا خلقنا للّه لا لأنفسنا، أي لنعبده، لأنه يقول: (وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ما خلقنا لرزق و لا لنعيم و لا بؤس، فما كان من اللّه إلينا من خير فمن فضله و منته، و ما كان من غير ذلك فمن حكمه و قضائه، فالواجب علينا القيام بوظيفتنا من عبادتنا في هذه الأحوال المختلفة من النعيم و البؤس «وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» فيها على حسب ما كلفنا، فإن كلفنا بالسؤال له في دفعها رجعنا إليه سائلين متضرعين داعين في دفع ذلك عنا من حيث ما أمرنا،
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص:230
[سورة البقرة (2): آية 157]
أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)
«أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ» يقول إن اللّه يشكرهم على ذلك «وَ رَحْمَةٌ» و الرحمة لا يكون معها ألم، فرحمته بإزالة المصيبة عنهم «وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» الذين بانت لهم الأمور على ما هو الأمر عليه في نفسه، فإن كل ما حصل عنده أمانة إلى وقتها، فسميت مصيبة في حقه لنزولها به، و كانت تنبيها من الحق له ليرجع إليه، و لا يرجع إلا من خرج.
[سورة البقرة (2): آية 158]
إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (158)
الحج هو تكرار القصد، فيتكرر القصد من الناس و الجن و الملائكة للكعبة في كل سنة للحج الواجب و النفل، و في غير زمان الحج و حاله يسمى زيارة لا حجا و هو العمرة، و العمرة الزيارة، و تسمى حجا أصغر لما فيها من الإحرام و الطواف و السعي و أخذ الشعر أو منه و الإحلال، و لم تعم جميع المناسك فسميت حجا أصغر بالنظر إلى الحج الأكبر الذي يعم استيفاء جميع المناسك، و لهذا يجزئ القارن بينهما طواف واحد و سعي واحد لمسمى
______________________________
لتكون عبادة، لا من حيث دفعها عنا من حيث ما هو دفع و رفع، فإذا فعلوا ذلك كانت البشرى لهم، قوله: (158) «أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ» يريد كثرة الرحمة، فجمعها لأنه نكر المصيبة، و هي تقتضي عموم المصائب، فجعل الجزاء مطابقا في التعميم و التنكير، أي تنزل عليهم الصلوات و الرحمة كما نزلت بهم المصيبة، نزول بنزول، و قال: «مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ» فإن الربوبية تقتضي صلاح الأمور «وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» أي هم الذين أبان اللّه لهم أنهم ما خلقهم إلا ليعبدوه، فاهتدوا بأن لزموا ما خلقوا له، (159) «إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ» الآية، الصفا و المروة موضعان مرتفعان بمكة معروفان، كان على عهد المشركين على الصفا صنم من حجر اسمه أساف، و على المروة آخر يسمى نائلة، كان المشركون إذا سعوا بين الصفا و المروة يتمسحون بهما تبركا، و الحج القصد إلى الشيء على التكرار، و الاعتمار الزيارة، و التطوع نوافل العبادات، و الجناح الإثم، و الشعائر الأعلام، و البيت هنا الكعبة، و التطواف التردد على الشيء مرارا، فقال تعالى:
«إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ» أي هذين الموضعين «مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ» أي من المناسك التي جعل اللّه الوقوف
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 231
الحج لها، و هكذا فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم في قرانه في حجة وداعه التي قال فيها: [خذوا عني مناسككم] فالحج الأكبر له زمان خاص، و العمرة لا تختص بزمان دون زمان، فحكمها أنفذ في الزمان من الحج الأكبر، و حكم الحج الأكبر أنفذ في استيفاء المناسك من الحج الأصغر، ليكون كل واحد منهما فاضلا مفضولا «إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما» طافت هاجر أم اسماعيل عليه السلام بين الصفا و المروة، و هرولت في بطن الوادي سبع مرات تنظر إلى من يقبل من أجل الماء لعطش قام بابنها إسماعيل، فخافت عليه من الهلاك، و الحديث مشهور، فجعل اللّه فعل هاجر من السعي بين الصفا و المروة و قرره شرعا، و إنما يبدأ بالصفا لأن اللّه تهمم بها في الذكر فبدأ بها، و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم لما جاء في حجة وداعه إلى السعي بين الصفا و المروة: [أبدأ بما بدأ اللّه به] فبدأ بالصفا و اقترأ الآية، فمن أراد أن يحصل علم اللّه في خلقه فليقف عند ترتيب حكمته في الأشياء، فيقدم ما قدمه اللّه و يؤخر ما أخره اللّه، فإن من أسمائه المقدم و المؤخر، فإن أخرت ما قدمه أو قدمت ما أخره فهو نزاع خفي يورث حرمانا، فقفوا على مشاعر اللّه التي بيّنها لكم و لا تتعدوا ما رسم لكم، و ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم ذلك إلا تعليما لنا و لزوم الأدب مع اللّه، و لو لا أنه جائز له أن يبدأ بالمروة في سعيه لما قال هذا، و رجح ما بدأ اللّه به على ما في المسألة من التخيير من أجل الواو، فإنه ما بدأ اللّه به إلا لسر يعلمه، فمن لم يبدأ به حرم فائدته، و قد قال صلّى اللّه عليه و سلم: [خذوا عني مناسككم]، و تقديم الصفا في السعي من المناسك، و هكذا فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، و قال اللّه: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) و قال: (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)، و قال:
[من رغب عن سنتي فليس مني] فأبان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم عن مراد اللّه منّا في هذه العبادة، فالأولى ألا نتصرف بالاختيار لما تقدم من بيان الشارع الذي هو العبد المحقق محمد صلّى اللّه عليه و سلم، فلم يقدم السعي على الطواف و لا المروة على الصفا في السعي، و لما رقي صلّى اللّه عليه و سلم على الصفا حتى رأى البيت استقبل القبلة فوحد اللّه و كبره، و قال: لا إله إلا اللّه وحده أنجز وعده،
______________________________
عليهما و السعي بينهما لمن حج أو اعتمر قربة إليه سبحانه، و علما من أعلام القرب في الحج إلى اللّه «فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ» الألف و اللام للتعريف و العهد، يقول فمن قصد البيت حاجا «أَوِ اعْتَمَرَ» أو معتمرا «فَلا جُناحَ» أي فلا إثم «عليه عند اللّه»
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 232
و نصر عبده، و هزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انتصبت قدماه في بطن الوادي أسرع حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا ثم فعل مثل ذلك حتى بلغ سبع أشواط و ختم بالمروة، و اتفق العلماء أن من شرط السعي الطهارة من الحيض و ليس من شرطه الطهارة من الحدث، و الطهارة أولى، و السعي سنة فإن خرج عن مكة و لم يسع فليس عليه أن يعود و عليه دم، و اتفق العلماء أن السعي ما يكون إلا بعد الطواف بالبيت، و أنه من سعى قبل الطواف يرجع فيطوف «وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ» ما سمى الحق نفسه بالاسم الشاكر و الشكور إلا لنزيد في العمل الذي شرع لنا أن نعمل به، كما يزيد الحق النعم بالشكر منا، فإن الشكر يقتضي الزيادة لذاته من المشكور مما شكر من أجله، فإذا علم ذلك علم أن الحق تعالى يطلب الزيادة من عباده في دار التكليف مما كلفهم فيها من الأعمال، فهو يشكر عباده طلبا للزيادة منهم مما شكرهم عليه مثل ما قال لعباده (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) فطلب سبحانه من عباده بشكره أن يزيدوه فزادوه من العمل، و هو قوله صلّى اللّه عليه و سلم: [أ فلا أكون عبدا شكورا] فزاد في العبادة لشكر اللّه له شكرا، فزاد الحق في الهداية و التوفيق في موطن الأعمال حتى إلى الآخرة حيث لا عمل و لا ألم على السعداء، و أردف سبحانه وصف نفسه بالشكر وصفه بالعلم، لأن مرتبة العلم تعطي أن وقوع خلاف المعلوم محال، و الشكور من أسماء اللّه تعالى، هو ببنية المبالغة، و هذا الاسم مختص في حق من أعطاه من العمل ما تعين على جميع أعضائه و قواه الظاهرة و الباطنة في كل حال بما يليق به، و في كل زمان بما يليق به، فيشكره الحق على ذلك بالاسم الشكور، و أما العامة فدون هذه الرتبة في أعمال الحال و الزمان، فإذا أتوا بالعمل على هذا الحد من النقص تلقاهم الاسم الشاكر
______________________________
«أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما» أي إذا طاف بينهما، فإن المؤمنين خافوا أن يكون عليهم إثم في الطواف بينهما من أجل الصنمين اللذين كانا عليهما، فلم يريدوا التأسي بالمشركين، فأخبر اللّه المؤمنين أنه لا إثم عليهم في ذلك لكون الحق جعل ذلك مشروعا للمؤمنين «وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً» فمن فعل من أفعال الخير ما ندب إليه و لم يجب عليه «فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ» يشكره على ذلك «عَلِيمٌ» أي يعلم أن العبد إذا تقرب إلى اللّه بما لا يجب عليه أن ذلك من تعظيم اللّه في نفسه، قال الأعرابي للنبي عليه السلام حين ذكر له فرض الحج: هل عليّ غيره؟ قال: لا إلا أن تطوع، فجعل فعل ما لا يجب تطوعا،
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 233
لا الشكور، فهم على كل حال مشكورون-
[إشارة في العمرة]
إشارة في العمرة- زيارة أهل السعادات للّه في الدنيا بالقلوب و الأعمال، و في الآخرة بالذوات و الأعيان، و العمرة من حيث هي عمرة لا تصح إلا بمكة، و لما فيها من الشهود الذي يكون به عمارة القلوب تسمى عمرة.
[اشاره فى السعى]
إشارة- كان على الصفا أساف و على المروة نائلة، فلا يغفل الساعي بين الصفا و المروة ذلك، فعند ما يرقى في الصفا يعتبر اسمه من الأسف، و هو حزنه على ما فاته من تضييع حقوق اللّه تعالى عليه، و لهذا يستقبل البيت بالدعاء و الذكر، ليذكره ذلك فيظهر عليه الحزن، فإذا وصل إلى المروة و هو موضع نائلة، يأخذه من النيل و هو العطية، فيحصّل نائلة الأسف أي أجره، و يفعل ذلك في السبعة الأشواط، لأن اللّه امتن عليه بسبع صفات ليتصرف بها و يصرّفها في أداء حقوق اللّه، لا يضيع منها شيئا، فيأسف على ذلك، فيجعل اللّه له أجره في اعتبار نائلة بالمروة، إلى أن يفرغ، أما الرمل بين الميلين، فلأنه بطن الوادي، و بطون الأودية مساكن الشياطين، فيرمل في بطن الوادي ليخلص معجلا من الصفة الشيطانية، و التخلص من صحبته فيها إذ كانت مقره، ثم إن السعي في هذا الموضع جمع الثلاثة الأحوال، و هو الانحدار و الترقي و الاستواء، و ما ثم رابع، فحاز درجة الكمال في هذه العبادة، أعطى
______________________________
و كأن الحق في هذه الآية حيث ذكر اسم الشاكر أنه يحرض عبده و يطلب منه الزيادة من النوافل، كما أنه سبحانه يزيد الشاكر النعم لشكره، كما قال تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) وصف نفسه سبحانه بأنه يشكر عبده على ما تطوع به ليزيد في تطوعه، فكان تنبيها، و اختلف الناس في السعي بين الصفا و المروة في الحج هل هو واجب أم لا؟ فإن النبي عليه السلام قال في حجة الوداع:
[خذوا عني مناسككم] فأمر، فمعناه عندي أن يؤخذ من المناسك ما بيّن أنه فرض على جهة الفرضية و الوجوب، و ما بيّن أنه سنة أمر أن يؤخذ على أنه سنة لا على أنه فرض، و كذلك التطوع، فمتعلق الأمر إنما هو أخذ الحكم على الفعل بالوجوب و غيره، فقال جماعة منهم مالك و الشافعي و ابن حنبل و ابن راهويه إنه فرض واجب، و حجتهم قول النبي عليه السلام حين سعى بين الصفا و المروة [اسعوا فإن اللّه كتب عليكم السعي] و قد تكلم في هذا الحديث، و هم يرون أن الأصل في أفعاله في هذه العبادة الوجوب إلا ما خرج بدليل، و قد ذكرنا معنى قوله عليه السلام:
[خذوا عني مناسككم] و خرج الخبر في الآية مخرج الأمر عندهم، و قال الكوفيون: هو واجب، و هو عندهم دون الفرض و فوق التطوع، و على تاركه دم و ليس بركن من أركان الحج، و قال أنس و ابن عباس و غيرهما هو تطوع، و احتجوا بالآية «فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما»
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 234
ذلك الموضع، و هو في كل حال سالك، فانحداره إلى اللّه، و صعوده إلى اللّه، و استواؤه مع اللّه، و هو في كل ذلك باللّه عن أمر اللّه، فهو في كل حال مع اللّه للّه، فمن سعى و وجد في حال سعيه ما تعطيه حقيقة الحجارة- و منها الصفا و المروة- من الخشية و الحياة و العلم باللّه و الثبات في مقامهم فقد سعى، و حصل نتيجة سعيه، فانصرف من مسعاه حي القلب باللّه، ذا خشية من اللّه، عالما بقدره و بما له و للّه، و إن لم يكن كذلك فما سعى بين الصفا و المروة، و اعلم أنه لما كان الكمال غير محجور على النساء، و إن كانت المرأة أنقص درجة من الرجل فتلك درجة الإيجاد لأنها وجدت عنه، و ذلك لا يقدح في الكمال، لذلك جعل اللّه فعل هاجر من السعي بين الصفا و المروة، و قرره شرعا في مناسك الحج، فالخواطر النفسية إذا أثرت الشفقة و السعي في حق الغير أثر القبول في الجناب الإلهي.
[سورة البقرة (2): الآيات 159 الى 163]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (159) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (163)
[فى التوحيد الاول]
خاطب اللّه في هذه الآية المسلمين و الذين عبدوا غير اللّه قربة إلى اللّه، فما عبدوا إلا اللّه، فلما قالوا (ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى) فأكدوا و ذكروا العلة فقال اللّه لنا:
إن إلهكم و الإله الذي يطلب المشرك القربة إليه بعبادة هذا الذي أشرك به «واحد»، كأنكم
______________________________
كما قال: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا) و مذهب عائشة الطواف بينهما على الوجوب (160) «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ» في هذه الآية دليل على لحوق الإثم بمن سئل عن علم من علوم الدين فكتمه، و أنه يجب عليه أن يفتيه إذا علم ذلك و لا يتوقف، و قد ورد في الخبر [استوصوا بطالب العلم
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 235
ما اختلفتم في أحديته فقال: «وَ إِلهُكُمْ» فجمعنا و إياهم «إِلهٌ واحِدٌ»، فما أشركوا إلا بسببه فيما أعطاهم نظرهم، و من قصد من أجل أمر ما فذلك الأمر على الحقيقة هو المقصود لا من ظهر أنه قصد، و لهذا ذكر اللّه أنهم يتبرءون منهم يوم القيامة، و ما أخذوا إلا من كونهم فعلوا ذلك من نفوسهم لا أنهم جهلوا قدر اللّه في ذلك، أ لا ترى الحق لما علم هذا منهم كيف قال «وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ»، و نبههم فقال (سَمُّوهُمْ) فيذكرونهم بأسمائهم المخالفة أسماء اللّه، و الأسماء الإلهية كلها للمرتبة أي لمرتبة الألوهية إلا الاسم الواحد خاصة، فهو اسم خصيص بالذات المقدسة التي لها نعوت الكمال و التنزيه، لا يشاركها في حقيقته من كل وجه أحد لا من الأسماء و لا من المراتب و لا من الممكنات، و اعلم أن العبد الحق لا ينبغي أن يضاف إليه شيء، فهو المضاف و لا يضاف إليه، فإذا أضاف السيد نفسه إليه فهو على جهة التشريف و التعريف، مثل قوله «وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ».– راجع سورة الأنبياء آية 108- «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ» هذا هو أول توحيد يذكر في القرآن من الستة
______________________________
خيرا، و من سئل عن علم فكتمه ألجمه اللّه بلجام من نار] و قد نهى اللّه نبيه عن انتهار سائل العلم تعليما لنا، فقال: (و أما السائل فلا تنهر) لأنه قال له: (وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى) أي حائرا ما كنت تدري ما الكتاب و لا الإيمان، يقول: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ» أي يخفون «ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ» يقول: من الأدلة على صدق ما جاء به «وَ الْهُدى» في الكتاب المنزل عليهم «مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ» من أجل الناس فيه، فأخفوه عما لا يعرف الكتاب، و هم المقلدة الأميون «أُولئِكَ» إشارة إلى الكاتمين ذلك «يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ» يطردهم اللّه عن كل ما فيه راحة لهم و خير في الدار الآخرة، فإن اللعن في اللسان الطرد و اللعين المطرود «وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ» يحتمل وجهان: الوجه الواحد أن تكون لعنتهم إياهم قولهم: [لعنهم اللّه] على جهة الدعاء، و الوجه الآخر يوم القيامة حين تطردهم الملائكة عن الجنة إذا عاينوها في قوله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) فذلك لعنة اللاعنين، ثم استثنى منهم من رجع عن ذلك الكتمان (وَ أَصْلَحَ)* أي و عمل صالحا (وَ آمَنَ)* باللّه و رسله صدقا من قلبه (وَ بَيَّنُوا) و أعلموا من لا يعرف الكتاب من الأميين المقلدين ما أنزل اللّه و بيّنه في كتابه من الأدلة على صدق رسله و وعده و وعيده و أحكامه، فقال: (161) «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ» أي أرجع عليهم برحمتي، فأنعم عليهم بالخير الذي طردتهم عنه «وَ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» قد تقدم تفسيره، ثم قال فيمن لم يتب و مات على كفره (162) «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ» يقول: من استصحبه حال الكفر حتى مات
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 236
و الثلاثين توحيدا المذكورة في القرآن، و هو توحيد الواحد بالاسم الرحمن الذي له النفس، فبدأ به فنفى الألوهية عن كل أحد وحّده الحق تعالى إلا أحديته، فأثبت الألوهية لها بالهوية التي أعادها على اسمه الواحد، و أول نعت نعته به الرحمن لأنه صاحب النفس، و سمي هذا الذكر تهليلا من الإهلال و هو رفع الصوت، أي إذا ذكر بلا إله إلا اللّه ارتفع الصوت الذي هو النفس الخارج به على كل نفس ظهر فيه غير هذه الكلمة، و لهذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم:
[أفضل ما قلته أنا و النبيون من قبلي لا إله إلا اللّه] و ما قالها إلا نبي، لأنه ما يخبر عن الحق إلا نبي، فهو كلام الحق، فأرفع الكلمات لا إله إلا اللّه، و هذه الكلمة اثنا عشر حرفا، فقد استوعبت في هذا العدد بسائط أسماء الأعداد و هي اثنا عشر، ثلاث عقود (العشرات و المئين و الآلاف)، و من الواحد إلى التسعة، ثم بعد هذا يقع التركيب بما لا يخرج عن هذه الآحاد إلى ما يتناهى، و هو هذه الاثنا عشر ما لا يتناهى، و هو ما يتركب منها، فلا إله إلا اللّه و إن انحصرت في هذا العدد في الوجود فحزاؤها لا يتناهى، فبها وقع الحكم بما لا يتناهى، فبقاء الوجود الذي لا يلحقه عدم بكلمة التوحيد و هي لا إله إلا اللّه، فهذا من عمل نفس الرحمن فيها، و لهذا ابتدأ به في القرآن و جعله توحيد الأحد، لأن عن الواحد الحق ظهر العالم.
______________________________
عليه «أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ» أي يستصحبهم الطرد من اللّه «وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ» فعمّ الناس و هو قوله تعالى فيهم يوم القيامة (إنهم يكفر بعضهم ببعض و يلعن بعضهم بعضا) و ما عداهم فهو مؤمن، و المؤمن بلا شك يلعنه بلعنة اللّه مع الملائكة، فلهذا عمّ بقوله الناس، ثم أردفه بقوله:
(163) «خالِدِينَ فِيها» يعني في اللعنة مقيمين «لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ» ما لهم وقت راحة منه «وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ» يؤخرون عن العذاب، قال تعالى: (وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ) أي يؤخر إلى أن يجد ما يؤدي به دينه، ثم قال: (164) «وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ» الأظهر في هذه الآية وحدانيته في الألوهية و نفيها عمن سواه، و ليس في ظاهر الآية عند العرب نفي ما سوى الألوهية عنه، و إن كان دليل العقل يعطي و يقضي بأن ذاته لا جنس لها و لا مثل و لا تنقسم، و نحن إنما نريد تفسير الآية بمقتضى كلام العرب بالنظر إلى خصوص هذا اللفظ المعين في هذه الآية، فليس إلا ما ذكرناه و الحمد للّه، و لما نزلت هذه الآية في توحيده سبحانه أكثر المشركون من ذلك التعجب و قالوا: (أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ)
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 237
[سورة البقرة (2): آية 164]
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)
الآيات المعتادة هي التي لا خبر لنفوس العامة بكونها حتى يفقدوها، فإذا فقدوها عرفوا في ذلك الوقت موضع دلالتها و قدرها، و أنهم كانوا في آية و هم لا يشعرون، لذلك قال تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» إلى آخر الآية «وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ» حدث الليل و النهار بخلق الشمس في اليوم و قد كان اليوم موجودا، فجعل النصف من هذا اليوم لأهل الأرض نهارا، و هو من طلوع الشمس إلى غروبها، و جعل النصف الآخر منه ليلا، و هو من غروب الشمس إلى طلوعها، و اليوم عبارة عن المجموع، فتكرار الملوان بالاسم لا بالعيان، و دار الفلك فحدث الجديدان، «وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها» ما وضع اللّه الأسباب سدى إلا لنقول بها و نعتمد عليها اعتمادا إلهيا، أعطت الحكمة الإلهية ذلك، فالحكيم الإلهي الأديب
______________________________
و أكثروا الإنكار في ذلك و طالبوا النبي عليه السلام بالدليل على أحديته، فأنزل اللّه تعالى (165) «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» فجعل وجود كل ما ذكره في هذه الآية دليلا على أحديته لمن يعقل موضع الدليل من الذي ذكره، كما قال تعالى في التنبيه لهم على موضع الدلالة مما ذكره (لَوْ كانَ فِيهِما) يعني في السماء و الأرض (آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) فإنه قد أجمعنا مع المشركين على ثبوته سبحانه، و خالفونا في الأحدية فكان الدليل المنصوب لهم من عند اللّه على أحديته أنه لو كان له شريك في فعله يسمى إلها، لكان لا يخلو إما أن يختلفا في كون الشيء أو يتفقا، فإن اختلفا فالذي ينفذ اقتداره هو الإله، و الذي يعجز ليس بإله، و إن
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 238
من ينزل الأسباب حيث أنزلها اللّه، فمن يشاهد الوجه الخاص في كل منفعل يقول إن اللّه يفعل عندها لا بها، و من لا يشاهد الوجه الخاص يقول: إن اللّه يفعل الأشياء بها، فيجعل الأسباب كالآلة يثبتها و لا يضيف إليها، كالنجار الذي لا يصل إلى عمل صورة تابوت أو كرسي إلا بآلة القدوم و المنشار و غيرهما من الآلات، مما لا يتم فعله إلا بها لا عندها، فيثبتها و لا يضيف صنعة التابوت إليها، و إنما يثبت ذلك للنجار صاحب التدبير و العلم بما يظهر عنه، «وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ» اعلم أن العرب لما أرادت تعريف الرياح حتى تجعل لها أسماء تذكرها بها لتعرف، استقبلت مطلع الشمس، فسمت كل ريح هبت عليها من جهة مطلع الشمس إذا استقبلته إذ كان وجهها إلى تلك الجهة فسمتها قبولا، و هي ريح الصبا، و ما أتى إليها من الريح عن دبر في حال استقبالها ذلك سمته دبورا، و هي الريح الغربية، و ما أتاها منها في هبوبها عن الجانب الأيمن سمتها جنوبا، و عن جانب الشمال سمته شمالا، و كل ريح بين جهتين من هذه الجهات سمتها نكباء، من النكوب و هو العدول، أي عدلت عن هذه الأربع الجهات، و النسيم أول هبوب الريح الذي هو من راح يروح، فالرياح تمر و لا تثبت، و الرائح ما هو مقيم، و من تصريف الرياح هبوبها، فيحرك الهواء الأشجار لإزالة الأبخرة الفاسدة عنها، لئلا تودع فيها ما يوجب العلل و الأمراض في العالم إذا تغذت به تلك الأشجار، فيأكلها الحيوان أو تفسد في نفسها بتغذيتها بذلك، فكان هبوب الرياح لمصالح العالم، حيث يطرد الوخم عنه و يصفي الجو فتكون الحياة طيبة.
«وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ» فإذا فقدوه حينئذ خرجوا للاستسقاء «لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» و هذه الآيات أسباب مقصودة غير مؤثرة في مسببها، و إنما الأثر في ذلك لناصب الأسباب و جاعلها حجابا عنه، ليتبين الفضل بين الخلائق في المعرفة باللّه، و يتميز
______________________________
اتفقا فيقدر الاختلاف، فيلزم منه ذلك بعينه، و تقدير الإمكان في المحال بالفرض كوقوع الكائن من أحد الإمكانين على السواء، و هذا القدر كاف فيما تعطيه عقول الأعراب، فإنه لا أجهل ممن اتخذ شريكا مع اللّه، و أما قوله: «فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» فيحتمل أن يريد وجودها و أعيانها، و قد يحتمل أن يريد إيجادها، فإن الخلق قد يرد بمعنى الفعل، و هو حال تعلق القدرة بالمقدور، مثل قوله: (ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) و قد يرد بمعنى المخلوق بأظهر الوجوه كقوله: (هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) أي مخلوق
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 239
من أشرك ممن وحد، فالمشرك جاهل على الإطلاق. و العقل من عالم التقييد و لهذا سمي عقلا من العقال، فإنه مأخوذ من عقال الدابة، و على الحقيقة عقال الدابة مأخوذ من العقل، فإن العقل متقدم على عقال الدابة، فإنه لو لا ما عقل أن هذا الحبل إذا شدت به الدابة قيدها عن السراح ما سماه عقالا، فالعاقل هو من يعقل عن اللّه ما يريد اللّه منه في خطابه إياه في نفسه بما يلهمه، أو على لسان رسوله صلّى اللّه عليه و سلم، فيعقل عن اللّه أمره و نهيه و ما يلقيه اللّه في سره، و يفرق بين خواطر قلبه فيما هو من اللّه أو من نفسه أو من لمة الملك أو من لمة الشيطان و يعقل نفسه، فبالعقل يسمع المكلف خطاب الحق، لأنه إذا زال العقل سقط التكليف و لم يبق للشرع عليه سلطان و لا حجة، و العامة ليست الآيات عندهم إلا التي هي عندهم غير معتادة، فتلك تنبههم إلى تعظيم اللّه، و اللّه قد جعل الآيات المعتادة لأصناف مختلفين من عباده، فمنها تلك الآيات المذكورة في هذه الآية للعقلاء، فثم آيات للعقلاء كلها معتادة، و آيات للموقنين، و آيات لأولي الألباب، و آيات لأولي النهى، و آيات للسامعين، و هم أهل الفهم عن اللّه، و آيات للعالمين، و آيات للعالمين، و آيات للمؤمنين، و آيات للمتفكرين، و آيات لأهل الذكر، فهؤلاء كلهم أصناف نعتهم اللّه بنعوت مختلفة و آيات مختلفة، كلها ذكرها لنا في القرآن، إذا بحثت عليها و تدبرتها علمت أنها آيات و دلالات على أمور مختلفة ترجع إلى عين واحدة، غفل عن ذلك أكثر الناس، و لهذا عدد الأصناف، فإن من الآيات المذكورة المعتادة ما يدرك الناس دلالتها من كونهم ناسا و جنا و ملائكة، و هي التي وصف بإدراكها العالم بفتح اللام، و من الآيات ما تغمض بحيث لا يدركها إلا من له التفكر السليم، و من الآيات ما هي دلالتها مشروطة بأولي الألباب، و هم العقلاء الناظرون في لب الأمور لا في قشورها، فهم الباحثون عن المعاني، و إن كانت الألباب و النهى
______________________________
اللّه، و بهذا ذمهم اللّه فقال: (أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ) و قال: (فاتخذوا من دون اللّه أولياء لا يخلقون شيئا و هم يخلقون) و أما فيما ذكره في سائر من الآية من اختلاف الليل و النهار، و إنزال الماء من السماء و إحياء الأرض بعد موتها بما أخرج فيها من النبات، و جري الفلك في البحر بمنافع الناس، و بث الدواب كلها من الحشرات و غيرها في الأرض، و تصريف الرياح، و تسخير السحاب بين السماء و الأرض، فما تعرض في الذكر لأعيانها كما تعرض للسماء و الأرض، إذ كان كل ما ذكره متولدا فيهما و بينهما، فدخل ذلك كله في ذكر السموات و الأرض، فعدل
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 240
العقول، فلم يكتف الحق سبحانه بلفظة العقل حتى ذكر الآيات لأولي الألباب، فما كل عاقل ينظر في لب الأمور و بواطنها، فإن أهل الظاهر لهم عقول بلا شك و ليسوا بأولي ألباب، و لا شك أن العصاة لهم عقول و لكن ليسوا بأولي نهى، فاختلفت صفاتهم إذ كانت كل صفة تعطي صنفا من العلم لا يحصل إلا لمن حاله تلك الصفة، فما ذكرها اللّه سدى، و كثر اللّه ذكر الآيات في القرآن العزيز، ففي مواضع أردفها و تلا بعضها بعضا و أردف صفة العارفين بها، و في مواضع أفردها، فمثل إرداف بعضها على بعض مساقها في سورة الروم، فلا يزال يقول تعالى: (وَ مِنْ آياتِهِ)* (وَ مِنْ آياتِهِ)* فيتلوها جميع الناس و لا يتنبه لها إلا الأصناف الذين ذكرهم في كل آية خاصة، فكأن تلك الآيات في حق أولئك أنزلت، و في حق غيرهم لمجرد التلاوة ليؤجروا عليها، فخرق العوائد تهول عند العامة، و هي عند الخاصة عوائد، فالعاقل يهوله المعتاد و غير المعتاد، و لذلك قال في المعتاد: «لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ». و من نظر في كل ما في الكون أنه آية عليه، فنظر إلى الأمور كلها معتادها و غير معتادها بعين الحق، ما هاله ما يرى و لا ما بدا مع تعظيمه عنده، فإنه من شعائر اللّه، و من يعظم شعائر اللّه فإنها من تقوى القلوب- شعر:
| الشخص مستدرج و الصدر مشروح | و الكنز مستخرج و الباب مفتوح | |
| أين الأوائل لا كانوا و لا سلفوا | العقل يقبل ما تأتي به الروح | |
| لكنهم حجبوا بالفكر فاعتمدوا | عليه و العلم موهوب و ممنوح | |
| ما فيه مكتسب إن كنت ذا نصف | فليس للعقل تعديل و تجريح | |
| العدل و الجرح شرع اللّه جاء به | ميزانه فبدا نقص و ترجيح | |
| العقل أفقر خلق اللّه فاعتبروا | فإنه خلف باب الفكر مطروح | |
______________________________
لما يطرأ فيها من الأحوال العارضة دائما لها، فما من حالة تطرأ إلا و يجوز خلافها، فتفتقر إلى وجود مرجح مختار، و أن يكون واحدا لما ذكرناه قبل، و هذا بالنسبة إلى عقولهم أقرب دليل يوضع في الأحدية، و هو الذي ارتضاه أكثر أئمة أهل الكلام و قالوا به و ساقوه أحسن مساق، و نحن أوردناه مختصرا لثقتنا بسرعة فهم السامع إلى المقصود من ذلك، و قد وقفت للشيخ الإمام الأوحد السيد سيف الدين أبي الحسن علي بن أبي علي الآمدي أيده اللّه، على دليل نصبه في أحدية الحق سبحانه و نفي إله آخر، لم يسبق إليه في علمه و لا في علمنا و لا وجد في كتاب أحد من المتكلمين
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 241
| لو لا الإله و لو لا ما حباه به | من القوى لم يقم بالعقل تسريح | |
| إن العقول قيود إن وثقت بها | خسرت فافهم فقولي فيه تلويح | |
| ميزان شرعك لا تبرح تزين به | فإن رتبته عدل و تصحيح | |
| إن التنافس في علم يقوم به | صدر بنور شهود الحق مشروح | |
| هذا التنافس لا أبغي به بدلا | له من الذكر قدوس و سبوح | |
| لمثل ذا يعمل العمال ليس لهم | في غير ذلك تحسين و تقبيح | |
[سورة البقرة (2): آية 165]
وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (165)
«وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ» أي أصدق حبا للّه من حب المشركين لمن جعلوهم شركاء، و سبب ذلك أنه إذا كشف الغطاء و تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا، و قال الذين اتبعوا:
(لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا) فزال حبهم إياهم في ذلك الموطن و بقي المؤمنون على حبهم للّه، فكانوا أشد حبا للّه بما زادوا على أولئك في وقت رجوعهم عن حبهم آلهتهم حين لم تغن عنهم من اللّه شيئا. «وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً» فلا قوة لمخلوق، فإن موطنه الضعف و العبودية «وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ».
______________________________
المتقدمين، و تبرز به على أقرانه، و لو لا أن هذا الكتاب يضيق عنه لسقناه كما ذكره، فمن أراد أن يقف عليه فلينظره في كتاب [أبكار الأفكار] له في علم الكلام (166) «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً» يقول: و من الناس من يتخذ من دون اللّه، فكفى بهم جهلا أنهم اتخذوه، و الإله ما يكون بالاتخاذ و لا بجعل جاعل، و إنما الإله الحق «أَنْداداً» أي شركاء، و قد تقدم تفسير الند في أول السورة، ثم قال «يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ» يقول: كحبهم للّه، ثم شهد للمؤمنين تزكية لهم فقال: «وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ» فإنه لا شك أن من أفردك بالصفة الشريفة أعظم ممن جعل معك فيها شريكا، فانقسمت محبة المشركين بين آلهتهم مع الحق، فضعفت أن تبلغ في القوة مبلغ حب المؤمنين بأحدية اللّه «وَ لَوْ تَرى»* يا محمد «الَّذِينَ ظَلَمُوا»* يعني
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 242
[سورة البقرة (2): آية 166]
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (166)
اعلم أنه ما من معبود إلا و يتبرأ من الذي يعبده هنا، من حيث لا يسمع العابد إلا بخرق العوائد، و في الدار الآخرة على الكشف، ففي موقف القيامة يقر كل أحد بالشهادة و لا ينكر و لا يدعي لنفسه ربوبية، و التبرؤ يوم القيامة يقع من الطائفة التي ادعيت فيها الألوهية و لم تدعها لنفسها، «مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا» و هم الذين اتخذوهم آلهة من دون اللّه، ما لم يتوبوا قبل الموت ممن يقبل صفة التوبة و ليس إلا الجن و هذا النوع الإنساني، فإذا عذب اللّه غدا المشركين الذين ذكرهم اللّه أنه لا يغفر لهم، فإنما يعذبهم من حيث أنهم ظلموا أنفسهم و وقعوا في خلق بكلام و دعوى ساءتهم، و توجهت منهم عليهم حقوق في أعراضهم يطلبونهم بها- الوجه الثاني- الذين قالوا: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» يوم القيامة تهلكهم عاداتهم و لا تنفعهم عباداتهم، و لا تغني عنهم من اللّه آلهتهم شيئا، و تبرأ منهم عند اضطرارهم أئمتهم، فلم تنفع البراءة تلك الأئمة، و ضوعف لهم العذاب خلف حجاب الظلمة، فكانوا و أتباعهم عن سعاداتهم بمعزل، و أنزلوا النار دار البوار.
______________________________
المشركين أو الظالمين مطلقا، و الأول أوجه «إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ» ينزل بهم يوم القيامة فإنهم يعلمون في ذلك الوقت «أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً» يعني القوة أجمعها التي كان المشركون قد فرقوها على الآلهة و الأنداد الذين اتخذوها «و» يعلمون «أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ» كما قال تعالى: (إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) و قال: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ) (167) «إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ» العامل في «إِذْ»* أيضا (وَ لَوْ تَرى)* إذ تبرأ شركاؤهم و إن كانوا حجارة، فإن الدار الآخرة هي الحيوان ينطق فيها كل شيء، قال تعالى:
(وَ قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) فعمّ، و تبرأ منهم رؤساؤهم الذين أضلوهم، و جعلوهم يشركون باللّه من الذين اتبعوهم و هو قوله: (وَ قالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ) حتى تنظروا و تبحثوا على وجه الحق، بل كنتم مجرمين، أي مستحقين العذاب، و قد يكون العامل في «إِذْ» (وَ نادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ) إذ تبرأ، أي في هذا الوقت، «وَ رَأَوُا الْعَذابَ» هذه الواو واو الحال يأتيهم «وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ» التي كانوا يظنون في الدنيا أنها توصلهم إلى سعادتهم، و تشفع لهم عند اللّه كما كانوا يزعمون في قولهم (ما
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 243
[سورة البقرة (2): آية 167]
وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)
فقد تبرءوا في موطن ما فيه تكليف بالبراءة أنها نافعة صاحبها. «وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ» ما ورد من الشارع أن العالم الذي هو في جهنم الذين هم أهلها و لا يخرجون منها أن بقاءهم فيها لوجود العذاب، فإنه يجوز أن يرتفع عن أهل النار وجود العذاب مع كونهم في النار، فإن اللّه تعالى يقول (رحمتي سبقت غضبي) و ليس بأيدينا من طريق العقل دليل على وجود العذاب دائما و لا غيره، فليس إلا النصوص المتواترة و ليس للعقل رده إذا ورد من الصادق النص الصريح.
[سورة البقرة (2): آية 168]
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168)
هذا أمر بالورع في المطاعم و غيرها من المكاسب، و أن يكون الناس على بينة من ربهم في مطاعمهم و مشاربهم، فإن الورع في الكسب يؤدي إلى الأكل مما يعلم أن ذلك حلال
______________________________
نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى) و قولهم (هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ) (168) «وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً» يعني رجوعا إلى الدنيا «فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا» تبرأنا منكم و من عبادتكم و الانقياد إليكم مثل ما تبرأتم اليوم منا في وقت حاجتنا و ضرورتنا (وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا) و أعمى اللّه أبصارهم، فمن كتبه اللّه شقيا لا يسعد، و من كتبه سعيدا لا يشقى، و لا يبعد «كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ» يقال: حسرت عن الشيء إذا كشفت عنه، كذلك أعمالهم حسرت عن العذاب إذ كانت أعمالهم في الدنيا سترا عليه «وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ» كما قال في أهل السعادة لما ذكر كونهم في الجنة قال: (وَ ما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ) فإن اللّه ما ذكر آية رحمة في القرآن إلا و إلى جانبها آية عذاب، و إن أفردها فستجد أختها أيضا مفردة في موضع آخر من القرآن، و من تتبع القرآن وجده على ما قلناه، و هذا نص في استمرار كونهم في النار إلى غير نهاية، فالمشرك ليس بخارج من النار (169) «يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ» مما يؤكل «حَلالًا»
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 244
لهم استعماله، فالحلال عزيز المنال على جهد الورع قليل جدا، و لا يحتمل الإسراف و التبذير، بل إذا تورعت عما لزمه أهل الورع فبالحري أن يسلم لك قوتك على التقصير، و النفس تورط صاحبها في الشبهات و هي تريد الحرام، فإن الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه، و إياك و الإسراف في النفقة و إن كانت حلالا صافيا، فإنه مذموم و صاحبه مبذر ملوم و لذلك قال:
[سورة البقرة (2): الآيات 169 الى 170]
إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشاءِ وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (169) وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ (170)
و ضرب اللّه تعالى مثلا لمن سمع كلام الرسول صلّى اللّه عليه و سلم، و لكن لجهله بما سمع أنه حق في نفس الأمر و عدم تصديقه كان عنده كمثل الصوت من الإنسان عند البهائم التي لا تعقل معناه، فقال تعالى:
______________________________
مصدر من حل يحل حلالا، أي أطلقت لكم الأكل مما في الأرض مما أحللته لكم، و قوله «طَيِّباً» أي ليس في أكله تنغيص عليكم، بل لذة و نعيم في الدنيا و الآخرة، قال تعالى: (وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ) و لو كان مناقشة حساب لم تكن خالصة، و لا وقعت للمؤمن بها لذة، و اعلم أن ذلك في مجرد الأكل الحلال، و الحساب إنما يقع و السؤال في كسبه و الوصول إليه، لا في أكله إذا كان حلالا، فإنه يغمض هذا المعنى على أكثر الناس «وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ» يعني في كسب هذا المأكول و تحصيله، فتأخذوه مما حرمت عليكم أخذه، فنهانا أن نقتدي بالشيطان و نمشي على أثره، فإن اللّه قد أعلمنا أنه لا يمشي في طاعة، و أنه مخالف أوامر اللّه، و أنه لنا عدو مبين ظاهر العداوة، فقال: «إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ»، و قد بينا في أول السورة ما معنى عدو، و الخطوة بفتح الخاء الفعلة الواحدة، و بضم الخاء ما بين قدمي الماشي، في هذه الآية دليل على أن الكافرين مخاطبون بفروع الشريعة و أنهم داخلون في هذا العموم، فخاطبهم بأن يأكلوا مما أحل لهم و لا يتبعون خطوات الشيطان، ثم قال (170) «إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشاءِ وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» أنزل الناس منزلة
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 245
[سورة البقرة (2): آية 171]
وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَ نِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171)
فأصمهم اللّه و أعمى أبصارهم و ختم على ألسنتهم، فما تلفظوا بما دعاهم إليه أن يتلفظوا به، فإنه لا فرق بين الصمم الذي لا يسمع كلام المخاطب، و بين من يسمع و لا يفهم
______________________________
الحاضرين و خاطبهم، و في الحقيقة إنهم مشاهدون له و حاضرون عنده، فإنه قد أخبر بأخذ الميثاق عليهم، و قد ورد في الصحيح أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم رأى أسودة عن يمين آدم و عن يساره، و ذكر أنها نسم بنيه، فصح أن يقول لهم مخاطبا «إِنَّما يَأْمُرُكُمْ» يعني الشيطان «بِالسُّوءِ» أي بما يسوءكم عاقبته في الدار الآخرة «وَ الْفَحْشاءِ» أي بما يفحش ذكره و يقبح، و هو العمل بمعاصي اللّه «وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» من تشريعكم لأنفسكم ما لم يأذن به اللّه، فتقولون هذا حلال و هذا حرام، و تقولون هو من عند اللّه و ما هو من عند اللّه، و تقولون على اللّه الكذب افتراء، فجعل هذا كله من أمر الشيطان لهم في نفوسهم، و هو لمته و وسوسته (171) «وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ» الآية، الضمير يعود على المقلدة لا على علماء الكفار «اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ» بدلا من اتباعكم ما أمركم به الشيطان في قلوبكم «قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا» أي ما وجدنا «عَلَيْهِ آباءَنا» من الدين، و لذا قلنا إن الضمير يعود على المقلدة، و إن عاد على الجميع فيكون هذا القول من مقلديهم خاصة، و في هذا تحريض على النظر في الأدلة و ذم التقليد في الأصول و الفروع، فإنه عمّ بقوله: «ما أَنْزَلَ اللَّهُ» فدخل تحته جميع الأحكام، و هو الأوجه، فإن الأصول تثبت بالأدلة العقلية، و لا يحتاج فيها إلى إنزال وحي من اللّه، بخلاف الفروع فإنها لا تعلم إلا بإنزال وحي من اللّه، و هو قوله:
«اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ» فعمّ، و حمله على ذم التقليد في الفروع أوجه و أولى، فلا يبقى من التقليد إلا نقل الدليل من المفتي إلى السائل عن اللّه، أو عن رسوله، أو الإجماع في المسألة التي يسأل فيها، فلو قال له المفتي هذا الحكم رأيي حرم عليه اتباعه و الأخذ به، فليس في الشرع من التقليد محمود غير هذا، لأنه لا بد منه، ثم قال: «أَ وَ لَوْ كانَ» فأتى بهمزة الرد و التعجب من فعلهم ذلك و تقليدهم إياهم، و الواو للحال، أي تتبعون آباءكم و لا تعرفون هل كانوا على الصواب فيما دانوا أنفسهم به للّه إن كان عن نظر في أدلة أو كانوا على خطأ في ذلك، و الآيات بين أيديكم و المعجزات، فلم لا تنظرون فيها، فقال: «أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ» فهو توبيخ و تعجب من قلة استعمالهم لعقولهم فيما تكون فيه سعادتهم، ثم شبههم و شبّه الرسول في دعائه إياهم، فذكرهم دون الداعي لدلالة المعنى عليه، فقال: (172) «وَ مَثَلُ الَّذِينَ
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 246
أ و لا يجيب إذا اقتضى الإجابة فلا يعقل إلا من سمع «فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ» عن اللّه، فإن من عقل المطلوب منه فيما أسمعه أن يرجع، فهم لا يرجعون إلى اللّه، و و اللّه إن عيونهم لفي وجوههم، و إن سمعهم لفي آذانهم، و إن ألسنتهم لفي أفواههم فهم لا يعقلون، و العقل من العقال، أي لا يتقيدون بما أريد له المسموع و لا المبصر و لا المتكلم به، فهم لا يعقلون أن ذلك المصوت به حق فيما يدعوه إليه، فمن أعجب الأشياء وصف السامع بالصمم و البصير بالعمى و المتكلم بالبكم، فما عقل و لا رجع و إن فهم.
______________________________
كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَ نِداءً» يحتمل هذا المثل وجهين: الوجه الواحد أنه ضربه مثلا للرسول الذي يدعوهم إلى الحق و لهم، و الوجه الآخر أنه ضربه مثلا للكافرين و لمن اتخذوه إلها من دون اللّه، و هل الضمير في كفروا يعود على الناس الكافرين كلهم من أهل الملل، أو يعود على كفار اليهود خاصة، فنقول: إن كان المثل للرسول و لهم فيكون معناه: و مثل الذين كفروا و مثل دعاء الرسول لهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء و نداء، فعند غير أهل طريقنا خرج عباد الأصنام و الأوثان من هذا المثل، و عندنا لم يخرج منهم أحد عن هذا المثل، فإن الأصنام عندنا تسمع و تشهد على متبعيها، كما ورد في أنه يشهد للمؤذن مدى صوته من رطب و يابس، و تسبيح الحصى في كف النبي عليه السلام، فخرق العادة عندنا لم يكن في تسبيح الحصى، و إنما كان في إدراكنا ما لم نكن قبل ندركه، قال تعالى: (وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) فجرى المثل على كل من عبد غير اللّه ممن هو بهذه الصفة، و ليس التشبيه هنا براعي الغنم و الإبل، فإنها تفهم عن الراعي إذا نعق بها ما يريد بذلك، من مشي و ورود ماء و نهي عن أكل، و إنما الأوجه نداء الشخص بالوحوش الشاردة، فإذا سمعت نداء تخيلت أنه الصائد فندت و شردت عن ندائه، كذلك الرسول يريد أن يوقعهم في حبالة الإيمان و يقيدهم عن مسارحهم التي كانوا فيها، فيشردون عند دعائه خوفا من ذلك، و يكون التشبيه مطابقا، و الوجه الآخر أن شبههم في دعائهم آلهتهم إذا لجئوا إليها في أوقات ضروراتهم، فلا يجيبونهم، كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء و نداء، و هم كما قلنا الوحوش الشاردة، فإذا سمعت آلهتهم أصواتهم بنسبة الألوهية لهم فرقوا من ذلك، و تبرءوا إلى اللّه من مقالتهم، و هم لا يشعرون، فإنهم لا يحسون بذلك منهم، و قد ختم اللّه عليهم، فلا يجيبونهم إلا بأمر اللّه، و قوله: «إِلَّا دُعاءً وَ نِداءً» كلام صحيح، فإن السمع إنما متعلقه الصوت، و الفهم من قوة أخرى و هو العقل، فذكر إدراك النداء و الدعاء، و ما ذكر إدراك المعنى المقصود من ذلك الدعاء، و قوله: «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ» تقدم الكلام في تفسيره، و قوله: «فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ»
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 247
[سورة البقرة (2): الآيات 172 الى 173]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَ اشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)
ما به حياتك ذلك رزقك و لا بد، و لا يصح فيه تحجير، سواء كان في ملك الغير أو لم يكن، فإن المضطر لا حجر عليه، و ما عدا المضطر فما تناول الرزق لبقاء الحياة عليه و إنما تناوله للنعيم به، و ليس الرزق إلا ما تبقى به حياته عليه، قال تعالى: «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ» بعد التحجير و قال (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) و ذلك هو الرزق.
______________________________
و قال فيمن تقدم: (فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) فأولئك عرفوا الحق و ما رجعوا، و هؤلاء سمعوا و ما فهموا، لأنه جاءهم بما يخالف ما كان عليه آباؤهم، فلم يعلموا ذلك و لا استعملوا عقولهم في النظر فيه (173) قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ» الآية، خطاب للمؤمنين بالأكل «مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ» فإن كانت من للتبيين فهم منه أن مسمى الرزق يكون حراما و حلالا، فأمرنا أن نأكل من حلاله، و نعمل في الحرام ما أمرنا بالعمل فيه في مواضع كثيرة، فما أمرنا قط في مثل هذا و لا نهينا إلا عن الأكل، و من جعل من للتبعيض حمل الرزق على الحلال، و لكن التبعيض يضعف فإنه معلوم ضرورة، فإنه لا يخلو الطيب من الرزق الذي يملكه إما أن يكون أكثر من حاجته في الوقت، و التبعيض لا بد منه، و إما أن يكون مقدار الحاجة أو دون الحاجة، فيبطل معنى التبعيض، فالتبيين أولى منه، ثم قال: «وَ اشْكُرُوا لِلَّهِ» تقدم القول عليه في قوله: (وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ) ثم قال: «إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ» فامتثلوا أمره فيما أمركم به من أكل الطيب الذي هو الحلال المستلذ و من الشكر عليه، قوله:
(174) «إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» لما كان من قولهم على اللّه ما لا يعلمون تحريم أمور لم يحرمها اللّه و اتخذوها شرعا ما أنزل اللّه به من سلطان، عرّفنا اللّه سبحانه في هذه الآية بما حرّمه على كافة عباده، إذ كانت رسالته صلّى اللّه عليه و سلم عامة لجميع الناس، فقال تعالى: «إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ» فالألف و اللام للتعريف، أي الذي يسميها العرب ميتة في عرفها، و الحيوان قسمان:
بري و بحري، و اتفق العلماء على تحريم ميتة البر، و اختلفوا في ميتة البحر على ثلاثة مذاهب، فطائفة
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 248
[سورة البقرة (2): آية 174]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (174)
«وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا» أي بكتمانه، لما حصلوه من المال و الرئاسة بذلك «أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» يفيد أنه من سئل عن علم تعين عليه الجواب عنه و هو يعلمه، فإن كتمه و هو مما أنزله اللّه ألجمه اللّه بلجام من نار.
______________________________
قالوا: هي حلال مطلقا، و هو مذهب مالك و غيره، و ذهب آخرون إلى تحريمها مطلقا، و فرق آخرون فقالوا: ما جزر عنه البحر فهو حلال و ما طفا من السمك فهو حرام، و لكل فريق حجة موضعها كتب الأحكام، و اختلفوا في ميتة الجراد لأنهم اختلفوا فيه، هل هو بري أو بحري؟
فمن قال إنه بري و غلب عليه حكم البر ألحقه بميتة البر، و من غلب عليه حكم البحر لحديث الترمذي أنه نثرة حوت ألحقه بميتة البحر، و أما الدم فمن جعل الألف و اللام للجنس عمّ، و من جعله للتعريف حمله على الدم المسفوح في قوله تعالى: (أَوْ دَماً مَسْفُوحاً) فقيده، فاتفق العلماء على تحريم الدم المسفوح من الحيوان المذكى، و اختلفوا في غير المسفوح منه، و السفح الذي يشترط إنما هو الدم السائل من التذكية في الحيوان الحلال الأكل، إذ الدم السائل من الحي فهو حرام بلا خلاف، قليله و كثيره، و كذلك ما سال من دم الحيوان المحرم الأكل، و إن ذكي فقليله و كثيره حرام بغير خلاف، و أما اختلافهم في دم الحوت فمن حرمه فبعموم اللفظ، و من أحله فليس له دليل، إلا أنه رأى أن الدم تابع في الحرمة و الحل لميتة الحيوان، فمن كان ميتته حراما فدمه حرام، و من كان ميتته حلالا فدمه حلال، و أما لحم الخنزير فاتفقوا على تحريم لحمه و شحمه و جلده ما لم يدبغ جلده، و أما الشحم و إن فارق اللحم بالاسم، فإن اللحم يوصف به، فيقال لحم شحيم، أي سمين، فكأن جنسا من اللحم يسمى شحما، و قوله: «وَ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ» الإهلال رفع الصوت، و المراد هنا ما ذبح لغير اللّه، أي سمي عليه غير اللّه على جهة القربة و العبادة لمن ذبح له، و هو قوله: (وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) و يتفرع هنا مسائل ليس هذا موضعها، و قوله: «فَمَنِ اضْطُرَّ»
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 249
[سورة البقرة (2): آية 175]
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَ الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)
يدل ذلك على أنهم عرفوا الحق و جحدوا مع اليقين، و أي آية كانت للعرب معجزة مثل القرآن، فتعجب اللّه من صبرهم على النار.
______________________________
فيه وجهان: المكره و من مسته مجاعة يتوقع منهما تلف الروح «غَيْرَ باغٍ» أي طالب من غير إكراه و لا مجاعة «وَ لا عادٍ» أي و لا يتعدى عند الأخذ قدر الحاجة لذي المجاعة، و قدر ما يكره عليه من ذلك للمكره، يقول: «فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ» أي لا حرج عليه في ذلك من ذلك، و قوله: «إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» و المغفرة تستدعي ذنبا أو شبهة ذنب، و الذنب الحاصل هنا إنما هو شبهة الذنب، فتتعلق بذلك المغفرة من اللّه، و هو يرجع إلى الآكل في جهله قدر الحاجة، لأنه عسير جدا، فقد يزيد من حيث ما يرى أنه محتاج على الحاجة التي تكون بها حياته، و قد ترجع المغفرة للعلماء المجتهدين الذين ذكرناهم في إطلاق التحريم و إطلاق التحليل، و القول بالتفرقة في ذلك، و لا بد أن يكون في أحد هذه الأقوال إصابة و خطأ كما نص عليه الشارع، فالخطأ متحقق في بعض هذه الأقوال من غير تعيين، فأخبر اللّه تعالى أنه غفور لذلك، و قد يمكن أن يكون راجعا لمن لم يوف حق الاجتهاد المطلوب منه، لما غاب عنه في ذلك من معرفة ماهية الاجتهاد، و قوله:
«رَحِيمٌ» بما رخصه من ذلك (175) «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ» الآية، دخل في هذا التعريف أهل الكتاب و غيرهم، و قد بيّنا ما كتم أهل التوراة و الإنجيل، و يدخل في هذا التعريف الحاكم يحكم بخلاف علمه المشروع له الحكم به لرغبة في اقتناء مال أو جاه سلطان، و هو الثمن القليل، فإنه منقطع و يبقى الوبال عليه، فقد يعتقد الحاكم أن الحكم الصحيح عنده الذي يدين اللّه به هو أمر ما عنده، فإذا عرف من السلطان أنه يسره الحكم بخلاف ذلك لغرض له فيه، فيقضي الحاكم بما يوافق هواه مما لا يعتقده حقا، و لا ينجيه من هذه الخطية أن يكون ذلك الحكم الذي رجع إليه مذهب بعض الأئمة، فإن ذلك القول عنده خطأ لا يدين اللّه به، و لو لا السلطان و رغبته في أخذ المنزلة عنده بذلك ما حكم به، فنسأل اللّه العافية و العصمة من ذلك، و هو أحد القاضيين اللذين في النار، و قوله: «أُولئِكَ» إشارة إلى الذين يكتمون «ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ» هذا موجود في كلام العرب معروف، يقال أكل فلان سرجه و ثوبه، أي باعه و أكل بثمنه ما يؤكل، فكنّى عما يحصل له من الجاه و المتاع بالأكل «وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ» لما كان تكليم اللّه عباده
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 250
[سورة البقرة (2): الآيات 176 الى 177]
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (176) لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ الْكِتابِ وَ النَّبِيِّينَ وَ آتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ السَّائِلِينَ وَ فِي الرِّقابِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)
«وَ آتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ» سمي المال مالا لأنه يميل بصاحبه و لا بد، إما إلى خير و إما إلى شر لا يتركه في حال الاعتدال … «وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا» عهدا مشروعا، فهم قوم تولاهم اللّه بالوفاء، لا يغدرون إذا عاهدوا، و الوفاء من شيم خاصة اللّه، فمن أتى في
______________________________
شرفا لذلك نفاه عنهم، و قوله: (اخْسَؤُا فِيها) على هذا يكون كلام الملك عن اللّه قال تعالى:
(فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ)، و قوله: «وَ لا يُزَكِّيهِمْ» أي لا يطهرهم و لا ينمي خيرهم «وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ»* موجع، و قوله: (176) «أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى» فأما في حق الكفار فقد بيناه في أول السورة، و أما ما يختص بالحاكم من هذا، فهو أن الحق الذي كتمه و لم يحكم به هو الذي اشترى بكتمانه إياه الثمن القليل، أو الضلالة التي حكم بها، و لو أراد الشراء بالذي حكم به لم يقل بالهدى، لأنه ليس عنده هدى، و إنما هو ضلالة، و ما ذكر أنه اشترى بالضلالة «وَ الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ» لما كان الهدى مكتوما في هذه القضية جعل المغفرة التي هي الستر، [للهدى] و جعل العذاب للضلالة، و قوله: «فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ» تعجبا يدل على أنهم عارفون بالحق، و أنهم مؤاخذون من عند اللّه، فقام لهم هذا العلم مقام من هو في النار، و قوله:
(177) «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ» يقول: و ما عملوا، و من ذلك أنه تعبده بما يغلب على ظنه أنه الحق فلم يحكم به، «وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ» ليسوا المؤمنين و لا علماء أهل الكتاب فإنهم عالمون به، و إنما هذا في الطائفة التي قالت في الكتاب إنه شعر و سحر و غير
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 251
أموره التي كلفه اللّه أن يأتي بها على التمام و كثر ذلك في حالاته كلها فهو وفيّ و قد وفّى، قال تعالى: (وَ إِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى) يقال و فى الشيء و فيا على فعول بضم فاء الفعل إذا تم و كثر «وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ» من كان حاله التقوى و الاتقاء كيف يفرح و يلتذ، من يتقي، فإن تقواه و حذره و خوفه أن لا يوفي مقام التكليف حقه، و علمه بأنه مسئول عنه لا يتركه يفرح و لا يسر، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: [أنا أتقاكم للّه و أنا أعلمكم بما أتقي]. إشارة- «أُولِي الْقُرْبى» أقرب أهل الشخص إليه نفسه فهي أولى بما يتصدق به من غيرها، و لكل متصدّق عليه صدقة تليق به من المخلوقين، ثم جوارحه، ثم الأقرب إليه بعد ذلك، و هو الأهل ثم الولد ثم الخادم ثم الرحم ثم الجار، كما يتصدق على تلميذه و طالب الفائدة منه، و إذا تحقق العارف بربه حتى كان كله نورا، و كان الحق سمعه و بصره و جميع قواه، كان حقا كله، فمن كان من أهل اللّه فهم أهل هذا العارف الذي ذكرناه، فإنه حق كله، فإذا تصدق على أهل اللّه فهو المتصدق على أهله، إذا كان المتصدق بهذه المثابة، و من تصدق على نفسه بما فيه حياتها كانت له صدقة و صلة باللّه، الذي الرحمن من نعوته، قال صلّى اللّه عليه و سلم:
الرحم شجنة من الرحمن من وصلها وصله اللّه- و المال في الاعتبار العلم و زكاة العلم تعليمه.
______________________________
ذلك، و قوله: «لَفِي شِقاقٍ» يوم القيامة في عذاب يشق عليهم حمله «بَعِيدٍ» زواله عنهم، و قد يكون عبارة عن منازعتهم فيه و مشاققتهم بعضهم مع بعض، و يكون قوله: «بَعِيدٍ» يعني عن إصابتهم الحق في ذلك (178) «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ» الآية، يخاطب اليهود و النصارى لما كثرت قالتهم في تحويل القبلة، و كل طائفة منهم تحب أن تستقبل قبلتها، فأنزل تعالى «لَيْسَ الْبِرَّ» ما أنتم عليه من تولية وجوهكم في صلاتكم «قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لكِنَّ الْبِرَّ» أي الإحسان المقرب إلى اللّه «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ» أي بر من آمن باللّه، و الوجه عندي في ذلك لما كانت الآية تقتضي المدح و الثناء بقيام هذه الأوصاف التي عددها ذكر من قامت به تهمما به، إذ كانت الصفة إذا تحقق بها الموصوف هي و الموصوف كالشيء الواحد، فأقام من الذي هو الموصوف مقام الإيمان الذي هو الصفة، و هو مبالغة في الثناء، فالمعنى: و لكن البر الإيمان باللّه أي وجود اللّه و توحيده، و في هذا رد على المعطل و المشرك «وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ» خلافا لمنكري البعث الجسماني «وَ الْمَلائِكَةِ» خلافا لمن يجعلها قوى «وَ الْكِتابِ» يريد الكتب المنزلة من عند اللّه، و الألف و اللام للجنس، خلافا لمنكريها أنها من عند اللّه من أهل النظر «وَ النَّبِيِّينَ» خلافا للبراهمة
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 252
[سورة البقرة (2): آية 178]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (178)
… «فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ» من ولي الدم «وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ» من القاتل إلى ولي الدم …
«فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ» أي إن قتله بعد ذلك غدرا و قد رضي بالدية و بما عفا عنه منها «فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ» فهذه وصية لولي الدم أن يعفو و يخلي بين القاتل و المقتول يوم القيامة، و أخبر صلّى اللّه عليه و سلم أن حكم القاتل قودا حكم القاتل اعتداء، و هو قوله: (جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها)، فقال في صاحب التسعة: [أما إن قتله كان مثله] فتركه و لم يقتله.
______________________________
و منكري الرسل «وَ آتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ» يقول: و أعطى المال حبا للّه، و قد يعود الضمير على المال، أي يعطيه على حبه فيه، أي على أنه يحبه، قال تعالى: (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) فكان ابن عمر يشتري السكر و يتصدق به، و يقول: إني أحبه، و يتلو هذه الآية، و هو الأوجه في التأويل، و يعني بهذا الإعطاء صدقة التطوع و التضييف و الهدية و الهبة، و قوله: «ذَوِي الْقُرْبى» يريد صلة الرحم «وَ الْيَتامى» من لا مال له منهم «وَ الْمَساكِينَ» الذين يسكنون إلى الناس ليعطوهم و إن لم يسألوا بلسانهم «وَ ابْنَ السَّبِيلِ» ضيافة المسافر «وَ السَّائِلِينَ» الملتمسين العطاء من المحتاجين و غيرهم «وَ فِي الرِّقابِ» معونة المكاتبين في كتابتهم «وَ أَقامَ الصَّلاةَ»* بحدودها و لوازمها «وَ آتَى الزَّكاةَ» المفروضة «وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا» مع اللّه و مع غير اللّه على الوجه المشروع الذي أباح لهم الشرع أن يعاهدوا عليه، و منه الوفاء بالنذر «وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ» في حال الشدائد «وَ الضَّرَّاءِ» فيما يتضررون به مما فيه قربة إلى اللّه «وَ حِينَ الْبَأْسِ» المجاهدين في سبيل اللّه «أُولئِكَ» إشارة إلى القائمين بهذه العبادات «الَّذِينَ صَدَقُوا» أي أخذوها بقوة و صلابة في الدين، لأن الصدق الصلابة في الدين، يقال رمح صدق أي صلب، يقول صدقوا مع اللّه في ذلك «وَ أُولئِكَ هُمُ» الذين سميناهم بأنهم «الْمُتَّقُونَ» من عبادي الذين كتبت لهم رحمتي، و قد تقدم المتقي من هو، و أن ما ذكره في هذه الآية صفة المتقي (179) «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى» يقول: فرض
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 253
[سورة البقرة (2): آية 179]
وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)
«وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ» لما في ذلك من مصالح الحياة الدنيا «يا أُولِي الْأَلْبابِ» و هم الناظرون في اللب مع قوله: (فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) فعلموا أن القصاص إنما شرع لأن الجاهل لا يردعه مثل العفو، فيؤديه احتمال الكامل مع جهله إلى إهلاك أولي الألباب، فإذا علم أن النفس بالنفس و لا بد ارتدع، فقتل الجاهل كقطع عضو لسعته الحية من الجسد إبقاء على باقي الجسد، فهو ينقصه إلا أن فيه مصلحته. «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» و هذا إثبات للأسباب الإلهية المقررة في العالم فعلل، و لام العلة في القرآن كثير.
______________________________
عليكم القصاص في القتلى إن قتل حر حرا قتل به، و إن قتل عبد عبدا قتل به، و إن قتلت أنثى أنثى قتلت بها، لا يقتل حر بعبد لم يقتله، و لا رجل بامرأة لم يقتلها، و ما تعرض في الآية إلى حكم الحر بالعبد، و لا الذكر بالأنثى، حتى يدّعى في هذه الآية النسخ، فإذا ورد حكم آخر في الكتاب أو السنة عمل به و كان زيادة حكم، و إنما تكون هذه الآية منسوخة لو لم يقتل حر بحر و لا عبد بعبد و لا أنثى بأنثى، و ما قال في الآية و لا يجوز غير هذا، و لو قال ذلك لكان النسخ يرد على قوله حكما، و لا يجوز غير هذا لثبوت الحكم فيما ذكره، و لا خلاف في أن هذا الحكم في قتل العمد، و أما شبه العمد أو الخطأ فله حكم آخر إذا ورد يرد الكلام عليه، و الشرط الذي يجب به القصاص في المقتول هو أن يكون دم المقتول مكافئا لدم القاتل، و الذي به تختلف النفوس هو الإسلام و الكفر، و الحرية و العبودية، و الذكورية و الأنوثية، و الواحد و الكثير، و لا خلاف بين العلماء أن المقتول إذا كان مكافئا للقاتل في هذه الأربعة أنه يجب القصاص، فثبت بهذا الاتفاق أن هذه الآية ليس بمنسوخة، و أن النبي عليه السلام إنما كان حكمه بين الحيين في السبب الموجب لنزول هذه الآية أن لا يقتل بالمقتول غير قاتله كما ذكرناه، ثم قال: «فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ» فيه وجوه، منها إذا عفا ولي المقتول عن القود و قبل الدية فيطلبها من القاتل بمعروف، أي برفق على وجه مشروع، و لا يشطط في الدية بأن يطلب الغاية القصوى في سمنها و حسنها، و ليطلب بحكم التوسط في ذلك، و ليؤدي القاتل إليه ذلك بإحسان، أي بحيث يطيب قلبه، و وجه آخر و هو «فَمَنْ عُفِيَ لَهُ» أي من بقيت له من دية أخيه بقية فليطلبها كما ذكرناه، سواء كثرت أو قلت، و قد يكون للدم أولياء فيعفو بعضهم فيسقط القود و تتعين
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 254
[سورة البقرة (2): آية 180]
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)
الأقربون هم الذين لا حظ لهم في الميراث، و الوصية في الثلث مما له التصرف فيه من ماله، فلا يتجاوز ثلث ماله.
______________________________
الدية، فيطلبونها بالمعروف، أي بالعدل كما ذكرناه «ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ» من الذي كان مكتوبا في ذلك على أهل الكتابين، فكتب على اليهود القتل و ليس لهم أن يعفوا و لا أن يأخذوا الدية، و على أهل الإنجيل العفو ليس لهم قتل و لا أخذ دية، فوسع اللّه علينا و عليهم فخفف بأن خيرنا في إحدى ثلاث قودا و عفوا و دية، فالرحمة بأولياء المقتول إن أخذوا الدية انتفعوا بها، و إن قتلوا شفوا صدورهم، و كان ذلك كفارة للقاتل و رحمة في حق القاتل، إن قتل فكفارة، و إن عفي عنه أو أخذوا الدية فقد أبقيت عليه حياته ليتوب و يرجع «فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ» أي من اعتدى على القاتل فقتله بعد أخذ الدية أو العفو، أو اعتدى في القود إذا تولى قتله أن يمثل به، يقول بعد فرض الحكم الذي شرعه اللّه على حد ما شرعه في القصاص أن يقتل بمثل ما قتل به، و هو قول جماعة، أو يقتل بالسيف و هو قول جماعة أخرى، و لكل فريق حجة ليس هذا موضعها (180) «وَ لَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» يقول: لا يقتل بالمقتول سوى قاتله، لأن العرب كانت تقتل الجماعة بالواحد، و قد يريد بالقصاص أخذ الدية فتبقى حياة القاتل عليه، و قد يكون القصاص ردعا و زجرا فيقل القتل خوفا من القصاص، و قد يكون جميع هذه الوجوه مقصودة بالقصاص، و في هذه الآية شرف للعقول و أنه ما خاطب بالحكم إلا العقلاء، و قوله: «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» تقدّم تفسيره في أول السورة (181) «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» يقول: فرض عليكم إذا حضر أحدكم الموت، يعني إذا جاء أجله، إن ترك خيرا أي مالا فله أن يوصي لوالديه بماله الذي يملكه، و الذي يملكه من حضره الموت من ماله، إنما هو الثلث لا غير، فللإنسان أن يهب ماله كله الذي ملكه الشرع صحيحا أو مريضا، لأن التمليك للشارع، و تلك الوصية حقا للّه عليه في ماله إن اتقى اللّه، و ذهب بعضهم إلى أنه يعصي من لا يفعل ذلك، و الأقربون هنا من لا يرث كالخالة و الخال، و قد جاء النص في بر الخالة و الوصية عليها، و قد جاء عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم [لا وصية لوارث] فأما الأقربون فيسوغ فيهم ما ذهبوا إليه، و أما الوالدان
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 255
[سورة البقرة (2): الآيات 181 الى 182]
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182)
الجنف حيف في الكم و الكيف.
______________________________
فيتعينون و قد قال: (وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً)* فما المانع أن يجمع اللّه لهم بين الوصية و الميراث، إذ كان حقهم أعظم الحقوق و أوجبها، و القرآن نص مقطوع به، و قد اتفقوا على أنه لا تجوز الوصية لوارث، فإذا وقعت فأجمعوا على أنه لا تجوز إذا لم تجزها الورثة، و اختلفوا إذا أجازتها الورثة، فقال الأكثرون تجوز، و قال أهل الظاهر لا تجوز و إن أجازتها الورثة، و حكي ذلك عن المزني، و الذي يقتضيه النظر أنّ تنفيذها من كونها وصية لا تجوز، و قد رفع الشارع حكمها أن تكون وصية، إذا فليست بوصية شرعا، و إذا لم تكن وصية و قد تعين القدر الذي ذكره الميت، فيقسم على القرابة بأسرهم ما لم يعين قرابة مخصوصين، فإن عيّن فالأولى بالورثة إذا سمحوا بإعطاء هذا المال صدقة منهم عن الميت أن يوصلوه لمن عيّنه على حكم ما عيّنه، و هي عندنا عبادة غير معللة، و قوله: «بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» يؤيد أنها غير منسوخة و أنها غير مخالفة لآية المواريث، فيكون المعنى: كتب عليكم ما أوصى به اللّه من توريث الوالدين و الأقربين في قوله تعالى:
(يوصيكم في أولادكم) الآيات كلها، فاعملوا فيها بالمعروف و أعطوا كل ذي حق حقه كما أوصى اللّه «بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا» واجبا على القاسم لها أن يتقي اللّه فيها، على أنه قد روي عن بعض أهل العلم أنه يجمع للوالدين بين الوصية و الميراث، و من قال بالتأويل الأول حمل المعروف أن لا يتجاوز الموصي الثلث، و يعمل بالعدل في ذلك (182) «فَمَنْ بَدَّلَهُ» أي غيّر ما وقعت به الوصية «بَعْدَ ما سَمِعَهُ» من الموصي «فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ» فإن إثم التبديل على من بدله «إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ» ما أوصى به الميت «عَلِيمٌ»* به، و فيه و عيد للمبدّل (183) «فَمَنْ خافَ» أي توقع «مِنْ مُوصٍ جَنَفاً» ميلا عن الحق و هو لا يدري «أَوْ إِثْماً» متعمدا لذلك، فتنازع الموصى لهم في ذلك «فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ» و إن أخطأ في القسمة أو في رد ذلك إلى الوجه المشروع في اجتهاده «إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ» في حق المصلح، و الميت الذي ما تعمد الخطأ «رَحِيمٌ»
رحمة من الرحمن فى تفسير و اشارات القرآن، ج1، ص: 256